رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صعود الإرهاب الهجين: جماعة "لاكوراوا" تعيد رسم خريطة التهديدات في نيجيريا

الجماعات الإرهابية
الجماعات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 

تشهد نيجيريا تلك الأيام موجات عالية من الخطف والعمليات الإرهابية، خاصة في الولايات الشمالية والوسطى، وعادة ما تشير أصابع الاتهام إلى الجماعات الإرهابية التقليدية المتمركزة في ولاية بورنو المطلة على بحيرة تشاد، مثل جماعة "بوكو حرام" التي تأسست عام 2002، وكذلك تنظيم "داعش" في غرب إفريقيا، الذي تأسس في عام 2016.  

صار من الخطأ الشائع في دراسة التنظيمات والجماعات الإرهابية في إفريقيا التركيز فقط على نمط "بوكو حرام" و"داعش"، فخلال السنوات الماضية برزت أيضًا العديد من الجماعات الإرهابية الأخرى، والتي لا تقل ضراوة عملياتها عن التنظيمين السابقين، إلا أن تلك التنظيمات ظلت حبيسة الرؤية المحلية أو الإقليمية على أقصى تقدير، وبالتالي باتت تلك الجماعات في مأمن من الاستهدافات الدولية والإقليمية، مما وفر لها حماية مخصوصة.

الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 
الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 

في هذه الدراسة سيتم التطرق إلى واحدة من أبرز الجماعات والتنظيمات الإرهابية العاملة حاليًا في نيجيريا ومنطقة الساحل، وهي جماعة تدعى "المجندون"، أو كما يُطلق عليها في اللغات المحلية في نيجيريا "لاكوراوا"، وهي محرفة من الكلمة الفرنسية "recrues"، والتي تعني بالعربية "المجندون"، وتم الاستقرار على تسمية تلك الجماعة باسم "لاكوراوا" كما يتم تداولها في الأوساط النيجيرية.

مبدئيًا، وقبل الخوض في تفاصيل نشأة وعمليات "لاكوراوا"، يمكن اعتبار أن هذا التنظيم من الجيل الثاني أو الثالث من التنظيمات الإرهابية في غرب إفريقيا، إذ يتميز هذا التنظيم بكونه أكبر التنظيمات الهجينة، فالطابع الهجيني يتمثل في كونه يجمع بين الإطار الجهادي التكفيري والإطار الإجرامي البحت، حيث السرقة والعنف والاختطاف والاغتصاب، ويجمع أيضًا بين الجماعات الإرهابية في بحيرة تشاد، مثل بوكو حرام، وبين الجماعات الإرهابية في الساحل، مثل جبهة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي، فالتنظيم تقريبًا شُكل بالاتحاد بين عناصر من الطرفين: بوكو حرام ونصرة الإسلام والمسلمين.

نشأة لاكوراوا

نشر معهد الدراسات الأمنية بكيب تاون دراسة في ديسمبر 2025 حول ذلك التنظيم في نيجيريا. ففي الغالب تنتشر الجماعات الإرهابية مثل "بوكو حرام" وتنظيم "داعش" في غرب إفريقيا في شمال شرق البلاد، خاصة في ولاية بورنو، إلا أن تنظيم "لاكوراوا" ينتشر في مناطق أخرى في شمال غرب نيجيريا بالقرب من الحدود مع مالي والنيجر وبنين.

الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 
الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 

تنتشر "لاكوراوا" في ولايتي سوكوتو وكيبي في أقصى شمال غرب البلاد على الحدود مع النيجر، وكذلك منطقتي دوسو وتاهوا في النيجر، وأخيرًا مدينة أليبوري في منطقة شمال شرق دولة بنين، أي أن تلك الجماعة تنتشر بين ثلاث دول هي: نيجيريا والنيجر وبنين.

حيث وفر السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في تلك المناطق أرضًا خصبة لنشأة تلك الجماعة، إذ تعاني تلك المناطق من التخلف والفقر وتغير المناخ وانعدام الأمن، وأيضًا انعدام تواجد الدولة في تلك المناطق، وبالتالي نجحت تلك الجماعة في ملء الفراغ الأمني والسياسي، وبدأت في استغلال انعدام تواجد الدولة في تسيير الشؤون الداخلية في تلك المناطق، مثل إدارة نظم العدالة والاقتاد المحلي، مثل السيطرة على المناجم وجلب الضرائب المحلية وتحصيل الزكوات.

التهجين الإجرامي الإرهابي

نشأت جماعة "لاكوراوا" بالاندماج بين فصيلين: أولهما فصيل من دولة مالي ينتمي إلى جبهة "تحرير ماسينا" التي يقودها أمادوا كوفا، عضو جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، أما الفصيل الآخر فهو فصيل محلي ينشط في الحدود المشتركة بين النيجر ونيجيريا وبنين، وكان مختصًا في البداية بالدفاع عن حقوق الرعاة. إلا أن ثمة روابط وجذور مشتركة وروابط تنسيقية بين الفصيل المحلي النيجيري وبين تنظيم بوكو حرام، خاصة في منطقة شيرور التي تنشط بها "بوكو حرام"، مما يعني أن جماعة "لاكوراوا" تعتبر من أولى محاولات الدمج بين "بوكو حرام" في نيجيريا وجبهة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي.

الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 
الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 

أما الفصيل الذي أتى من دولة مالي، فيوضح معهد الدراسات الأمنية أنه نتيجة الصراع بين تنظيم "داعش" في الصحراء وتنظيم جبهة "نصرة الإسلام والمسلمين" خلال الفترة من 2015 حتى 2016، تشكل ضغط على أحد أجنحة جبهة "تحرير ماسينا"، حيث اتجه هذا الجناح غربًا باتجاه الحدود المشتركة بين النيجر ونيجيريا، والتحالف مع إحدى الميليشيات المحلية في ولاية سوكوتو النيجيرية، وتشكيل ما يُعرف باسم جماعة لاكوراوا.

يؤكد معهد الدراسات الأمنية أن تنظيم "لاكوراوا" بدأ في الظهور العلني في عام 2018، حيث ظهر في البداية كميليشيا محلية في منطقة غابات ماراكي في منطقة غودو بولاية سوكوتو، حيث تشكلت في البداية لتوفير الحماية لسكان المنطقة في ظل غياب دور الشرطة النيجيرية، إذ شهدت تلك المنطقة انتشار عصابات قطع الطرق والسرقة، مما استدعى القادة المحليين في ولاية سوكوتو مناشدة قادة لاكوراوا التدخل لحماية المنطقة من العصابات، وهو ما نجحت فيه الجماعة في البداية، حيث نجحت في تطهير ولاية سوكوتو من تلك العصابات، فارضة الأمن على سكان المنطقة.

الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 
الحركات الإرهابية في غرب إفريقيا - أرشيفية 

اكتساب الشرعية

ساهم تمكن جماعة "لاكوراوا"، التي تأسست في نهاية عام 2018، في مجابهة العصابات في الغابات النيجيرية، خاصة غابة باوني بولاية سوكوتو، في اكتساب شرعية بين الجماعات المحلية، مما دفع قادة الجماعات المحلية في المناطق المجاورة إلى طلب الحماية من جماعة لاكوراوا، التي نجحت أيضًا في بسط حمايتها على باقي المناطق في ولاية سوكوتو، وبل امتدت إلى ولاية كيبي المجاورة، وذلك عن طريق إنشاء سلاسل إمدادات لوجستية وعسكرية على طول طرق الترحال التقليدية العابرة للحدود في نيجيريا، ورويدًا رويدًا توسعت أيضًا في مناطق دوسو وتاهوا في النيجر، ومنطقة أليبوري في بنين، فارضة حمايتها على خمس ولايات من ثلاث دول أفريقية متفرقة.

التمويل والتجنيد

تمول الجماعة أنشطتها من خلال عمليات الخطف مقابل الفدية، والاستيلاء على المحاصيل الزراعية، وسرقة الماشية، وفرض ضرائب غير شرعية على السكان المحليين تحت مسمى إجبار المسلمين على دفع الزكاة.

