تفجير مسجد حمص: هل تسقط سوريا في فخ الفتنة الطائفية والحرب الأهلية؟
أعلن تنظيم يُدعى "سرايا أنصار السنة"، التابع لتنظيم داعش الإرهابي، تبنيه الهجوم الدموي على مسجد الإمام علي بن أبي طالب، القابع بحي وادي الذهب بمدينة حمص السورية، وأكد التنظيم في بيان نُشر على منصة ((X)) أن مقاتليه، بالتعاون مع مقاتلين من جماعة أخرى، تمكنوا من تفجير عبوات ناسفة في المسجد أثناء إقامة صلاة الجمعة.
وأكد التنظيم أنه قصد استهداف مسجد يتبع للطائفة الشيعية، وليس جماعة أهل السنة والجماعة، منوهًا بأن الهجمات على المساجد والتجمعات الشيعية لن تتوقف خلال الفترة المقبلة. وفي المقابل، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" عن ارتقاء ثمانية أشخاص وإصابة 18 آخرين بجروح جراء الانفجار، وجلّ المصابين من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
ما أشبه الليلة بالبارحة
يُشي تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب بحمص بأنه لن يكون حادثًا إرهابيًا عابرًا كبقية الأحداث الإرهابية التي تمر بها سوريا منذ ما يقارب عقد ونصف، إذ من المحتمل أن يكون حادثًا مفصليًا في التاريخ السوري، وقد يطرق الحادث طبول الحرب الأهلية السورية الثانية.

فما أشبه الليلة بالبارحة، فتفجير مسجد الإمام علي في حمص يعيد إلى الأذهان تفجير مرقدي الإمام علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء العراقية في 22 فبراير 2006، إذ يُعد حادث تفجير المراقد الشيعية في عام 2006 بداية الحرب الأهلية العراقية التي استمرت حتى عام 2008، وفيها تشكلت خريطة القوى السياسية والإرهابية في العراق إلى اليوم. فخلال تلك الحرب برزت القوى الشيعية وميليشياتها المتعددة، وعلى النقيض برزت "دولة العراق الإسلامية" بقيادة أبو عمر البغدادي، والتي تحولت لاحقًا إلى ما يُعرف حاليًا باسم "دولة الخلافة الإسلامية"، على يد أبو بكر البغدادي، المعروفة إعلاميًا باسم تنظيم "داعش".
المتشابهات
يحمل حادث تفجير مسجد الإمام علي في حمص، وحادث تفجير المرقدين الشيعيين في سامراء عام 2006، العديد من المتشابهات بين الحالتين العراقية والسورية، وكأن التجربة العراقية المريرة في 2006 بدأت تنسج خيوطها من جديد، لكن هذه المرة في الأراضي السورية، حيث تتشابه التجربتان في العديد من النقاط، وهي:
أولًا: حداثة النظم السياسية
أتى حادث مسجد الإمام علي بعد عام تقريبًا من تدشين النظام السياسي في سوريا، فالرئيس الحالي أحمد الشرع تولى الحكم رسميًا في 8 ديسمبر 2024، وفي الحالة العراقية جاء تفجير المرقدين بعد ثلاثة أشهر تقريبًا من إجراء أول انتخابات تشريعية في البلاد في ديسمبر 2005، والتي أسفرت عن فوز نوري المالكي بمنصب رئاسة الحكومة العراقية. كما أن النظام السياسي في العراق خلال الفترة من إبريل 2003 وحتى ديسمبر 2005 شهد مرحلة انتقالية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط نظام حزب البعث العراقي.
وفي مفارقة أخرى، فإن كلا النظامين في العراق وسوريا غداة التفجيرات التي استهدفت المساجد والمراقد الشيعية توليا السلطة على أنقاض حزبي البعث في كلا الدولتين، فنوري المالكي وحزب الدعوة الإسلامي توليا الحكم بعد الإطاحة بحزب البعث العراقي، وكذلك نجحت "هيئة تحرير الشام" وزعيمها أحمد الشرع في تولي السلطة بعد الإطاحة بحزب البعث السوري.

ثانيًا: طائفية النظام السياسي
نقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي طائفية النظام السياسي في كلا البلدين غداة تفجيرات المراقد والمساجد الشيعية، فالنظام السياسي الذي تشكل في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين تولاه حزب "الدعوة الإسلامي"، وهو حزب ينتمي إلى التيار الإسلامي ذي التوجه الشيعي، وخاض الحزب نضالات طويلة ضد النظام العراقي السابق خلال حرب الخليج الأولى (1980 ــ 1988). وفي سوريا حاليًا يتولى أيضًا نظام طائفي الحكم، لكن هذه المرة سنيّ المذهب، إذ تنتمي هيئة تحرير الشام فكريًا وأيديولوجيًا إلى تيار الإسلام السياسي، وتحديدًا السلفية الجهادية.
ثالثًا: الدعم الأمريكي
يحظى نظام الرئيس السوري الحالي، بقيادة أحمد الشرع، برعاية أمريكية خاصة، فلم تُبدِ واشنطن أية تخوفات إزاء اعتلاء منظمة كانت تصنفها في الماضي منظمة إرهابية رئاسة دولة محورية في الشرق الأوسط، بل عمدت واشنطن إلى رفع اسم الرئيس السوري ومساعديه من قوائم الإرهاب في مجلس الأمن الدولي، وذلك قبيل زيارة الشرع لواشنطن في 10 نوفمبر الماضي، كما لجأت واشنطن إلى رفع وتبييض العقوبات الأمريكية على سوريا، وذلك من أجل تحقيق المساعدة الاقتصادية للنظام السوري الحالي.

