رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شباب المجاهدين: بين استهداف المصالح الإسرائيلية والتموضع الجغرافي

حركة شباب المجاهدين
حركة شباب المجاهدين - أرشيفية

في بيانٍ لها تناقلته حسابات التواصل الاجتماعي، أكدت حركة "شباب المجاهدين" العاملة في الصومال، توعدها باستهداف المصالح الإسرائيلية في الصومال، وأتى بيان الحركة بعد يوم واحد فقط من تحقيق الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية "أرض الصومال"، لتكون أول دولة في العالم تعترف بأرض الصومال كدولة مستقلة.

جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كالصاعقة على الأوساط الصومالية، إذ جاء كتتويج للعديد من المحاولات الانفصالية الصومالية التي بدأت مع سقوط نظام محمد سياد بري في مطلع التسعينيات، وجاء ضربة قاصمة لمشروع وحلم الصومال الكبير الذي طالما حلم به أبناء القومية الصومالية بتوحيد الأقاليم الصومالية في شمال كينيا وإثيوبيا، بالإضافة إلى ما يُسمّى الصومال الفرنسي "دولة جيبوتي حاليًا".

حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 
حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 

لم يكن البيان الأخير لحركة "شباب المجاهدين" هو الأول من نوعه، وتحديدًا في تهديده باستهداف المصالح الإسرائيلية في الصومال، فقد سبق أن استهدف مقاتلوه في شهر سبتمبر الماضي قاعدة عسكرية أمريكية بالقرب من مدينة كسمايو في جنوب الصومال، وحمل الهجوم رسالة تضامنية من الحركة تجاه سكان مدينة غزة، إذ أعلنت الحركة أن هجومها على التمركز العسكري الأمريكي جاء ردعًا على الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة، ولاحقًا أقرت قيادة الجيش الأمريكي في إفريقيا "الإفريكوم" بصحة الهجوم الذي شنته الحركة ضد مواقعها في كسمايو.

تعدّ تلك التهديدات هي الأولى من نوعها التي توجّهها حركة "شباب المجاهدين" تجاه إسرائيل، ففي الغالب يتم حصر أعداء الحركة سواء في الحكومة الفيدرالية أو العشائر المحلية المناهضة للحركة، وعلى المستوى الإقليمي إثيوبيا وكينيا، وعلى المستوى الدولي تأتي الولايات المتحدة.

 

حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 
حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 

سباقات التهديد

تأتي تهديدات حركة "شباب المجاهدين" في ظل نجاح الحركة في استعادة مراكزها الرئيسية في وسط الصومال، خاصة ولاية هيرشبيلي السفلى، فخلال الفترة الممتدة من عام 2021 وحتى 2023 شنت القوات الحكومية الفيدرالية عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد تمركزات حركة "شباب المجاهدين" في الولايات الوسطى، مما أدى إلى خسارة الحركة العديد من مواقعها وتمركزاتها العسكرية، فضلًا عن استهداف العديد من قادتها المؤثرين، مثل القيادي عبد الله نذير، الرجل الثاني في الحركة، والذي قُتل في إقليم جوبا الوسطى، وكان نذير يشغل منصب رئيس مجلس شورى الجماعة ومسؤول الدعوة.

كما تم إلقاء القبض على عبد الصمد ليبان في 4 أكتوبر 2022، والذي كان يشغل مسؤول ملف البيانات والمعلومات للحركة، كما كان المسؤول عن تحركات الحركة في مدينة دوسمريب، عاصمة إقليم جلمدج الصومالي.

لم تستمر النجاحات الصومالية كثيرًا في الحفاظ على مكتسبات العملية العسكرية خلال عامي 2022 و2023، ففي أغسطس 2025 دارت رحى المعارك مرة أخرى في وسط الصومال بين ميليشيات الحركة وبين القوات الفيدرالية المدعومة من قوات بعثة الاتحاد الإفريقي، وأسفرت العمليات القتالية عن استعادة الحركة لمدينة باريري الاستراتيجية في منطقة شبيلي السفلى، وكذلك تم الاستيلاء على بلدة محاس وسط البلاد، هذا بالإضافة إلى الاستيلاء على جميع القرى والمدن التي خسرتها الحركة خلال عامي 2022 و2023. لذا يمكن القول إن التهديدات الأخيرة الصادرة عن حركة شباب المجاهدين أتت بعد استعادة الحركة لكامل قواها وبنيتها العسكرية، وكذلك مواقعها الاستراتيجية، لذا ينبغي قراءة مدلولات التهديد الأخير بعين دقيقة في ظل الظروف الصومالية الحالية، وهي كالتالي:

حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 
حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 

أولًا: تمدد التنظيم إلى أرض الصومال 

لطالما ظلت أرض الصومال بعيدة عن تهديدات حركة الشباب منذ تأسيسها وإلى اليوم، لذا تأتي التهديدات الحالية محاولة من التنظيم للتمدد شمالًا باتجاه ولاية بونت لاند أولًا، والتي يتمركز فيها تنظيم "داعش"، ثم أرض الصومال، كما كان أمير التنظيم السابق "مختار أبو الزبير" من مواليد مدينة هرجيسيا عاصمة إقليم أرض الصومال.

