رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عقيدة ترامب في الكاريبي: هندوراس تعود إلى معسكر اليمين

نصري عصفورة رئيس
نصري عصفورة رئيس هندوراس

أعلنت السلطات الانتخابية في هندوراس رسميًا فوز المرشح اليميني المحافظ نصري عصفورة برئاسة البلاد، بعد سباق محموم تخللته أسابيع من التوتر والفرز المتأني للأصوات. وحسم عصفورة، مرشح الحزب الوطني وعمدة العاصمة السابق، المعركة الانتخابية لصالحه بفارق ضئيل بنسبة 40.27%، متفوقًا على منافسه الوسطي سلفادور نصر الله، الذي حصد 39.53%، ليعيد بذلك معسكر اليمين إلى السلطة وينهي حقبة اليسار التي قادها حزب "ليبري" الحاكم خلال السنوات الأربع الماضية.

يأتي هذا الفوز بـ"ختم اعتماد" أمريكي واضح، حيث سارع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتقديم التهنئة لعصفورة، مؤكدًا تطلع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تعاون وثيق يهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي ووقف تدفقات الهجرة غير الشرعية. ويرى مراقبون أن التدخل المباشر لترامب في الحملة الانتخابية، والذي شمل تهديدًا بقطع المساعدات وإصدار عفو رئاسي مثير للجدل عن زعيم الحزب الوطني السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، قد شكّل قوة دفع حاسمة رجحت كفة عصفورة في الأمتار الأخيرة من السباق.

نصري عصفورة رئيس هندوراس 
نصري عصفورة رئيس هندوراس 

ولا يقف هذا المشهد الانتخابي عند حدود الإعلان الرسمي للنتائج أو مراسم التهنئة الدبلوماسية، بل يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول التحول الجذري في بوصلة هندوراس السياسية؛ فخلف هذا التقارب الشديد في الأرقام بين عصفورة وخصمه نصر الله، تكمن تعقيدات تتشابك فيها الرغبة الشعبية في الاستقرار الاقتصادي مع ضغوط جيوسياسية هائلة مارستها واشنطن لاستعادة نفوذها المفقود.

رهان واشنطن على اليمين في هندوراس

لم يكن فوز نصري عصفورة وليد صدفة انتخابية، بل جاء تتويجًا لتدخل أمريكي مباشر أعاد صياغة المشهد السياسي في هندوراس؛ فقبل يومين فقط من بدء الاقتراع، ألقى الرئيس دونالد ترامب بثقله خلف عصفورة، واصفًا إياه بالشريك الوحيد الموثوق، وهدد صراحة بقطع المساعدات المالية عن البلاد في حال فوز خصومه الذين وصفهم بـ"الشيوعيين". 

سلفادور نصر الله
سلفادور نصر الله

هذا "الابتزاز السياسي"، كما وصفته المعارضة، وضع الناخب الهندوراسي أمام خيار وجودي يربط بين استقراره الاقتصادي المعتمد على واشنطن وبين هوية الرئيس القادم، مما منح عصفورة دفعة حاسمة في الأمتار الأخيرة.

وفي خطوة موازية أثارت ذهول الأوساط الحقوقية، استخدم ترامب سلطته التنفيذية لإصدار عفو رئاسي كامل عن خوان أورلاندو هيرنانديز، الرئيس الأسبق والزعيم التاريخي للحزب الوطني، الذي كان يقضي عقوبة بالسجن في الولايات المتحدة بتهم تهريب المخدرات. هذا القرار لم يكن مجرد لفتة إنسانية، بل مثّل "إعادة تأهيل سياسي" للحزب الوطني الذي ينتمي إليه عصفورة، حيث نجحت واشنطن في إزاحة عبء "دولة المخدرات" عن كاهل الحزب، وتقديمه مجددًا كحليف شرعي قادر على إدارة ملفات الأمن القومي المشتركة.

وعقب إعلان النتائج مباشرة، جاءت تهنئة وزير الخارجية ماركو روبيو لترسم ملامح "التحالف الجديد" القائم على مقايضة الولاء السياسي بالأمن الحدودي؛ فقد ربطت واشنطن اعترافها بالفوز الضئيل لعصفورة بمدى التزامه ببرنامج "روبيو–ترامب" الهادف إلى وقف تدفقات الهجرة غير الشرعية وتفكيك شبكات التهريب.

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

 هندوراس حجر زاوية في استراتيجية ترامب

يمثل سقوط حزب "ليبري" اليساري في هندوراس ضربة استراتيجية لنفوذ كاراكاس في أمريكا الوسطى، حيث كان نظام نيكولاس مادورو يعوّل على بقاء حلفائه في السلطة لتأمين عمق سياسي له في المنطقة. ومع فوز نصري عصفورة، تفقد فنزويلا أحد آخر حلفائها المتبقين في "مثلث الشمال"، مما يمهد الطريق لسياسة خارجية هندوراسية جديدة تتماشى مع "عقيدة ترامب–روبيو" الهادفة إلى عزل النظام الفنزويلي اقتصاديًا ودبلوماسيًا، واعتبار هندوراس "منطقة عازلة" ضد تمدد ما تصفه واشنطن بـ"الناركو-كوميونيزم" (الشيوعية المرتبطة بتهريب المخدرات).

وقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر في الخطاب الانتخابي لعصفورة، الذي لم يتردد في التعهد بفك الارتباط مع المحاور المعادية للديمقراطية في القارة، والعودة إلى مربع التحالفات التقليدية مع واشنطن. ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية الجديدة تخطط لاستخدام تيجوسيجالبا كقاعدة انطلاق لتعزيز الضغوط على كاراكاس، سواء عبر تشديد الرقابة البحرية في الكاريبي لمنع التفاف السفن الفنزويلية على العقوبات، أو من خلال بناء كتلة يمين صلبة تضم هندوراس والسلفادور والأرجنتين، تهدف إلى خنق النفوذ الفنزويلي داخل منظمة الدول الأمريكية والمنتديات الإقليمية.

علاوة على ذلك، يمثل هذا التغيير في السلطة نهاية "اتفاقيات الظل" والمساعدات الرمزية التي كان يقدمها نظام مادورو للحكومات اليسارية في المنطقة مقابل الولاء السياسي، وبدلًا من ذلك يتجه عصفورة نحو تعزيز التنسيق الاستخباراتي مع واشنطن لمراقبة الأنشطة المشبوهة التي قد تستغلها كاراكاس لزعزعة استقرار المنطقة.

وزير الخارجية الأمريكي  ماركو ربيو
وزير الخارجية الأمريكي  ماركو ربيو

هذا "التطويق الجيوسياسي" لا يهدف فقط إلى إضعاف مادورو داخليًا، بل يسعى إلى جعل هندوراس نموذجًا للنجاح اليميني المدعوم أمريكيًا، بما يغري دولًا أخرى في المنطقة بالابتعاد عن المحور الفنزويلي والعودة إلى المظلة الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة.

العودة إلى تايوان 

يتجه نصري عصفورة نحو إحداث انقلاب دبلوماسي في منطقة الكاريبي من خلال الوفاء بوعده الانتخابي بإعادة العلاقات مع تايوان، وهو ما يمثل تراجعًا عن قرار الرئيسة السابقة شيومارا كاسترو عام 2023 بقطع تلك العلاقات لصالح بكين.

وقد وصف عصفورة خلال حملته وضع بلاده تحت المظلة الصينية بأنه كان "صفقة سيئة"، مشيرًا إلى أن هندوراس كانت "أفضل بمئة مرة" اقتصاديًا مع تايوان، خاصة بعد تضرر قطاع صادرات الروبيان الذي فقد سوقه الرئيسي في تايبيه دون أن يجد بديلًا مجزيًا في الأسواق الصينية، التي عرضت أسعارًا أقل من المتوقع.

وعلى الصعيد الاقتصادي الداخلي، يرتكز مشروع عصفورة على تحويل هندوراس إلى بيئة جاذبة للاستثمارات الأمريكية المباشرة عبر تقليص البيروقراطية وتوفير ضمانات قانونية صارمة، كما يسعى إلى استغلال التوترات التجارية بين واشنطن وبكين لجذب الشركات الأمريكية الباحثة عن بدائل تصنيعية قريبة من حدودها، مستفيدًا من الدعم المفتوح الذي يقدمه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي يرى في هندوراس نموذجًا اقتصاديًا ناجحًا يمكن تسويقه لمواجهة "دبلوماسية الديون" الصينية في المنطقة.

وبناءً على هذا التوجه، من المتوقع أن تشهد ولاية عصفورة (2026–2030) محاذاة كاملة للسياسة الخارجية مع المحور الثلاثي (واشنطن، تل أبيب، وتايبيه). هذا التموضع لا يهدف فقط إلى استعادة المساعدات المالية المباشرة، بل يسعى أيضًا إلى تأمين تدفقات التحويلات المالية من المهاجرين في الولايات المتحدة، والتي تمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي لهندوراس، وهو الملف الذي كان ترامب قد لوّح باستخدامه كأداة ضغط خلال الانتخابات لضمان وصول حليفه المحافظ إلى سدة الحكم.

ختامًا:

 يدشن فوز نصري عصفورة حقبة جديدة في تاريخ هندوراس الحديث، حيث تتلاقى طموحات اليمين المحلي مع استراتيجيات "عقيدة ترامب" الإقليمية. ورغم التحديات المتعلقة بشرعية الفوز بفارق ضئيل والتهديدات بالاحتجاجات من جانب المعارضة، فإن الدعم الأمريكي المطلق يمنح عصفورة حصانة سياسية نادرة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء