الصراع في القرن الإفريقي: أبعاد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتداعياته
بعد أكثر من ثلاث عقود متواصلة من الاستقلال الذاتي ومحاولة الحصول على الاعتراف الدولي الرسمي، نجحت جمهورية أرض الصومال مؤخرًا، في 26 ديسمبر 2025، في الحصول على الاعتراف الأول باستقلالها من قبل إسرائيل، إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتراف حكومته بأرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة، وفي المقابل حصلت تل أبيب على اعتراف متبادل من هرجيسيا، كما دعا نتنياهو رئيس جمهورية أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله لزيارة تل أبيب رسميًا خلال الفترة المقبلة.

تبنت جمهورية أرض الصومال "صوماليلاند" خطابًا إيجابيًا تجاه إسرائيل خلال حربها الأخيرة على قطاع غزة، مما عزز مكانة هرجيسيا السياسية في تل أبيب، كما حرصت عاصمة أرض الصومال، على التعاطي الإيجابي مع السياسات الخارجية الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، فكانت ضمن الدول المرحبة باتفاقيات إبراهام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
وخلال الحرب الماضية، طرحت إسرائيل والولايات المتحدة خيارات متعددة لحل القضية الفلسطينية، والتي كان من أبرزها إمكانية أن تستقبل السودان وجمهورية أرض الصومال سكان قطاع غزة وإعادة توطينهم في تلك المناطق الجديدة، ولم تُبدِ أرض الصومال اعتراضًا قويًا على الخطط الإسرائيلية الأمريكية بإعادة توطين الفلسطينيين بها.
وفي 24 نوفمبر الماضي، أصدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تقريرًا حول إمكانية الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال، وطالب هذا التقرير الحكومة الإسرائيلية بالتأني الشديد في منح الاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال، وأن يتم تعزيز التعاون الدولي بين الجانبين دون الوصول إلى عتبة الاعتراف، فوفق المصدر الإسرائيلي الذي شرح خطورة الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال في النقاط التالية:
أولًا: إضعاف الصومال الفيدرالي
سيؤدي منح الاعتراف الدولي بإقليم "أرض الصومال" إلى فتح شهية الأقاليم الصومالية الأخرى، كإقليم "بونتلاند" المجاور لأرض الصومال وكذلك إقليم "جوبالاند" على الحدود مع كينيا، في إمكانية الاستقلال واستجلاب الاعتراف الدولي بتلك الأقاليم، الأمر الذي سيعزز من فرص اندلاع الحرب الأهلية الصومالية مرة أخرى، فمقديشيو لن تسمح بانفراط عقد أقاليمها المختلفة، وبالتالي ستندلع المواجهات بين معظم الأطراف، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى إضعاف القدرات الأمنية وإفراغ العديد من المناطق الصومالية من السيطرة الحكومية، والتي قد تجدها كل من حركة شباب المجاهدين وتنظيم داعش في الصومال فرصة مناسبة من أجل ملء الفراغ الأمني مرة أخرى وإعادة الانتشار في الصومال، وبالتالي تحويل الصومال خلال الفترة القادمة إلى ملاذ آمن للجماعات الإرهابية.

ثانيًا: استنفار الدول الإفريقية
سيؤدي الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال إلى استنفار إفريقي ضد الموقف الإسرائيلي الأخير، فمعظم الدول الإفريقية تضم أقاليم حرجة تطالب بالاستقلال الذاتي أو الاستقلال الفعلي، لذا يؤدي الموقف الإسرائيلي الأخير إلى فتح الباب أمام الأقاليم الانفصالية للاحتذاء بتجربة أرض الصومال، مما يعني اندلاع العديد من الأزمات في أكثر من دولة أفريقية خلال الفترة المقبلة، وقد يكون الاعتراف الإسرائيلي الأخير بأرض الصومال نوعًا من العقوبة الإسرائيلية للقارة الإفريقية على خلفية مواقفها السابقة خلال الحرب الماضية، فعلى سبيل المثال تمكنت جنوب إفريقيا من رفع دعاوى أمام محكمة العدل الدولية للتنديد بجرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
ثالثًا: استنفار المواقف العربية
سيؤدي الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية "أرض الصومال" إلى استنفار الدول العربية مثل مصر والسعودية، فالموقف المصري، والذي عبرت عنه بالرفض القاطع لمسألة الاعتراف الدولي بأرض الصومال والتأكيد على وحدة الدولة الفيدرالية الصومالية، يأتي نابعًا من الحفاظ على المصالح المصرية في منطقة القرن الإغريقية ومعادلة النفوذ الإثيوبي في تلك المنطقة.
أما الموقف السعودي فيكون نابعًا من احتمالية أن يكون الاعتراف بـ "أرض الصومال" هو بداية لتفخيخ منطقة "خليج عدن"، فعلى غرار التحركات السياسية لجمهورية أرض الصومال في إعلان الاستقلال والحصول على الاعتراف، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن بقيادة عيدروس الزبيدي باتخاذ خطوات مشابهة لما قامت به السلطات في هرجيسيا، لذا قامت الرياض يوم 26 ديسمبر بشن العديد من الغارات الجوية على مواقع ومعسكرات "المجلس الانتقالي الجنوبي" في مدينة حضرموت اليمنية، والمطالبة بالانسحاب من تلك المناطق.