قراصنة حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 
قراصنة حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 

ثانيًا: تهديد الملاحة البحرية في خليج عدن 

لطالما كان خليج عدن في مأمن من هجمات حركة "شباب المجاهدين" في الصومال، وذلك للبعد النسبي بين تمركزات الحركة في وسط الصومال وبين سواحل خليج عدن، والتي تُعد سواحل أرض الصومال الأقرب لها. لذا تسعى الحركة جاهدة للتوجه شمالًا، وتحديدًا أرض الصومال، ليكون لها دور مؤثر في حركة الملاحة في خليج عدن، لينضم بذلك إلى قائمة الجماعات التي تستهدف الملاحة في خليج عدن، مثل تنظيم القاعدة في اليمن، والذي نجح في تفجير المدمرة الأمريكية كول في عدن عام 2000، وكذلك جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، والتي عادة ما تستهدف العديد من ناقلات النفط المارة في الخليج ومضيق باب المندب.

ثالثًا: بناء قاعدة جهادية في شرق إفريقيا

لطالما وُصمت حركة "شباب المجاهدين" في الصومال على أنها حركة محلية صومالية، لكن بعد تغيرات الأوضاع العالمية، خاصة بعد اتفاق الدوحة بين واشنطن وحركة طالبان في أفغانستان، وخفوت نجم تنظيم القاعدة، بدأ البحث عن بدائل لتكون مركزًا للجهاد العالمي، وانحصر الأمر في العديد من المناطق، أبرزها الصومال في شرق إفريقيا ونيجيريا في غرب إفريقيا.

تمركزات حركة شباب المجاهدين  
تمركزات حركة شباب المجاهدين  

ومن هنا تسعى حركة "شباب المجاهدين" إلى تعظيم دورها الجهادي بأن تتحول من منظمة إقليمية محلية إلى منظمة دولية عابرة للحدود، وتصبح الصومال مركزًا جديدًا لحركة الجهاد العالمي. فمنذ عام 2022 تسعى حركة الشباب إلى ضم الميليشيات الإسلامية النشطة في منطقة القرن الإفريقي تحت لوائها، ففي عام 2022 شنت الحركة هجومًا على العديد من المناطق الحدودية بين الصومال وإثيوبيا، أملًا في إيقاظ ميليشيات "الأوجادين" المسلمة، مثل "الجبهة الوطنية لتحرير الأوجادين"، وكذلك "ميليشيات الأورومو" المسلمة، مثل "الجبهة الإسلامية لتحرير أوروميا"، لذا تحاول الحركة أن تكون مظلة لجميع الحركات والميليشيات في منطقة القرن الإفريقي.

حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 
حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 

رابعًا: إيجاد حواضن شعبية واسعة في شرق إفريقيا 

تعد القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للعالم الإسلامي، من غانا في غرب إفريقيا إلى فرغانة في أقصى شرق آسيا الوسطى، وبالتالي فإن التشبث بتلك القضية من شأنه إعلاء شعبية تلك التنظيمات التي تنادي بحقوق القضية الفلسطينية. وقد تجد الحركة في التشبث بمقولات القضية الفلسطينية ما من شأنه تعزيز شعبية التنظيم في الأوساط المسلمة في القرن الإفريقي، مما يعزز الحواضن الشعبية للتنظيم، التي تمكنه من تجنيد المزيد من الأفراد، فضلًا عن الحصول على التمويلات اللازمة لممارسة أنشطته المختلفة.

خامسًا: اللعب على وتر الأزمات الدولية 

جاء الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال مصحوبًا بغضب دولي وإقليمي واسع النطاق، إذ يهدد هذا الاعتراف مصالح العديد من الدول، حيث يمكن اعتبار الدولة غير المعترف بها "أرض الصومال" بمثابة مخلب قط للتوجهات الصهيو-أمريكية في منطقة القرن الإفريقي. لذا يمكن اعتبار أن البيان الخاص بالحركة يأتي في سياق تسويقي مفاده أن الحركة قادرة على مجابهة الوجود الإسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي، في مقابل إطلاق حرية التنظيم في مناطق الولايات الوسطى الصومالية.

حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 
حركة شباب المجاهدين - أرشيفية 

ختامًا:

 يمكن القول إن تهديدات حركة "شباب المجاهدين" للمصالح الإسرائيلية في القرن الإفريقي لا تنفصل عن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تسعى الحركة إلى توظيفه سياسيًا وأمنيًا لتكريس عودتها كلاعب فاعل بعد مرحلة من التراجع العسكري. فالبيان لا يعكس بالضرورة تحولًا آنيًا في أولويات الاستهداف، بقدر ما يعبر عن محاولة لإعادة التموضع الجغرافي، وتوسيع دائرة الخصوم، وبناء سردية جهادية عابرة للحدود تستثمر في الأزمات الدولية والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص. كما تكشف هذه التهديدات عن سعي الحركة إلى توسيع نطاق نفوذها شمالًا، وفرض نفسها كطرف مؤثر في معادلات الأمن البحري والإقليمي في خليج عدن والقرن الإفريقي، بما ينذر بتحديات أمنية متصاعدة تستدعي قراءة دقيقة للتغيرات الجارية في بنية الحركة وخطابها واستراتيجياتها المستقبلية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء