سيناريوهات الأزمة في جنوب اليمن: بين الاحتواء والصدام الداخلي
مع تسارع التحركات الميدانية للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظات حضرموت والمهرة، والسيطرة على مدينة سيئون، إضافة إلى حقول نفطية في المنطقة الصحراوية المحاذية للسعودية عاد ملف جنوب اليمن إلى الواجهة بقوة في وقت بالغ الحساسية تشهده الأزمة اليمنية، إذ تحمل هذه التحركات أبعادًا أمنية وسياسية في آنٍ واحد، بين سعي المجلس الانتقالي لتكريس حضوره كقوة سياسية وأمنية فاعلة، ومحاولات احتواء هذا المسار دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، يقف "جنوب اليمن" عند مفترق طرق قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة من الصراع.
في هذا السياق، جاء التدخل العسكري السعودي المحدود كجزء من محاولة ضبط التوازن ومنع انتقال الخلافات السياسية إلى صدام مفتوح داخل المعسكر المناهض للحوثيين؛ فبالنسبة للرياض، لا يقتصر التحدي على إدارة مواجهة مستمرة مع الحوثيين، بل يمتد إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في المناطق المحسوبة على الشرعية، ومنع تفككها في لحظة إقليمية دقيقة.
يعكس المشهد الحالي تعقيدًا متزايدًا في الأزمة اليمنية، حيث تتداخل المطالب الجنوبية المشروعة مع حسابات الأمن الإقليمي، وتتقاطع طموحات الفاعلين المحليين مع أولويات الداعمين الإقليميين؛ مما يعيد طرح أسئلة قديمة حول مستقبل الجنوب، وحدود مشروع الانفصال، وموقعه داخل معادلة الصراع الأوسع في البلاد.
ففي حين وفرت جماعة الحوثي لطهران المناخ المناسب لفرض السيطرة على مواقع استراتيجية في الإقليم مثل مضايق وسواحل البحر الأحمر، جاء المجلس الانتقالي الجنوبي لينافسها على تقديم قرابين مماثلة إلى الجانب الإسرائيلي.

صراع الكيانات
يعيش اليمن حالة الانقسام في ظل وجود حكومتيْن، إحداهما يُعترف لها بالشرعية الدولية، تدير أعمالها من عدن كعاصمة مؤقتة، وتمارس نفوذها على المحافظات الجنوبية وبعض المناطق الشمالية التي لم يمتد إليها نفوذ الحوثيين، يقودها مجلس قيادة رئاسي منذ 7 أبريل 2022، حين أصدر الرئيس السابق عبدربه منصور هادي بناءً على تفاهمات بين الرياض وأبوظبي تفويضًا بنقل صلاحياته وسلطاته، وكذلك صلاحيات وسلطات نائب الرئيس، إلى مجلس قيادة رئاسي، يترأسه الأكاديمي د. رشاد محمد العليمي، ومعه 7 أعضاء هم سلطان العرادة، وطارق محمد عبد الله صالح، وعبد الرحمن أبوزرعة، وعبد الله العليمي باوزير، وعثمان مجلي، وعيدروس الزبيدي، وفرج البحسني.

ومن بين أهداف مجلس القيادة الرئاسي تجميع القوى المناوئة لمليشيا الحوثيين في "جبهة واحدة"، وتوسيع مؤسسة الرئاسة لتضم كل قوى الشرعية، ووضع الأولوية للحوار، وتأجيل المطالب التي تتبناها القوى السياسية لما بعد استعادة الشرعية لكل ربوع اليمن.
ومنذ إعلان تشكيل المجلس القيادي، ظهرت الكثير من التباينات بين عيدروس الزبيدي نائب رئيس المجلس الرئاسي، ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، ورئيس المجلس الرئاسي د. العليمي حول التصرفات الأحادية التي سعى الانتقالي لتكريسها في عدن وما حولها وفى بعض مناطق شبوة ولحج والضالع، من خلال نشر قوات بعيدة عن سلطة الحكومة، وتوجيه الانتقادات للحكومة وتحميلها مسئولية ضعف الخدمات المقدمة للمواطنين، وتحفيز الدعاية وراء مبدأ أن الانفصال هو الخلاص من مشكلات الجنوبيين.
هذا التطور الذي عد خرقًا مباشرًا لاتفاق الرياض الموقع عام 2019، لم يكُن مجرد صراع داخلي يمني، بل حلقة في لعبة إقليمية أوسع تتقاطع فيها حسابات إسرائيل، الساعية إلى تعزيز نفوذها في ممرات البحر الأحمر، بعد أعوام من التصعيد مع جماعة الحوثيين، وحلم قديم بالاستحواذ على "خليج العقبة".
يرتبط الدور الإسرائيلي في الجنوب اليمني ارتباطًا وثيقًا بتحالفاته مع الدول الداعمة للمجلس الانتقالي علنًا أو خلف الستار، ليس فقط في مواجهة الحوثيين، بل في إطار مشروع أوسع لإعادة رسم الخريطة السياسية لليمن، وكشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن تعهدات من جانب قيادات في "الانتقالي" بالانفتاح على التطبيع مع إسرائيل مقابل دعم سياسي وأمني لمسار الانفصال.

الجنوب بين تراكمات الماضي وضغوط الحاضر
يرجع تصاعد الخطاب الانفصالي في جنوب اليمن إلى جذور سياسية وتاريخية عميقة، ارتبطت بتجربة ما قبل الوحدة وما تلاها من صراعات، شعرت معها قطاعات واسعة من الجنوبيين بالتهميش السياسي والاقتصادي؛ ظلت هذه التراكمات حاضرة في الوعي الجنوبي، لكنها بقيت لفترة طويلة ضمن إطار المطالب السياسية أكثر من كونها مشروعًا ميدانيًا مكتمل الأركان.
خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع تراجع سلطة الدولة المركزية بفعل الحرب، تحولت هذه المطالب إلى واقع سياسي وأمني تديره قوى محلية منظمة، في مقدمتها "المجلس الانتقالي الجنوبي". منح هذا التحول القضية الجنوبية زخمًا جديدًا، لكنه في الوقت ذاته أدخلها في تعقيدات أوسع تتجاوز البعد المحلي.
كما عكست التحركات الأخيرة في محافظات مثل حضرموت والمهرة محاولة للانتقال من مجرد تمثيل رمزي إلى تثبيت حضور فعلي على الأرض، سواء عبر السيطرة الأمنية أو إدارة بعض الملفات المحلية، غير أن هذه الخطوات أثارت مخاوف من أن يتحول السعي لتحسين شروط التفاوض إلى فرض واقع انفصالي يصعب التراجع عنه.
في هذا الصدد، يبرز التحدي الأساسي أمام القوى الجنوبية في الموازنة بين الحفاظ على الزخم الشعبي لقضيتها، وبين تجنب الانزلاق نحو صدام داخلي أو إقليمي قد يضعف المشروع نفسه بدلًا من تعزيزه، خاصة في ظل هشاشة الوضع اليمني العام.

إدارة التوازنات الإقليمية في جنوب اليمن
تنظر السعودية إلى جنوب اليمن باعتباره جزءًا لا يتجزأ من معادلة أمنها الإقليمي، وليس مجرد ملف سياسي داخلي؛ فاستقرار هذه المناطق يرتبط بشكل مباشر بأمن الحدود والممرات الحيوية، إضافة إلى مسار التسوية الشاملة التي تسعى الرياض إلى دفعها قدمًا بعد سنوات من الحرب.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة التدخلات العسكرية المحدودة على أنها أدوات لإدارة التوازن، لا خطوات تصعيدية تهدف إلى تغيير جذري في موازين القوى، إذ يتمثل الهدف الأساسي في منع تفكك المعسكر المناهض للحوثيين، والحفاظ على حد أدنى من التنسيق بين مكوناته المختلفة.
في المقابل، يعكس المشهد تباينًا في المقاربات داخل التحالف الداعم للشرعية، حيث تميل بعض الأطراف إلى دعم الفاعلين المحليين وتعزيز نفوذهم، بينما تركز أطراف أخرى على الحفاظ على الإطار العام للدولة اليمنية. هذا التباين لا يصل بالضرورة إلى مستوى الصدام، لكنه يترك أثره الواضح على إدارة ملف الجنوب.

وتحاول الرياض التحرك ضمن هامش ضيق يجمع بين احتواء التحركات الانفصالية وعدم دفعها نحو مواجهة مفتوحة، وهي معادلة شديدة الحساسية، خاصة في ظل غياب مؤسسات يمنية قادرة على لعب دور الوسيط الداخلي الفاعل.
سيناريوهات الاحتواء ومستقبل الجنوب
الأحداث الأخيرة تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، يأتي في مقدمتها خيار الاحتواء السياسي عبر تفاهمات جديدة تعيد تنظيم العلاقة بين القوى الجنوبية والحكومة الشرعية، مع ضمان تمثيل أوسع ومكاسب سياسية محددة ضمن إطار الدولة اليمنية.
فيما يتمثل سيناريو آخر في استمرار التصعيد المحدود، حيث تبقى التحركات الميدانية والضغوط العسكرية في نطاق الرسائل المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة. هذا المسار قد يطيل أمد الأزمة، لكنه يجنّب الأطراف كلفة الانفجار الكامل في المدى القريب.

أما السيناريو الأكثر خطورة فيكمن في فشل جهود الاحتواء، ما قد يدفع الجنوب إلى صدام داخلي طويل الأمد، سواء بين القوى الجنوبية نفسها أو بينها وبين أطراف أخرى داخل معسكر الشرعية. مثل هذا السيناريو من شأنه تعقيد أي تسوية وطنية شاملة.
ختامًا:
يبدو مستقبل الجنوب مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من منطق فرض الوقائع إلى منطق إدارة الخلاف سياسيًا. فالقضية الجنوبية، رغم مشروعيتها لدى كثيرين، تبقى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمآلات الصراع اليمني الأوسع، ولا يمكن فصلها عنه دون كلفة عالية على الجميع.