رابعا: تخوفات صينية
عادة ما تتجنب بكين الحسابات السياسية في تعاملاتها الخارجية، إذ تركز دائمًا على بناء علاقات تجارية فعالة مع جميع الدول، إلا أن المواقف الإسرائيلية الأخيرة قد تؤدي في النهاية إلى بناء علاقات متوترة بين بكين وتل أبيب، وذلك على خلفية قضيتين؛ أولهما اتجاه تل أبيب إلى دعم وتبني مشروع ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا، والذي ستكون فيه إسرائيل نقطة محورية، إذ ستكون حلقة الوصل مع أوروبا، وجدير بالذكر أن هذا المشروع يعد منافسًا استراتيجيًا للمشروع الصيني العملاق "الحزام والطريق". وثانيًا، وهو الأهم، أن الاعتراف بصوماليلاند يشكل تحديًا للسياسة الخارجية الصينية بشكل غير مباشر، فصوماليلاند تربطها علاقات وثيقة مع دولة تايوان غير المعترف بها، وتحاول الصين جاهدة عزلها عن المجتمع الدولي وعدم حصولها على أي اعتراف دولي، لذا سيكون للصين موقف معارض للاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، خشية أن يمتد هذا الاعتراف إلى تايوان.
ورغم المخاوف السابقة، إلا أن تل أبيب أقدمت على الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، رغم أن العلاقات بين الطرفين متقدمة، وكانت في غير حاجة لمثل هذا الإجراء السياسي الأخير، إلا أنه يمكن القول إن تل أبيب أرادت إيصال العديد من الرسائل إلى القوى الإقليمية الأخرى من خلال هذا الاعتراف، وتلك الرسائل هي:
1) مواجهة الأنشطة الإيرانية
من المحتمل أن يكون لإسرائيل في المستقبل القريب قاعدة عسكرية متطورة الوظائف في أرض الصومال، إذ يمكن من خلالها القيام بالعديد من الغارات الجوية ضد أهدافها المعادية، خاصة في اليمن وتحديدًا جماعة أنصار الله "الحوثي"، فخلال الفترة الماضية شكلت عمليات الحوثي ضد الأهداف الإسرائيلية في البحر الأحمر تهديدًا للأمن القومي الإسرائيلي، وفي المقابل فشلت تل أبيب في ردع التحركات الحوثية نتيجة عدم وجود قواعد عسكرية إسرائيلية في جنوب البحر الأحمر، لذا قد يأتي الاعتراف الإسرائيلي كمقدمة لبناء قواعد عسكرية إسرائيلية تستطيع من خلالها تل أبيب قصف الأهداف الإيرانية في البحر الأحمر وجماعة الحوثي وقتما تشاء.
2) موازنة النفوذ التركي
تنطبق لعبة القط والفأر على التحركات الإسرائيلية التركية في المنطقة، ففي الوقت الذي عززت فيه تركيا من تواجدها في سوريا، لجأت إسرائيل إلى معادلة النفوذ التركي بالانتشار في قبرص وتعزيز العلاقات مع اليونان، ويأتي التواجد الإسرائيلي في أرض الصومال لموازنة النفوذ التركي في مقديشيو.

3) التأثير على المصالح المصرية
تتشابك السياسات المصرية والإسرائيلية في العديد من الملفات، ويأتي في مقدمتها الملف الفلسطيني والموقف من قطاع غزة، ومؤخرًا انتهجت إسرائيل تكتيك سياسة شدّ الأطراف للسياسة الخارجية المصرية للتأثير على موقفها الثابت في قطاع غزة، ففي الفترة الأخيرة، على سبيل المثال، تم اقتراح مسألة مشاركة إثيوبيا في قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، وهو الأمر الذي يشكل حساسية للجانب المصري، ويأتي الاعتراف بأرض الصومال في إطار تنفيذ تلك الاستراتيجية، فأرض الصومال تربطها علاقات وثيقة مع أديس أبابا، وخلال الفترة الماضية وقعت هرجيسيا وأديس أبابا اتفاقًا يمنح إثيوبيا استغلال ميناء بربرة الصومالي، وهو ما عارضته الحكومة في مقديشيو مدفوعة بدعم مصري تركي، لذا يأتي الاعتراف بأرض الصومال في محاولة لتعزيز نفوذ التحالف بين أديس أبابا وهرجيسيا في مواجهة التحالف بين القاهرة ومقديشيو.
ختاما:
لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال باعتباره خطوة دبلوماسية معزولة، بل يأتي ضمن سياق أوسع لإدارة الصراعات عبر "حروب الساحات الخلفية" وإعادة توزيع النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فهذا الاعتراف يفتح الباب أمام تحولات أمنية وسياسية معقدة، تتقاطع فيها مصالح إسرائيل مع حسابات إقليمية ودولية تشمل إفريقيا والعالم العربي وتركيا وإيران والصين. وبينما تسعى هرجيسيا إلى تثبيت مكاسبها السياسية والخروج من دائرة العزلة الدولية، تظل تداعيات هذه الخطوة مرهونة بقدرة الفاعلين الإقليميين على احتواء ارتداداتها، ومنع انزلاق المنطقة إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار قد تعيد إنتاج الأزمات القديمة في ثوب أكثر خطورة وتعقيدًا.



