بين صفقة ترامب وحلم نتنياهو: غزة على خريطة المشاريع الإسرائيلية
أثار المشروع الأمريكي الجديد لإعادة إعمار قطاع غزة، الذي يحمل عنوان "شروق الشمس"، موجة واسعة من الجدل والتشكيك في الأوساط السياسية والأكاديمية، في ظل تجاهله للواقع الإنساني الكارثي في القطاع وجذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويقع المقترح في 32 صفحة من شرائح باوربوينت، مليئة بصور لناطحات سحاب ساحلية إلى جانب رسوم بيانية وجداول كلفة، ويعرض خطوات تهدف إلى نقل سكان غزة من الخيام إلى الشقق الفاخرة، ومن الفقر إلى الازدهار.
وتحمل الوثيقة تصنيف "حسّاس لكنه غير سري"، ولا تتضمن تفاصيل حول الدول أو الشركات التي ستموّل إعادة الإعمار، كما لا تحدد بدقة أين سيعيش نحو مليوني فلسطيني نازح خلال فترة إعادة البناء.
يقوم مشروع "شروق الشمس" على خطة تمتد لـ10 سنوات على الأقل، بتكلفة تقدر بنحو 112 مليار دولار، وتهدف -بحسب الرؤية الأمريكية- إلى تحويل قطاع غزة إلى مدينة تكنولوجية ذكية، مرورا بـ4 مراحل تبدأ من جنوب القطاع، وتحديدا من رفح، ثم خانيونس، وصولا في مرحلتها الأخيرة إلى مدينة غزة، التي يراد لها أن تصبح نموذجا لما يشبه "الريفيرا" المتوسطية.

ووضع كوشنر وويتكوف، إلى جانب مساعد البيت الأبيض جوش غرونباوم ومسؤولين أمريكيين آخرين، المقترح خلال الـ45 يومًا الماضية، بمشاركة مدخلات من مسؤولين إسرائيليين وقطاع خاص ومتعاقدين. وإذا انطلق المشروع، يخطط الفريق لتحديث الأرقام ومراجعتها كل عامين.
وتعرض الخطة خارطة طريق تبدأ بإزالة المباني المدمرة والذخائر غير المنفجرة وأنفاق حماس، مع توفير ملاجئ مؤقتة ومستشفيات ميدانية وعيادات متنقلة للسكان، وتُظهر إحدى الشرائح، بعنوان "رفح الجديدة"، أنها ستصبح "مقر الحكم" في غزة، وتضم أكثر من 500 ألف نسمة، مع أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، و200 مدرسة، وأكثر من 75 منشأة طبية و180 مركزًا ثقافيًا.
وتعود هذه الرؤية في جوهرها إلى فكرة "السلام الاقتصادي" التي روج لها جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مؤتمر المنامة قبل 5 سنوات، حين طرح تخصيص نحو 50 مليار دولار تحت عنوان التنمية، لا لإنهاء الاحتلال أو لحل القضية الفلسطينية، بل لتذويبها في مشاريع اقتصادية.
المشاريع التي تم وضعها حول إعادة "إعمار غزة"، تكشف بوضوح أن "الحرب على غزة" لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، أو محاولة لتحييد حركة حماس وتجميد دورها العسكري والسياسي، لكنها بل بدت كنافذة إسرائيلية لإعادة صياغة الجغرافيا والاقتصاد وتحقيق مكاسب اقتصادية وأطماع إستراتيجية في قلب البحر المتوسط وعلى تخوم المنطقة العربية .

وهنا يصبح ضروريًا أن نتعمق في قراءة دوافع تل أبيب، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: الاستيطان، الغاز، والممرات التجارية.
أولاً: الاستيطان.. حلم اليمين الإسرائيلي بالعودة إلى غزة
في عام 2005، فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون الساحة السياسية بإعلان خطة "فك الارتباط"، التي قضت بانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة وتفكيك 21 مستوطنة كانت قائمة على نحو 42% من مساحة القطاع.
