رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سقوط والي دمشق: هل دخل داعش مرحلة "الانهيار الهيكلي" في سوريا؟

أبو عمر طيبة - والي
أبو عمر طيبة - والي دمشق في قبضة الداخلية السورية

في عملية أمنية نوعية وُصفت بـ"الضربة القاصمة"، تمكنت قوى الأمن الداخلي في محافظة ريف دمشق من إلقاء القبض على المدعو طه الزعبي، الملقب بـ"أبو عمر طبية"، والذي يشغل منصب والي دمشق لدى التنظيم الإرهابي. العملية التي جرت بدقة عالية أسفرت أيضًا عن اعتقال عدد من مساعديه المقربين، وضبط حزام ناسف وأسلحة حربية كانت بحوزتهم، مما أجهض مخططات تخريبية كانت تستهدف استقرار العاصمة ومحيطها.

وتعكس هذه العملية حالة الجاهزية العالية واليقظة الاستخباراتية للأجهزة الأمنية في تتبع الخلايا النائمة وتفكيك بنيتها القيادية في المناطق الحيوية. وبحسب تصريحات العميد أحمد الدالاتي، قائد الأمن الداخلي في المحافظة، فإن الوصول إلى رأس الهرم التنظيمي في دمشق يمثل اختراقًا كبيرًا يشل قدرة التنظيم على القيادة والسيطرة، ويؤكد المضي قدمًا في تأمين كامل النطاق الجغرافي للمحافظة ضد أي تهديدات إرهابية محتملة.

الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 
الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 

تتجاوز هذه العملية في أبعادها مجرد كونها اعتقالًا لخلية إرهابية، لتكشف عن مرحلة جديدة من المواجهة الأمنية تعتمد على استئصال "المحركات المشغلة" للتنظيم بدلًا من ملاحقة أطرافه فقط. فإسقاط والي دمشق في قبضة الأمن، وهو بكامل عتاده الانتحاري، يفتح الباب أمام قراءة أعمق حول مدى الاختراق الاستخباراتي الذي حققته الأجهزة الأمنية في الدوائر القيادية العليا، ويسلط الضوء على استراتيجية "تفكيك النوايا" قبل تحولها إلى أفعال ميدانية، مما يضع بنية التنظيم في المنطقة أمام اختبار الانهيار الشامل أو التلاشي التنظيمي.

استراتيجية قطع الرأس

مثّل القبض على المدعو طه الزعبي، الملقب بـ"أبو عمر طبية"، والمصنف كوالي لدمشق، ضربةً استراتيجية أصابت الهيكل التنظيمي للإرهاب في العمق؛ فهذا المنصب لا يمثل مجرد رتبة قيادية عادية، بل هو بمثابة "العصب المركزي" الذي يربط التوجيهات العليا بالخلايا التنفيذية على الأرض، وبسقوطه تدخل المنظومة في حالة من الشلل العملياتي نتيجة فقدان حلقة الوصل الأساسية.

الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 
الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العملية لم تستهدف الوالي فحسب، بل شملت اعتقال عدد من مساعديه المقربين، مما يعني تجفيف النواة الصلبة التي تدير العمليات اللوجستية والميدانية في العاصمة وريفها. هذا الانهيار الجماعي للدائرة القيادية الأولى يحرم التنظيم من ذاكرته الحركية ويقطع خيوط التنسيق بين المجموعات العنقودية المنتشرة في المنطقة.

 

ومن الناحية التنظيمية، فإن فقدان الوالي ومساعديه في عملية واحدة يضع العناصر المتبقية أمام مأزق "الشرعية والأوامر"، حيث تعتمد هذه التنظيمات على نظام بيعة محدد وتراتبية صارمة. وبغياب رأس الهرم، تصبح الخلايا النائمة معزولة وتفتقر إلى الغطاء المالي واللوجستي، مما يسهل عملية تتبعها والقضاء عليها في ضربات لاحقة.

الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 
الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 

كما تبرهن هذه العملية على قدرة الأجهزة الأمنية السورية على اختراق الدوائر الضيقة والأكثر سرية داخل التنظيم، وهو ما يُعد هزيمة معنوية تفوق في أثرها الخسارة العسكرية. فاعتقال أبو عمر طبية حيًا وبحوزته سلاحه وحزامه الناسف يوجه رسالة واضحة بأن عمق التنظيم بات مكشوفًا تمامًا، وأن استراتيجية "قطع رأس الأفعى" أصبحت هي العنوان الأبرز للمرحلة الأمنية الحالية.

 

الأمن الاستباقي 

تُجسد عملية ضبط الحزام الناسف والسلاح الحربي بحوزة والي دمشق ومساعديه انتقالًا نوعيًا في العمل الأمني من مرحلة الاستجابة للأحداث إلى مرحلة "الأمن الاستباقي". فهذا الإنجاز لم يتوقف عند حدود الاعتقال، بل نجح في تفكيك قنبلة موقوتة كانت معدة للاستخدام في قلب العاصمة، مما جنب المنطقة سيناريو دمويًا محققًا كان التنظيم يخطط لتنفيذه لزعزعة الاستقرار العام.

الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 
الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 

ويدل وجود الحزام الناسف برفقة رأس الهرم التنظيمي على أن القيادة الإرهابية كانت في حالة تأهب قصوى لتنفيذ اعتداءات انتحارية أو استخدامه كخيار أخير للإفلات من الاعتقال، إلا أن المباغتة الأمنية والاحترافية العالية في التنفيذ حالت دون تمكن الإرهابيين من تفعيل هذه العبوات، مما يثبت تفوق القدرة الاستخباراتية على عنصر المفاجأة الذي عادة ما تراهن عليه الخلايا الإرهابية.

علاوة على ما سبق، فإن إجهاض مخطط الحزام الناسف يمثل ضربة استباقية لسلسلة توريد المتفجرات وتوزيعها داخل المحافظة، حيث يُعد ضبط هذه المعدات مع القيادة العليا دليلًا على تدمير مخزن الأسرار اللوجستية للتنظيم. هذا النجاح يمنح الأجهزة الأمنية فرصة لتحليل المواد المضبوطة وتتبع مصادر تأمينها، مما يسهم في تجفيف منابع الإمداد التي تغذي هذه العمليات.

وتختتم هذه الضربة الاستباقية مشهد الملاحقة بتأكيد الجاهزية العالية التي أشار إليها العميد أحمد الدالاتي، حيث لم تكن العملية مجرد مصادفة، بل نتاج مراقبة دقيقة وملاحقة مكثفة انتهت بالجراحة الأمنية التي استأصلت الخطر قبل وقوعه. وهذا الأسلوب الاستباقي يعزز ثقة الجمهور في المنظومة الأمنية ويؤكد أن محيط العاصمة بات محصنًا ضد محاولات الاختراق التي تهدف إلى المساس بأمن المحافظة ومواطنيها.

مستقبل التنظيم 

يفتح سقوط أبو طبية الباب أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة التنظيم على الاستمرار، حيث يواجه التنظيم الآن أزمة تآكل القيادة الوسطى التي تُعد المحرك الفعلي للعمليات الميدانية. إن غياب شخصية بوزن طه الزعبي، الذي يمتلك شبكة العلاقات والخبرة الجغرافية بمحيط العاصمة، سيجعل من عملية اختيار بديل له مهمة معقدة ومحفوفة بالمخاطر الأمنية، خاصة وأن العيون الاستخباراتية باتت ترصد بدقة أي تحرك لسد هذا الفراغ القيادي.

الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 
الداخلية السورية تلاحق فلول داعش 

وعلى المدى القريب، من المتوقع أن يدخل التنظيم في حالة من الكمون الإجباري داخل دمشق وريفها، حيث ستسعى الخلايا المتبقية إلى الاختباء وقطع كافة وسائل الاتصال خشية أن تؤدي التحقيقات مع الوالي ومساعديه إلى كشف هوياتهم ومواقعهم. هذا الانكفاء سيفقد التنظيم قدرته على المبادرة ويحوله من كيان هجومي يحاول تهديد العاصمة إلى مجموعات معزولة تبحث فقط عن سبل النجاة الفردية، مما يسهل عملية تصفيتها تدريجيًا.

أما من الناحية الهيكلية، فإن فقدان السيطرة على "ولاية دمشق" يمثل ضربة قاصمة لصورة التنظيم أمام عناصره ومموليه، حيث فشل في حماية أعلى سلطة قيادية له في أهم منطقة استراتيجية بسوريا. من المحتمل أن يؤدي هذا الفشل إلى تراجع عمليات التجنيد وضعف الروح المعنوية، وقد ينتهي الأمر بانشقاق مجموعات صغيرة أو تسليم نفسها، بعد أن أدركت أن المنظومة القيادية التي تتبع لها أصبحت مخترقة بالكامل وغير قادرة على تأمين الحد الأدنى من الحماية لقادتها.

 ختامًا:

مستقبل تنظيم "داعش"، في محيط العاصمة بات يتأرجح بين التلاشي النهائي أو التحول إلى عصابات إجرامية صغيرة فاقدة للأيديولوجيا والتنظيم. ومع استمرار الضغط الأمني المكثف وتفكيك "النواة الصلبة"، فإن فرص إعادة بناء الهيكل القيادي لـ"ولاية دمشق" تبدو ضئيلة للغاية، مما يعني أن المنطقة تتجه نحو إغلاق هذا الملف أمنيًا، والتحول من مكافحة تنظيم مهيكل إلى ملاحقة جيوب وفلول مبعثرة لا تشكل تهديدًا استراتيجيًا حقيقيًا.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء