من سيدي تيمان إلى قطر جيت: كيف تتلاعب إسرائيل بتسريباتها السياسية؟
خلال الفترة الماضية، شهدت تل أبيب سيلًا من التسريبات الأمنية والاستراتيجية، كشفت عن عمق الأزمة الأمنية في إسرائيل وعدم قدرة الحكومة الإسرائيلية على ضبط أعضائها وحلفائها، الأمر الذي كشف حقيقة المخططات الإسرائيلية خلال الحرب الماضية.
فندت معظم التسريبات السابقة الحجج التي كانت تروجها الحكومة الإسرائيلية حول دوافعها من الحرب على قطاع غزة، فبعض التسريبات كشفت تلاعب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، بملف الرهائن لديه ورفضه القاطع إبرام أية صفقات لتبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل، وتسريبات أخرى كشفت عن حجم المعاناة الإنسانية التي يعانيها المعتقلون الفلسطينيون في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، في حين ذهبت تسريبات أخرى لكشف تلاعب السياسة الخارجية الإسرائيلية في ملف الوسطاء الدوليين، ومحاولة إيجاد الوقيعة بين الوسطاء، خاصة بين مصر وقطر. وهناك تسريبات أخرى تدور حول النائبة في الكنيست وعضو حزب الليكود تالي غوتيليب، تتعلق بمقتل يحيى السنوار والحرب على إيران. وجاءت الاستجابات الحكومية لقضايا التسريب الأخيرة التي عانت منها الحكومة الإسرائيلية ما بين التساهل والتشديد والمعاقبة، وأيضًا المكافأة الرمزية.
أولًا: تسريبات صحيفة بيلد الألمانية
تدور تلك التسريبات حول قيام إيلي فيلدشتاين، المستشار الإعلامي والمتحدث السابق باسم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بإدلاء تصريحات وتمرير معلومات إلى صحيفة بيلد الألمانية، تحمل معلومات ذات أهمية استخباراتية، وذلك من أجل التأثير على الرأي العام الإسرائيلي فيما يخص صفقة الرهائن مع حركة حماس.
يدّعي فيلدشتاين أن رئيس الوزراء كان على علم مسبق بالتصريحات والمعلومات التي تم تمريرها إلى الصحيفة الألمانية، ففي مقابلته الأخيرة مع هيئة البث الإسرائيلية، أوضح فيلدشتاين في 22 ديسمبر الماضي أن وثيقة تم تمريرها إلى الصحيفة الألمانية وُجدت في متعلقات رئيس حركة حماس يحيى السنوار، تفيد بعدم جدية حركة حماس في إتمام صفقة تبادل الأسرى والرهائن مع الحكومة الإسرائيلية.

يعود تاريخ تمرير تلك الوثيقة إلى شهر سبتمبر 2024، وبعدها بشهر تقريبًا تم اعتقال فيلدشتاين على خلفية تسريباته إلى الصحيفة الألمانية. وزعم أيضًا أن رئيس الوزراء ومدير مكتبه تساحي برافرمان كانا على علم بتمرير الوثيقة إلى الصحيفة الألمانية، كما وعدا فيلدشتاين بإيقاف التحقيقات.
وأخبر فيلدشتاين هيئة البث الإسرائيلية بأن نتنياهو كان يهدف في الأساس إلى مواجهة الروايات الإعلامية المنتقدة لسلوكياته خلال حرب غزة الأخيرة، ومحاولة الحد من الاتهامات الإعلامية الموجهة له بالمسؤولية السياسية والقانونية عن أحداث 7 أكتوبر 2023.
يشير فيلدشتاين إلى أنه اتجه إلى تسريب وثيقة السنوار على خلفية قيام خلية من حركة حماس، في أغسطس 2024، بتنفيذ عملية إعدام فوري لستة من الرهائن، مما أدى إلى اشتياط غضب الرأي العام الإسرائيلي واتهام نتنياهو بالسعي لتحقيق انتصار شامل، حتى وإن جاء على حساب حياة وأرواح الرهائن الإسرائيليين.