جاء القرار بعد ضغوط اقتصادية وأمنية، إذ تحولت المستوطنات إلى عبء حقيقي بسبب كثافة المواجهات مع المقاومة الفلسطينية، وارتفاع كلفة تأمين المستوطنين، إضافة إلى محدودية إنتاجية هذه المستوطنات. لكن الخطة لم تُنهِ الجدل داخل إسرائيل، بل أحدثت انقسامًا حادًا، خاصة داخل حزب الليكود، حيث قاد بنيامين نتنياهو معارضة شرسة ضدها، انتهت بانشقاق شارون وتأسيس حزب "كاديما".

اليوم، وبعد مرور عقدين، تعود غزة لتحتل صدارة النقاش الإسرائيلي. بالنسبة لليمين القومي والديني، فالأزمة الراهنة وفّرت فرصة لتجاوز ما يعتبرونه "خطأ شارون التاريخي". فمع تفريغ أجزاء واسعة من القطاع وتهجير مئات الآلاف، تبدو الأرض مهيأة لعودة المشروع الاستيطاني.
مؤشرات العودة
خلال الحرب، برزت عدة إشارات على جدية هذا التوجه، ففي ديسمبر 2024، تقدم حزب "عظمة يهودية" بمشروع قانون لإلغاء خطة فك الارتباط، والمطالبة بإعادة المستوطنات في غزة، فضلا عن قيام وزير الإسكان الإسرائيلي السابق، يتسحاق غولدكنوبف، بزيارة إلى محور نتساريم في القطاع، برفقة ناشطين استيطانيين، لعرض مخططات هندسية لبناء مستوطنات جديدة، بعض الأصوات في اليمين الإسرائيلي صارت تتحدث علنًا عن "استعادة الحق التاريخي" في غوش قطيف وغيرها من المستوطنات السابقة.
بين العقبة والفرصة
محاولات إسرائيل من إضعاف المقاومة الفلسطينية من خلال الإصرار على نزع سلاح حماس وفصائل المقاومة، يجعل كلفة تأمين أي وجود استيطاني جديد، أقل بكثير مما كانت عليه قبل أكتوبر 2023، ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في قدرة الفلسطينيين على العودة إلى أراضيهم، ورفض المجتمع الدولي لأي مشروع استيطاني جديد يتعارض مع القانون الدولي.
ثانيًا: الغاز.. الجائزة الكبرى في شرق المتوسط
مع اكتشاف حقول الغاز الكبرى في شرق البحر المتوسط منذ 2010، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع على الطاقة، إذ كانت إسرائيل من أكبر المستفيدين، حيث سيطرت على حقول مثل ليفياثان، تمار، وكاريش، ما حولها من دولة مستوردة إلى مصدّرة للطاقة.
لكن السيطرة على الغاز ليست مجرد شأن اقتصادي. إنها ورقة جيوسياسية تُستخدم لنسج تحالفات مع أوروبا، التي تبحث عن بدائل للغاز الروسي، ولتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترى في إسرائيل شريكًا محوريًا في أمن الطاقة العالمي.
غزة في معادلة الغاز
من خلال فرض السيطرة على غزة أو تحييد سكانها، تستطيع إسرائيل توسيع نطاق سيطرتها على الساحل، نظرا للموقع البحري الحساس للقطاع ومن ثم ضمان نصيب أكبر من حقول الغاز المتنازع عليها.إضافة إلى ذلك، وجود احتياطات غازية غير مستغلة قبالة سواحل غزة، كما أن المشروع الفلسطيني لتطوير حقل غزة مارين ظل معطلاً لسنوات بسبب العراقيل الإسرائيلية. ومع استمرار النكبة، يزداد احتمال أن تُحكم تل أبيب قبضتها على هذه الموارد، سواء عبر السيطرة المباشرة أو عبر ترتيبات أمنية واقتصادية تفرضها على أي إدارة مستقبلية للقطاع.
الغاز كورقة تفاوض
من المتوقع أن تستخدم إسرائيل ورقة الغاز في أي مفاوضات سياسية مقبلة. فهي تدرك أن التحكم بالطاقة يعني التحكم بمستقبل التنمية الفلسطينية، وربما فرض شروط سياسية واقتصادية قاسية على الفلسطينيين مقابل السماح لهم بالاستفادة من ثرواتهم الطبيعية.
ثالثًا: قناة بن جوريون.. الحلم الإسرائيلي القديم الجديد
منذ الخمسينيات، راودت إسرائيل فكرة إنشاء قناة مائية موازية لقناة السويس، تمتد من ميناء أشدود على البحر المتوسط إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر. الهدف كان واضحًا في تقليص الاعتماد على قناة السويس، وحرمان مصر من ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية، وطوال العقود الماضية، ظل المشروع حبرًا على ورق بسبب التحديات الأمنية، خصوصًا قرب غزة، نتيجة عرقلة المقاومة المسلحة لأي استثمار إسرائيلي في هذا الاتجاه، ما يجعل الفكرة مغامرة محفوفة بالمخاطر، ومع تفريغ شمال غزة بشكل واسع، وإضعاف المقاومة المسلحة، يعود المشروع إلى دائرة الاهتمام، وقد تزايد الحديث عنه في ظل التنافس العالمي على طرق التجارة.

ففي 2024، وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى واشنطن، جرى نقاش مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إنشاء خط تجاري عالمي بديل لطريق الحرير الصيني، يمر عبر الهند، ثم إسرائيل، وصولًا إلى أوروبا، ومن ثم تكتسب غزة بعداً استراتيجيًا في هذا الإطار من خلال السيطرة عليها أو تحييدها، ما يجعل تنفيذ المشروع أكثر أمانًا، ويمنح إسرائيل موقعًا محوريًا في شبكة التجارة العالمية.
بين الواقع والطموح
رغم ما سبق، يبقى تنفيذ "قناة بن جوريون" مشروعًا مكلفًا للغاية من الناحية المالية والهندسية، فضلًا عن التعقيدات السياسية الإقليمية، لكن مجرد إعادة طرحه في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي يكشف عن التحولات في التفكير الاستراتيجي لتل أبيب، التي لم تعد ترى في غزة عبئًا، بل فرصة لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.
رابعًا: البعد الأمريكي.. بين "صفقة القرن" وخطة ترامب الأخيرة
لا يمكن فصل الأطماع الإسرائيلية في غزة عن المظلة الأمريكية، فمنذ طرح "صفقة القرن" في عهد ترامب، بدا واضحًا أن واشنطن تتبنى رؤية لإعادة صياغة القضية الفلسطينية بما يخدم مصالح إسرائيل.
الخطة الأمريكية الأخيرة لوقف الحرب في غزة، عبر انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وخروج آمن لمقاتلي حماس، وإدارة دولية للقطاع – تبدو في ظاهرها إنسانية، لكنها في جوهرها تمنح إسرائيل فرصة ذهبية لترتيب أوضاع القطاع بما يتلاءم مع مشاريعها المستقبلية في الاستيطان والغاز والممرات التجارية.
الجائزة المستعصية
الحرب الإسرائيلية على غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية في سجل الصراع العربي الإسرائيلي، بل جزء من مشروع أكبر يهدف إلى تحويل القطاع من عبء أمني إلى رصيد استراتيجي وتجاري، ومحاولة لإعادة هندسة المنطقة عبر السيطرة على مفاتيح النفوذ، التي يمكن من خلالها تغير موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
في النهاية تواجه هذه الأطماع الصهيو أمريكية معوقات كبرى في ظل صمود الشعب الفلسطيني، والرفض الإقليمي والدولي، وتعقيدات التوازنات العالمية، فالتاريخ شاهدا على أن هذه المساحة الجغرافية ظلت عصية على الإخضاع لعقود طويلة، ولم يستطع الاحتلال الغاشم بمختلف أدواته أن يمحو هويتها وثقافتها ولا يبيد إرادة أهلها.



