هندسة الصراع الديني: دلالات الغارات الأمريكية في شمال نيجيريا
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده قامت بتنفيذ غارات جوية ضد مقاتلي تنظيم "داعش" في شمال غرب نيجيريا، وذلك مساء يوم 25 ديسمبر 2025، بعد أسابيع من تصريحاته وتوعداته السابقة بالتدخل في نيجيريا لضمان أمن وسلامة المسيحيين في البلاد، إذ سبق أن وجّه اتهامه للسلطات النيجيرية في نوفمبر الماضي بالعجز عن مواجهة التنظيمات الإرهابية وحماية المسيحيين.
وأضاف وزير الحرب الأمريكي، بيت هيجسيث، شكره لدعم الحكومة النيجيرية التي طلبت تدخل الولايات المتحدة لشن الغارات على مواقع التنظيمات المتطرفة في شمال البلاد، كما أكدت وزارة الخارجية النيجيرية أن العملية جاءت نتيجة تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الأمني بين أبوجا وواشنطن.
الانطلاق من غانا
لا تمتلك القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا "الإفريكوم" حضورًا عسكريًا قويًا في غرب إفريقيا، خاصة بعد تفكيك القاعدة العسكرية الأمريكية في النيجر عام 2024، نتيجة ضغط السلطات في نيامي التي رفضت الوجود الأمريكي في البلاد.
رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو ">وقبيل تنفيذ الغارات الأمريكية بأيام قليلة، قامت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا بتنفيذ العديد من الطلعات الاستطلاعية فوق شمال وغرب نيجيريا، حيث تعاقدت واشنطن مع شركة "تيناكس إيروسبيس"، وهي شركة أمريكية مقرها ولاية المسيسيبي، مختصة بتوفير طائرات المهام الخاصة ومتعاقدة مع الجيش الأمريكي.
نفذت الشركة عمليات الاستطلاع من مطار أكرا، عاصمة غانا، حيث حلقت الطائرات فوق شمال نيجيريا لجمع المعلومات ثم عادت أدراجها إلى مطار أكرا، وتأتي تلك الطلعات الاستخبارية في طليعة التوجه الأمريكي الأخير لإعادة بناء القدرات الاستخباراتية في المنطقة، وتكوين مركز لوجستي للعمليات العسكرية الأمريكية في غرب إفريقيا.

دلالات الغارات الأمريكية
حملت الغارات الأمريكية على شمال نيجيريا العديد من الدلالات السياسية والأمنية، أبرزها:
أولًا: تعميق الشعور بالهوية المسيحية
أتت العملية الأمريكية عشية احتفالات المسيحيين بأعياد الكريسماس، إذ يبدو الأمر وكأنه معايدة أمريكية للمجتمع المسيحي في نيجيريا، وهو ما قد يعمق الأزمة السياسية والدينية في البلاد، فالغارات الأخيرة من شأنها تعميق الهوية المسيحية الكاثوليكية في نيجيريا، وإن جاء ذلك على حساب الهوية الوطنية للدولة النيجيرية، الأمر الذي قد يسمح مستقبلًا ببناء كيانات سياسية على أسس مسيحية في غرب أفريقيا عمومًا ونيجيريا تحديدًا، وفي المقابل تعميق مشاعر الكراهية لدى المسلمين.
ثانيًا: اكتساب تعاطف اليمين المتطرف الأمريكي
برز مؤخرًا في الولايات المتحدة تيار يميني أكثر تطرفًا وانعزالًا، ينادي بعلو المسيحية ورفض جميع الأديان الأخرى، خاصة اليهودية والإسلام، ويرى أن بإمكان واشنطن أن تكون معبرًا عن التطلعات والتوجهات المسيحية في العالم، لذا تعد الضربات الأخيرة في نيجيريا مكسبًا كبيرًا لهذا التيار البارز في أمريكا، والذي يعمل على أن تكون الولايات المتحدة راعية للمسيحية في العالم.
ثالثًا: تعزيز الكراهية
من المؤكد أن الأزمة في نيجيريا ليست أزمة طائفية في المقام الأول، بل هي أزمة متشعبة، فالأزمة في أساسها اقتصادية بحتة نتيجة غياب الدولة عن أداء أدوارها الاجتماعية والاقتصادية، إذ نشأت الخلافات في الأساس بين الرعاة والزراع حول مصادر الأكل والزرع؛ فأغلب من يمتهنون الرعي في نيجيريا مسلمون، ومن يمتهنون الزراعة مسيحيون، ما يؤدي إلى نشوء اشتباكات محلية متكررة نتيجة جور مواشي الرعاة على محاصيل المزارعين، وقد استغلت التنظيمات الإرهابية هذا الصراع التاريخي لتوسيع نفوذها.

غير أن المقاربة الأمريكية الأخيرة، التي تحاول وسم الأزمة بالطائفية وتصوير الصراع على أنه ديني، من شأنها إحداث انقسام واسع ليس في نيجيريا وحدها، بل في المجتمعات الإفريقية عمومًا بين المسلمين والمسيحيين، الأمر الذي يستدعي من الذاكرة مفاهيم قديمة تنذر بتصاعد مشاعر الكراهية مثل الحروب المقدسة والحروب الصليبية.
كما تزامنت الغارات الأمريكية على مواقع داعش في نيجيريا مع هجوم دموي شنته الجماعات المتطرفة على أحد المساجد في مدينة مايدوجوري، عاصمة ولاية بورنو، أثناء أداء صلاة العشاء، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 35 آخرين، ولم يكن هذا الهجوم الأول من نوعه، إذ سبقه هجوم آخر في أغسطس الماضي استهدف مسجدًا في ولاية كاتسينا شمال البلاد، وأسفر عن مقتل 50 شخصًا.
ويفند هذا التزامن الادعاءات الأمريكية بوجود استهداف متعمد للمسيحيين في نيجيريا، إذ لا تشغل التنظيمات الإرهابية قضايا الهوية بقدر ما يشغلها الحصول على الفديات، فعلى سبيل المثال أفرجت تلك التنظيمات عن 130 طالبًا تم اختطافهم في نوفمبر الماضي من إحدى المدارس الكاثوليكية مقابل فدية مالية.
وهنا يمكن القول إن الهجمات الإرهابية ضد مسيحيي نيجيريا تأتي في إطار أوسع للعنف الدائر في البلاد، فالجماعات المتطرفة تستهدف أي فصيل أو اتجاه سياسي أو ديني يعارض توجهاتها، حتى وإن كان من المسلمين، كما تظل الرغبة في الحصول على الفديات هي المحرك الرئيسي لتلك الجماعات، وهو ما يعزز مشاعر الكراهية بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا وعموم إفريقيا.

رابعًا: الانتقال إلى بؤر أخرى
يمكن اعتبار الغارات الأمريكية في نيجيريا بداية لتكريس حرب دينية كلاسيكية بين المسلمين والمسيحيين في غرب إفريقيا، وقد تكون نيجيريا بؤرة اختبار واسعة المدى، فإذا نجحت هذه المقاربة، فقد تنتقل التجربة إلى دول أخرى في شرق وغرب القارة تشهد تعايشًا دينيًا، مثل غانا وتنزانيا وإثيوبيا.
خامسًا: بناء وجود عسكري أمريكي في غرب إفريقيا
تعد هذه الغارات الأولى من نوعها للولايات المتحدة في غرب أفريقيا، إذ سبق أن نفذت عمليات عسكرية في الصومال ومنطقة الساحل، بينما لم تكن غرب أفريقيا ضمن الحسابات الاستراتيجية الأمريكية خلال العقود الماضية، لذا تأتي الغارات كمقدمة لبناء وجود عسكري واستخباراتي أمريكي في المنطقة.
سادسًا: السيطرة على مصادر الطاقة
أخيرًا، لا يمكن فصل الغارات الأمريكية عن التحركات الأمريكية في الجانب الآخر من الأطلسي، خاصة الحصار البحري المفروض على فنزويلا، فالقاسم المشترك بين نيجيريا وفنزويلا أنهما من أقرب الدول النفطية إلى الولايات المتحدة، مع وجود رغبة أمريكية في السيطرة على نفط البلدين.

وقد اتخذت واشنطن مسألة استهداف المسيحيين مدخلًا لتبرير وجودها العسكري والأمني في نيجيريا، خاصة أن حجم التبادل التجاري بين أبوجا وواشنطن يبلغ نحو 10 مليارات دولار سنويًا، تتصدره الصادرات النفطية النيجيرية إلى السوق الأمريكية.
وتعد نيجيريا من دول منظمة "أوبك"، إذ تبلغ احتياطيات النفط الخام نحو 37.5 مليار برميل، واحتياطيات الغاز الطبيعي نحو 209.26 تريليونات قدم مكعب، ما يضعها في المرتبة العاشرة عالميًا من حيث حجم الاحتياطيات النفطية.
ورغم هذه الثروات، تعاني نيجيريا من أزمات حادة في إنتاج النفط والغاز، خاصة في منطقة دلتا النيجر، التي تشهد صراعات إثنية دموية حول مصادر الغذاء والمياه، وتضم مصفاتي بورت هاركورت القديمة والجديدة، وهما الأكبر في البلاد، إلا أن تدهور الوضع الأمني أدى إلى انسحاب الشركات الاستثمارية، وتراجع الإنتاج.
وجدير بالذكر أن دلتا النيجر شهدت مؤخرًا تصاعدًا في الصراع بين المكونين المسلم والمسيحي، إلى جانب تمدد نشاط التنظيمات المتطرفة وعمليات اختطاف المسيحيين، ما يجعل من الصعب فصل التوجهات الأمريكية للسيطرة على نفط دلتا النيجر عن الغارات التي شنتها تحت ذريعة حماية المسيحيين.
ختامًا:
يمكن القول إن الغارات الأمريكية تستهدف هدفين رئيسيين: الأول إذكاء التوترات الدينية في نيجيريا وجعلها أداة للتدخل الأمريكي المتكرر في الشأن النيجيري، والثاني إبعاد التنظيمات المتطرفة عن منطقة دلتا النيجر الغنية بالنفط، وحصرها في ولاية بورنو الشمالية حول بحيرة تشاد، بما يوفر المبررات السياسية والقانونية للتدخلات الأمريكية تحت شعار حماية المسيحيين.



