الحصار التمويلي لحماس: مساعي إسرائيل في تفكيك الحركة ماليًا
أعلنت الحكومة الإسرائيلية في 10 أكتوبر 2023، أي بعد ثلاثة أيام فقط من بدء عملية "طوفان الأقصى"، أن هدفها من الحرب هو القضاء على حركة "حماس" وتفكيك خلاياها في قطاع غزة، وإنهاء وجود الحركة إلى الأبد.
وبعد عامين من اندلاع الحرب، تمكنت إسرائيل فعليًا من استهداف قيادات الحركة الذين خططوا لعملية "طوفان الأقصى"، مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف، إلا أنها في الوقت نفسه فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة سابقًا، والمتمثلة في نزع سلاح الحركة من ناحية، وتفكيك خلاياها في قطاع غزة من ناحية أخرى.
مؤخرًا، لجأت إسرائيل إلى أسلوب أكثر إيلامًا للحركة، وهو تجفيف منابع تمويلها، خاصة التمويلات التي تدرها الحركة من الدول الأوروبية، مستغلة نشاط هيئات الرقابة المالية في تلك الدول على مسارات التمويل والتبرعات، وترسانة القوانين الأوروبية التي تدقق بشكل فعّال في خطوط سير التبرعات والتمويلات.
ويأتي هذا التدقيق الأوروبي خاصة بعد التجارب المريرة التي مرت بها الدول الأوروبية خلال الفترة الماضية مع تمويل التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش الإرهابي، الذي امتلك في فترة سابقة العديد من الخلايا النشطة في أوروبا، ونجح في البداية في حشد العديد من المصادر التمويلية التي مكنته من التوحش والانتشار.

ومن حين لآخر تعلن العديد من الدول الأوروبية عن نجاحها في إيقاف نشاط عدد من الجمعيات الخيرية العاملة في جمع الأموال وإعادة إرسالها إلى قطاع غزة، وذلك بسبب تخوف سلطات تلك الدول من قيام حركة "حماس" بإعادة استخدام هذه التمويلات، سواء في إعادة بناء قوتها العسكرية أو الحفاظ على تماسكها الداخلي عبر دفع رواتب وبدلات أعضائها، ومن ثم يستمر التنظيم في أداء مهامه والحفاظ على هياكله من التفكك والانشقاق.
ماذا تريد حماس؟
بات من الجلي، بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، أن الحركة لن تستجيب لمطالب نزع السلاح، وستعمل على التفريط في جزء من ترسانتها العسكرية إرضاءً لبعض الأطراف الضامنة في اتفاق وقف إطلاق النار، مثل مصر وتركيا وقطر، لكنها في الوقت نفسه ستعمل على الحفاظ على ترسانة أسلحتها الخفيفة، كما ستسعى إلى الحفاظ على مواردها البشرية، مثل المقاتلين وعمليات التعبئة والتجنيد، وذلك عبر صرف الرواتب الشهرية المقررة لعناصر الحركة، واجتذاب عناصر جديدة عبر إغرائهم بالبدلات المادية والإغاثية.

ولذلك تدرك تل أبيب حقيقة نوايا "حماس"، ومن هنا عملت على تأليب الدول الأوروبية ضد الجمعيات الفلسطينية العاملة في أوروبا من أجل إيقاف دعم تلك الجمعيات لحركة "حماس"، ومن ثم ستواجه الحركة معضلة داخلية تتمثل في عدم قدرتها على الإيفاء بمتطلبات أعضائها، بما يؤدي إلى احتمالية تشقق وتصدع الحركة من الداخل. وفي أسوأ الأحوال، وفي حال ثبوت أن تلك الجمعيات لا ترتبط بالحركة من قريب أو بعيد، فإن الإجراءات الأوروبية ستتسبب في إيقاف تمويل عمليات الإغاثة في القطاع، وبالتالي فرض عبء جديد على الحركة التي ما زالت تدير القطاع، والتي من المفترض أن تتولى توفير المواد الإغاثية للسكان، خاصة مع قدوم فصل الشتاء والأمطار، وتزايد الحاجة الماسة إلى المزيد من المواد الإغاثية.
الجهاد المالي
بعد أحداث 7 أكتوبر، نشطت حركة "حماس" في أوروبا من أجل جمع التمويلات، وذلك استجابة لنداءات أمينها العام الأسبق خالد مشعل. ففي 10 أكتوبر 2023 دعا مشعل مؤيدي الحركة إلى تقديم المساعدات والأموال، باعتبار أن تلك المساعدات تندرج تحت فئة "الجهاد المالي"، ولم تكد تمر أيام قليلة حتى نشطت العديد من الجمعيات استجابة لنداء مشعل في جمع التبرعات لصالح الحركة.

وفي تقرير أصدرته الحكومة الإسرائيلية في سبتمبر 2024، ولحقه تقرير آخر صادر عن الحكومة الأمريكية، أكدا أن الحركة باتت تمتلك العديد من العناصر المؤيدة والنشطة في أوروبا. كما أكد التقرير الأمريكي أن حماس تجني نحو 10 ملايين دولار شهريًا من التبرعات التي تتم عبر جمعيات خيرية في أوروبا، وهو رقم يضاهي ما تقدمه الحكومة الإيرانية لحماس خلال الفترة التي سبقت أحداث 7 أكتوبر.
معضلة التمويل
في تقرير سابق لمعهد واشنطن، أشار إلى أن عملية ملاحقة تمويلات حركة "حماس" في أوروبا معقدة للغاية، نظرًا لأن معظم تلك التمويلات تجري في إطار شرعي وقانوني، كما أن حالة الغموض في العلاقات بين الجمعيات الموجودة في قطاع غزة وحركة "حماس" التي تدير القطاع توفر حماية قانونية لتلك الجمعيات، إذ يكون من الصعب على السلطات الأوروبية إيجاد رابطة قانونية أو تبعية مباشرة بين تلك الجمعيات وقيادات الحركة، فعادة ما تدّعي هذه الجمعيات بأنها مستقلة وغير تابعة للحركة.