وكذلك الحال بالنسبة للحكومة العراقية المنتخبة الأولى بقيادة نوري المالكي، الذي حظي بدعم خاص من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، فخلال مدة رئاسته للحكومة العراقية حرص بوش على لقاء المالكي أكثر من مرة، كما تم تسهيل القبول الدولي للمالكي باعتباره أول رئيس حكومة عراقية منتخبة، وغضّت واشنطن الطرف عن ممارسات حزب الدعوة السابقة إبان تواجده في طهران قبل سقوط نظام صدام حسين، رغم تصنيف واشنطن للعديد من المنظمات التابعة لطهران بالإرهابية.
رابعًا: أمام أعين القوات الأمريكية
تفجيرات المراقد والمساجد الشيعية في كلا البلدين تمت تحت أعين وحراسة القوات الأمريكية، وكذلك أعين الاستخبارات الأمريكية، فتفجير سامراء جاء على بعد كيلومترات قليلة من القواعد العسكرية والتمركزات الأمريكية التي انتشرت في ضواحي بغداد والمدن القريبة منها، وكذلك تفجير حمص جاء في ظل تواجد عسكري أمريكي مكثف في سوريا، خاصة في قاعدة التنف، والنشاط العسكري الأمريكي الملحوظ في منطقة دمشق والعديد من المواقع العسكرية الأمريكية الأخرى في الداخل السوري.
خامسًا: أوضاع طائفية معقدة
تتشابه الأوضاع الطائفية في كلا البلدين إلى حد كبير، فكلا البلدين يشكل الأكراد وضعًا صعبًا في المعادلة السياسية، ففي العراق نجح الأكراد في اكتساب استقلال ذاتي في شمال البلاد، وفي سوريا يجاهد الأكراد أيضًا في اكتساب وضع مشابه لوضع أقرانهم في العراق. وخلال الأيام الأخيرة، قبيل حادث مدينة حمص، شهدت مدينة حلب اشتباكات بين الجيش السوري وقوات الأكراد المتمثلة في قوات سوريا الديمقراطية.

ويتميز الوضع الديمغرافي في كلا البلدين بالتشظي الطائفي، فالعراق منقسم إلى قوى سنية وشيعية وكردية، أما سوريا فالتشظي أكبر، إذ تنقسم إلى دروز في الجنوب تساعدهم إسرائيل من حين لآخر، وفي الساحل السوري تنشط الطائفة الشيعية والعلوية، وفي الشمال تنشط الأقلية الكردية النشطة سياسيًا وعسكريًا.
لذا نأتي إلى النقطة الأكثر أهمية، وهي أن حالة التشظي الطائفي السوري من شأنها إذكاء حرب أهلية جديدة في البلاد، في ظل انعدام حالة الثقة المتبادلة بين المكونات السياسية السورية، وبالتالي نحن أمام مستقبل من حوادث التفجيرات المتبادلة خلال الفترة المقبلة بين الطوائف العرقية والدينية السورية، مثلما حدث في العراق خلال الفترة من 2006 وحتى 2008.
سادسًا: حلم العودة
في السابق أوضحنا أن النظامين في سوريا والعراق، غداة تفجيرات المراقد والمساجد الشيعية، بُنيا على أنقاض نظامي حزب البعث في سوريا والعراق، وفي كلا البلدين ساهم بقايا الحزبين في زعزعة استقرار النظام السياسي القائم. ففي العراق، على سبيل المثال، تشكلت "القيادة العليا للجهاد والتحرير" برئاسة عزة الدوري، نائب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وفي سوريا نشرت مؤخرًا صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تحقيقًا قبل يومين فقط من وقوع حادث مسجد حمص، عن محاولات جنرالات ومسؤولين أمنيين سابقين في عهد بشار الأسد إشعال تمرد مسلح في سوريا، انطلاقًا من مناطق الساحل السوري ذات الأغلبية العلوية والشيعية، وذلك من أجل الإطاحة بالحكومة القائمة. وتشير الصحيفة الأمريكية إلى أن سهيل الحسن، قائد القوات الخاصة التابعة لبشار الأسد، وكذلك رئيس الاستخبارات العسكرية السابق حسن، يقفان وراء محاولات إشعال تمرد الساحل السوري.

وختامًا:
لا يمكن أيضًا إغفال احتمالية أخيرة، وهي أن لإيران يدًا في ما حدث اليوم في مدينة حمص السورية، فطهران، رغم خروجها من دمشق في ديسمبر 2024 بعد سقوط نظام الأسد، فإنها قد ترى ضرورة العودة من جديد إلى الساحة السورية وإعادة تشكيل أذرعها في المنطقة، من خلال دعم الأقلية الشيعية والعلوية في الساحل السوري، وذلك خاصة بعد الأنباء المتداولة عن محاولات النظام السابق العودة من جديد من باب تثوير الطائفة العلوية والشيعية في البلاد.
وقد يأتي التفجير الذي أصاب المسجد الشيعي في إطار محاولة إثارة وتثوير المسألة الشيعية في سوريا، ومن المؤكد أنه في المستقبل القريب سنرى ميليشيات شيعية في الساحل السوري ومدينة حمص، تهدف في الأساس، وظاهريًا، إلى حماية الشيعة من الهجمات الإرهابية، لكنها في الحقيقة ستكون ذراعًا إيرانية في سوريا، وقد تتلقى تلك الأذرع دعمًا من نظيرتها العراقية التي خبرت في السابق واقع القتال في الأراضي السورية.