إلا أن الرياح دائمًا تأتي بما لا تشتهي السفن، فالوثيقة التي تم تسريبها إلى الصحيفة الألمانية كانت صادرة في تاريخ قديم يعود إلى بداية عام 2024، وليس وقت إعدام الرهائن، وهو ما أثار ضجة إعلامية كبرى في العالم حول استغلال نتنياهو للصحيفة الإعلامية للترويج لمخططات تل أبيب الرامية إلى اتهام حماس بعدم الجدية لتنفيذ صفقة الرهائن. وإزاء ذلك، أقدم الجيش الإسرائيلي، وتحديدًا إدارة أمن المعلومات، على بدء إجراءات تحقيق حول تلك التسريبات، مما استدعى نتنياهو ومدير مكتبه تساحي برافرمان إلى التنصل من القضية، وادعاء أن فيلدشتاين هو من قام بتلك التسريبات من تلقاء نفسه، مستغلًا وضعه الوظيفي كمستشار إعلامي من أجل تمرير تلك الوثيقة. حيث أصدر مكتب نتنياهو بيانًا فند فيه مزاعم فيلدشتاين، موضحًا أنه يريد التهرب من المسؤولية.

ويؤكد فيلدشتاين أن نتنياهو كان يعاني من أزمة في التعاطي مع أزمة الرهائن لدى حماس، فلم يكن يريد الضغوط الإعلامية المكثفة عليه من أجل تحقيق صفقة الرهائن مع حماس، للدرجة التي جعلته يرفض الاطلاع على فيديو صورته حركة حماس للرهينة ميا شيم، وهي مثخنة بالجروح، في 16 أكتوبر 2023. فمنذ اليوم الأول لأزمة 7 أكتوبر، فضل نتنياهو المواجهة العسكرية مع حركة حماس على تحقيق صفقة الرهائن.
ثانيًا: تسريبات قطر جيت
تشير تسريبات أخرى متورط فيها المتحدث الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية إيلي فيلدشتاين، وهي تسريبات قطر جيت، حيث عمل فيلدشتاين أثناء عمله في الحكومة الإسرائيلية على التعاقد مع شركة العلاقات العامة "بيرسبشن"، التي يرأسها يسرائيل آينهورن، مدير الحملة الانتخابية لنتنياهو، لإنشاء حملات إعلامية في الصحف الغربية تروج للدور القطري كوسيط في مفاوضات الرهائن، والتقليل من الدور المصري، وتحسين صورة الدوحة في الرأي العام الإسرائيلي، باعتبار أن قطر هي الحاضنة لمقر حركة حماس وذات التأثير الأعلى على قيادات الحركة.
ثالثًا: ردود الأفعال الإسرائيلية
نتيجة لفضيحة قطر جيت، انبرى العديد من قادة المعارضة الإسرائيلية للتنديد بموقف الحكومة الإسرائيلية، فرئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت طالب نتنياهو بالاستقالة، واصفًا الفضيحة بأخطر خيانة تعرضت لها إسرائيل على مر تاريخها، وطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في ذلك الحادث.

أما رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيجدور ليبرمان، وحليف نتنياهو السابق، فطالب بتشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر وفضيحة قطر جيت. أما قادة المعارضة الآخرون، مثل يائير لابيد ويائير جولان، فقد اتهموا الحكومة الإسرائيلية بالخيانة، مطالبين بالتحقيق مع نتنياهو حول ضلوعه في تلك التسريبات. ويتهم يوناتان أوريخ، مساعد نتنياهو السابق، بالضلوع في تلك التسريبات.
رابعًا: دعم يميني
لم يتلقَّ نتنياهو أي دعم سياسي في أزمة التسريبات الأخيرة سوى من الأحزاب اليمينية، خاصة إيتمار بن غفير، رئيس حزب "يهوديت هتوراة" ووزير الأمن الداخلي، الذي أكد في مقابلة له على القناة 14 الإسرائيلية يوم 27 ديسمبر، أنه سبق أن حذر نتنياهو من توجهات فيلدشتاين قبل تعيينه، وأنه شخص غير جدير بالثقة. وفيما يتعلق برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أوضح بن غفير أن رئيس الحكومة شخص وطني صهيوني محب ومخلص لإسرائيل.
خامسًا: تسريبات سيدي تيمان
في أغسطس الماضي، ظهرت تسريبات من داخل سجن سيدي تيمان الإسرائيلي تفيد بقيام ستة جنود إسرائيليين بالاعتداء الوحشي والجنسي على أسير فلسطيني من حركة حماس، وأثار التسريب موجة عارمة من الانتقادات الموجهة إلى سلوك الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الأسرى والمحتجزين، ووصف نتنياهو تلك التسريبات بأنها أكبر حملة إعلامية موجهة ضد إسرائيل، ونسفت جميع المقولات التي كان يرددها الجيش الإسرائيلي بادعاءاته الحقوقية.
وعلى خلفية تسريبات سيدي تيمان، تمت إقالة المدعية العامة العسكرية يعفات تومر يروشالمي من منصبها، وتجريدها من رتبتها العسكرية على خلفية تسترها على تلك التسريبات التي أضرت بصورة الجيش الإسرائيلي.

سادسًا: تسريبات قدس الأقداس
وعلى جانب آخر، قامت النائبة عن حزب الليكود تالي غوتيليب بتسريب العديد من الأخبار حول لقاءات تمت بين وزير الدفاع الإسرائيلي وناشطين مناهضين للحرب في غزة، مما أدى إلى انزعاج شديد في قيادات الجيش الإسرائيلي. ورغم ذلك، لم يتخذ الليكود أية إجراءات من شأنها معاقبة غوتيليب، بل قام نتنياهو بتعيينها في لجنة الأمن القومي في الكنيست، والتي تُسمى "قدس الأقداس" من حيث السرية الشديدة في أعمالها.
ويبدو أن تصرفات غوتيليب لم ترقَ إلى نتنياهو، حيث أضرت النائبة بصورة الحزب كثيرًا، مما دفع نتنياهو إلى تمرير تسريبات مفادها عدم رضاه الكامل عن غوتيليب، وأن هناك محاولة لاستبعادها من السباق الانتخابي المقبل، إلا أن مصادر مقربة من نتنياهو أفادت بعدم تطرقه في الفترة الأخيرة لمسألة عضوية غوتيليب في الليكود والكنيست.
وأخيرًا، يمكن القول إن نتنياهو يتميز بمرونة شديدة في استخدام التسريبات الإعلامية لتحقيق أهدافه الشخصية، مثلما فعل في قضية قطر جيت وقضية الصحيفة الألمانية، كما أن لديه القدرة على التنصل من مسؤولياته في حال انكشاف دوافعه وعدم إتيان التسريبات بالنتائج المرجوة.
ختامًا:
تكشف قضايا التسريبات المتلاحقة داخل إسرائيل عن نمط ممنهج في إدارة الأزمات، يقوم على توظيف المعلومات الحساسة كسلاح سياسي وإعلامي يخدم بقاء القيادة الحاكمة أكثر مما يخدم الأمن القومي ذاته. فمن ملف الرهائن إلى الوسطاء الدوليين، ومن فضائح السجون إلى كواليس “قدس الأقداس”، تبدو التسريبات أداة للضغط والمناورة وتصفية الحسابات الداخلية، قبل أن تكون خللًا عارضًا في منظومة الحكم. ومع تصاعد هذه الظاهرة، تتآكل الثقة بين المؤسسات الأمنية والسياسية، وتتعمق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، بما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الحكومة على إدارة الحرب وتداعياتها، ويكشف في الوقت ذاته أن أخطر ما يواجه إسرائيل اليوم ليس ما يُسرَّب إلى الخارج، بل ما يعكسه الداخل من ارتباك بنيوي وأزمة قيادة ممتدة.