ويضيف التقرير أن بعض الدول الأوروبية ما زالت متلكئة في اتخاذ خطوات من شأنها تعطيل تمويل الحركة، مثل إيطاليا، التي لم تنشط إلا مؤخرًا في ملاحقة تمويل الحركة. ويوجد أيضًا التلكؤ البلجيكي، فعلى الرغم من اعتراف وزير العدل البلجيكي أمام برلمان بلاده في عام 2024 بأن "حماس" تمتلك العديد من الجمعيات الخيرية في بلاده، والتي تعمل على تمويل الحركة، فإن السلطات البلجيكية لم تتخذ حتى اليوم إجراءات بحق تلك الجمعيات.
كما أن الإجراءات البريطانية متذبذبة؛ فتارة نجدها تصادر أصول بعض الجمعيات مثل مؤسسة "غزة الآن"، إلا أنها في الوقت نفسه لم تتخذ أي إجراءات ضد مؤسسة "إنتربال"، المصنفة من قبل واشنطن على أنها تتبع حركة حماس.

الحملة الإيطالية
في 27 ديسمبر الحالي، ألقت الشرطة الإيطالية القبض على سبعة أشخاص للاشتباه في قيامهم بجمع تمويلات تُقدّر بملايين الدولارات بقصد دفعها لحركة حماس. كما أعلن بيان الشرطة الإيطالية تورط ثلاث جمعيات خيرية تدّعي دعم المدنيين الفلسطينيين، لكنها في الحقيقة تعمل على تمويل أنشطة حركة حماس، حيث تدّعي الشرطة أن الجمعيات الثلاث نجحت في تجميع 8 ملايين دولار لصالح جمعيات في قطاع غزة مرتبطة بشكل مباشر بحركة حماس.
وأشار بيان الشرطة إلى أن الأموال جرى تجميعها تحت ستار المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن 71% من تلك التمويلات خُصصت في الأساس لصالح حركة حماس.

ومن أبرز الجمعيات الإيطالية العاملة في هذا الاتجاه "الجمعية الفلسطينية في إيطاليا"، ورئيسها محمد حنون، الذي اعتقلته السلطات الإيطالية، وكان من ضمن المصنفين في عام 2024 من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، على أنه عضو في حركة حماس ومقيم في إيطاليا. وتشير الشرطة الإيطالية إلى أن حنون نجح في تمرير أربعة ملايين دولار لحركة حماس خلال السنوات العشر الماضية، ذهب معظمها لتمويل الجناح العسكري للحركة.
كما تتهم واشنطن العديد من الجمعيات العاملة في إيطاليا بتمويل حركة حماس، مثل "جمعية التضامن الخيرية مع الشعب الفلسطيني"، التي نجحت في تهريب أربعة ملايين دولار لصالح الحركة على مدار عقد كامل.
الإجراءات الأنجلو-أمريكية
اتخذت الحكومة الأمريكية ونظيرتها البريطانية العديد من الإجراءات التي من شأنها تعطيل إمدادات التمويل لحركة حماس. ففي مارس 2024 صنفت بريطانيا وأمريكا مؤسسة "غزة الآن"، التي يرأسها مصطفى عياش، كمؤسسة مالية تابعة لحركة حماس، حيث تم تأسيس المؤسسة بعد دعوة مشعل للجهاد المالي، ونشطت في الأساس في النمسا وهولندا، مما استدعى قيام السلطات النمساوية بالقبض على عياش، مع وجود احتمالات لترحيله إلى هولندا لمواجهة التهم القضائية بتمويل جماعة مصنفة إرهابية.
كما تجري السلطات الهولندية حاليًا محاولات لتوقيف ناشط في الحركة يُدعى أمين أبو رشيد وابنته، بتهم إرسال ملايين الدولارات إلى الحركة.
كما صنفت واشنطن شخصية تُدعى عادل دوغمان على أنه مسؤول عن نشاط حماس في النمسا، ويعمل على جمع التبرعات للحركة، والتعاون مع مؤسسة القدس الدولية في لبنان، وجمعية اتحاد الخير المنتشرة في دول الخليج.
الإجراءات الألمانية
اتخذت ألمانيا خطوات مشابهة للإجراءات الأنجلو-أمريكية، ففي مايو 2024 أصدرت وزارة الداخلية الألمانية مذكرة اعتقال بحق "ماجد الزير" بتهمة التنسيق لجمع تمويلات لأنشطة حركة حماس، حيث أمضى سنوات في لندن ناشطًا في جمع التمويلات للحركة قبل انتقاله إلى ألمانيا.

وختامًا:
من المحتمل أن تعاني حركة حماس حاليًا من ضائقة مالية، في ظل الحملات الإسرائيلية والأمريكية الرامية إلى إيقاف أنشطة الحركة والجمعيات المرتبطة بها في القارة الأوروبية، خاصة في ظل معاناة الجهات الرئيسية الممولة للحركة من أزمات اقتصادية، وعلى رأسها إيران. وبالتالي ستعاني الحركة في المستقبل القريب من صعوبات في إعادة بناء ترسانتها العسكرية، والأهم من ذلك، من تحديات تتعلق بالحفاظ على تماسك هياكلها التنظيمية الداخلية.