وتتعامل حاليًا "لاكوراوا" على أنها دولة مستقلة، وإن تداخلت مناطقها مع سيادة ثلاث دول إفريقية مستقلة، وهي: نيجيريا والنيجر وبنين، حيث أسست "لاكوراوا" هياكل حكم موازية في تلك المناطق، فارضة الضرائب، وتعيين الأئمة، وتنفيذ أحكامها المتطرفة، مثل منع الأغاني ومعاقبة الشباب على قصات الشعر التي تعتبرها مخالفة للشريعة، وتشن الهجوم على من يعاديها، مثل الهجوم على قرية ميرا بولاية كيني في نوفمبر 2024.

وتعتمد "لاكوراوا" على تجنيد العديد من العناصر المحلية، وشبكات الأقارب والعائلات، وتقديم حوافز مالية تصل إلى مليون نيرة، فضلًا عن دعم المزارعين بالتقاوى الزراعية والآلات الزراعية المتعددة، مثل مضخات المياه وغيرها، وتشير المصادر إلى تعداد مقاتلي الجماعة حوالي ألفي مقاتل، يتمتعون بقدرات عالية في التحرك العملياتي في الغارات على القرى والمناطق النائية.

الانتماء الأيديولوجي

ساهم الفصيل المالي في جماعة "لاكوراوا" في تعزيز الفكر السلفي الجهادي في الجماعة، إذ يتبنى مفاهيم التكفير للمغايرين لتوجهاته الفكرية، كما ساهمت أيضًا حلقات الالتقاء بين مقاتلي لاكوراوا ومقاتلي بوكو حرام في منطقة شيرور في تعزيز ذلك الفكر الجهادي المتطرف داخل الجماعة.

وفي هذا الصدد، يشير معهد الدراسات الأمنية إلى أن جماعة "لاكوراوا"، رغم كونها جماعة متطرفة، إلا أنها مستقلة بحد ذاتها، حيث لم تثبت تبعيتها أو مبايعتها لأي تنظيم إرهابي في منطقة الساحل، مثل جبهة تحرير ماسينا أو "بوكو حرام" أو تنظيم "داعش" في غرب إفريقيا، ورغم عدم التبعية الإدارية لأي من تلك التنظيمات، إلا أن "لاكوراوا" تحتفظ بعلاقات متينة ومصاهرة مع تلك الجماعات.

وختامًا:

 يبدو أننا أمام جماعة تكفيرية مسلحة في نيجيريا تختلف في تحركاتها عن الجماعات الأخرى، حيث لم تعتمد على كثافة قواتها بل على نوعية أفرادها. فـ"لاكوراوا" تعد ضعيفة من حيث تعداد أفرادها (ألفي مقاتل فقط)، إلا أنها نجحت في فرض حمايتها وسيطرتها على ثلاث مناطق في ثلاث دول مختلفة، كما نجحت في السابق في القضاء على العصابات الإجرامية في تلك المناطق، الأمر الذي مهد لها اكتساب شرعية في تلك المناطق وفرض وبسط سيادتها.

ولمواجهة تهديدات تلك الجماعة ينبغي على الدول الثلاث: النيجر ونيجيريا وبنين، إزالة التوترات الدبلوماسية بينهما على خلفية الانقلاب العسكري في النيجر عام 2023، وتوتر العلاقات بين أبوجا ونيامي، وتوجيه الأخيرة اتهامات لأبوجا بدعم جماعة لاكوراوا.

ونقطة أخيرة ينبغي الإشارة إليها، وهي أن دول غرب إفريقيا عمومًا، ونيجيريا على وجه الخصوص، يجب أن تمنع الميليشيات المحلية من تولي زمام توفير الأمن في المناطق المتطرفة، فـ"لاكوراوا" بدأت في الأساس كحامية للجماعات المحلية من بطش عصابات الغابات التي تقوم على الاختطاف، وسرعان ما تحولت إلى جماعة تكفيرية تريد فرض سيطرتها على المناطق في شمال غرب البلاد.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء