رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من التهميش إلى التفجير: الميليشيات النسائية بين العقيدة والسلاح

المرأة في الجماعات
المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية

لم تكن المرأة يومًا فاعلًا مستقلًا في خطاب الجماعات الأصولية المتطرفة، بل جرى التعامل معها باعتبارها أداة وظيفية تُستدعى وفق مقتضيات الصراع ومتطلبات التنظيم. فبينما حُوصرت المرأة في أدبيات هذه الجماعات بدوائر الانغلاق والتبعية والتهميش، شهد الواقع العملي توظيفًا متدرجًا لها تجاوز الأدوار التقليدية، من العمل الدعوي ونقل الرسائل، إلى المشاركة المباشرة في العمليات المسلحة والانتحارية.

المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية
المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية

ويسعى هذه التحليل إلى تفكيك مسارات الاستغلال الجهادي للمرأة داخل التنظيمات الإرهابية، ورصد تحولات دورها من الهامش إلى مركز الفعل التنظيمي، مع مقارنة بين التجربتين السنية والشيعية في توظيف النساء داخل الميليشيات المسلحة. كما يتناول الدوافع الفكرية والتنظيمية والنفسية التي مهّدت لانخراط النساء في هذه الجماعات، كاشفًا كيف تحوّلت الخطابات الدينية المتطرفة إلى أدوات للسيطرة والاستغلال، لا للتمكين أو التحرر، في واحدة من أخطر صور توظيف الدين في الصراع المسلح.

التوظيف التنظيمي

عملية التوظيف التنظيمي للمرأة في الجماعات الأصولية والراديكالية مرت بعدة مراحل، وفق تبعيتها للمشروع الفكري، وفي إطار الدور الدعوي والاجتماعي والخدمي، مرورًا بنقل الرسائل وتأمين سبل الإعاشة، فضلًا عن استغلالها جسديًا باعتبارها وعاءً للشهوة الجنسية، انتهاءً بالمشاركة في الأعمال الإرهابية والمسلحة والتفجيرات.

المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية
المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية

وقد أسهمت جماعة الإخوان ترسيخ هذا الدور وتطويره - في نطاق الحدود المرجعية التنظيمية- باعتبارها الجماعة الأم لمشروع "الإسلام السياسي"، من خلال تأسيس فرقة "الأخوات المسلمات"، عام 1932 وقصرت دورها على الإطار الدعوي والاجتماعي، وفي مراحل لاحقة طورت هذه الأدوار حركيا وتنظيميًا بما يخدم أهداف المشروع البناوي، وتطبيق استراتيجية التمكين"، وفق ما يعرف بـ"التغيير من أسفل"، ودورهن في اختراق مؤسسات الدولة. 

 

المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية
المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية

وقد فسَّرت تجربة تنظيم "القاعدة" عملية التحول الكبرى في مسألة المشاركة النسائية في الأعمال الإرهابية المتطرفة؛ فقبيل عام 2003 كان يرى أيمن الظواهري –نائب تنظيم القاعدة آنذاك– أن مشاركة المرأة في العمل التنظيمي محرَّم شرعًا، وعدم جواز مشاركتها أو مزاحمتها للرجال سواء في الجانب الإداري والتنظيمي أو في العمل القتالي المسلح،  إلا أن مع التغيرات التي طرأت على المنطقة أجاز التنظيم مشاركة النساء في صفوفه؛ حيث كان زعيم "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي"، يعتبر أول من جنَّد ووظف النساء في العمليات الانتحارية، وأبرز الأمثلة على ذلك قضية "ساجدة الريشاوي" الانتحارية التي أُلقي القبض عليها في الأردن خلال محاولتها تفجير إحدى العمليات الإرهابية بعد تكليفها من الزرقاوي.

المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية
المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية

ورغم هذا التردد لدى تنظيم "القاعدة" في توظيف النساء في العمليات الإرهابية المسلحة، لجأ تنظيم "القاعدة في الجزيرة العربية" بقيادة يوسف آل عيري –حينها– إلى تجنيد النساء في صفوفه؛ حيث أوضح في رسالته بعنوان "دور المرأة في الجهاد ضد العدو" أن المرأة لها دور كبير في تقديم الدعم للرجل المجاهد، ومن ثم برز عدد من النساء الأصوليات في السعودية والتي يحملن الفكر القاعدي، مثل: ندى القحطاني، ووفاء آل الشهري، وأروى البغدادي، وهايلة القصير، وانحصرت مهامهن في توفير التمويل اللازم للتنظيم، والقيام بالخدمات اللوجستية والتأمينية للتنظيم.

المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية
المرأة في الجماعات الإرهابية المسلحة - أرشيفية

أما فيما يخص تنظيم "داعش"، فقد شهدت الممارسة العملية إفراطًا في ظاهرة تجنيد النساء، عكس تنظيم "القاعدة" المليء بالتحفظات والفتاوى التي ترفض استغلال النساء في العمل التنظيمي المسلح، وتخطى "داعش" تلك الفتاوى بتشكيل كتائب مسلحة نسائية.

المشاركة المسلحة

وترتب على مشاركة النساء في العمل الإرهابي المسلح تراجع دور الفتاوى المحرِّمة لاشتراك المرأة في العمل التنظيمي المسلح، مع تطور دورها الحركي والتنظيمي، فضلًا عن إضفاء البعد الروحي والديني على مشاركتها في ظل فتاوى جعلتها مطالَبة بالمشاركة المسلحة وفق أدبيات هذه التنظيمات.

بالانتقال إلى التجربة الشيعية في مسألة توظيف النساء والزج بهن في العمليات، يتضح أن المنطلقات الفكرية لدولة الفقيه والنظام الملالي لم تمنع عملية مشاركة النساء في العمل التنظيمي والمسلح من أجل الدفاع عن الثورة الإيرانية؛ ففي نوفمبر 1979، أي بعد نجاح الثورة بشهور قليلة، تم إنشاء أول ميليشيا نسوية إيرانية.

وفي ظل تصاعد التهديدات الموجَّهة للثورة الإيرانية، أصدر الخميني في عام 1985 مرسومًا ينص على أنه ينبغي على النساء تلقي التدريبات العسكرية والقتالية؛ من أجل المشاركة مع الرجال في الدفاع عن النظام الملالي ومقاومة الثورات المضادة، وبالفعل تم إرسال العديد من الميليشيات النسائية إلى جبهات القتال في الحرب العراقية الإيرانية.

الأخوات في جماعة الإخوان 
الأخوات في جماعة الإخوان 

ويرجع الفضل لمرضية دباغ في تدشين المشاركة النسائية لدى الشيعة في إيران؛ حيث عملت –قبل الثورة الإيرانية– على مقاومة نظام الشاه في طهران، ما أدى إلى اعتقالها عامي (1972–1973)، كما حرصت على مقاومة التمدد اليساري والشيوعي داخل صفوف المعارضة الإيرانية، خاصة في الأوساط النسائية.

أخوات الباسيج
أخوات الباسيج

بعد نجاح الثورة الإيرانية كانت "دباغ" من مؤسسي الحرس الثوري الإيراني، وترأست الحرس في ولاية همدان، وخلال وجودها في الحرس عملت على إنشاء فرق من المقاتلات الإيرانيات داخل صفوف قوات التعبئة الشعبية "الباسيج" تحت مسمى "أخوات الباسيج".

أخوات الباسيج

اقتصرت مهام "أخوات الباسيج" على تقديم الدعم اللوجستي والطبي للمقاتلين الإيرانيين خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، والمشاركة في عمليات قمع المعارضة الإيرانية في الداخل الإيراني وتصفية الخصوم والمعارضين، وهو ما وضح في أحداث المظاهرات الكبيرة التي شهدتها إيران عام 2009 عقب الانتخابات الرئاسية؛ حيث كان لأخوات الباسيج دور كبير في قمع تلك التظاهرات، وأيضًا كان لهن دور في قمع الاحتجاجات التي وقعت في ديسمبر 2017. وعلى غرار التجربة الإيرانية، قامت حركة أنصار الله "الحوثيين" بتشكيل "كتيبة الزينبيات" كذراع نسائية عسكرية خاصة بها.

التأصيل الفكري للجماعات الأصولية بشقيها السني والشيعي، فيما يخص مسألة توظيف النساء ضمن الميليشيات المسلحة، يضعنا أمام مجموعة من النقاط، أهمها:

أولًا: الفكر الأصولي الشيعي كان أسبق من نظيره السني في مسألة مدى شرعية الأمر؛ فالفتوى التي أجازها الخميني في عام 1985 بضرورة تدريب النساء بدنيًا وعسكريًا لمواجهة أعداء المشروع الإيراني، حسمت الأمر بالنسبة للشيعة، في حين أن الفكر الأصولي السني كان لديه تردد أو تحفظ، باستثناء جماعة الإخوان التي وظفت المرأة حركيًا وتنظيميًا في إطار مساحة ضيقة تسهم في تحقيق أهداف الجماعة.

أخوات الباسيج - أرشيفية
أخوات الباسيج - أرشيفية

ثانيًا: السماح لتنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" باستخدام الانتحاريات في صفوفه جاء على مضض؛ حيث رجح كثير من المتابعين أن موافقة تنظيم "القاعدة" جاءت نتيجة قلة عدد الانتحاريين من الرجال، كما أن المشاركة النسائية تتميز بقدرتها على التنقل بين الحواجز الأمنية دون تفتيش دقيق؛ نظرًا لثقافة المجتمعات العربية.

ثالثًا: حصرت الجماعات الأصولية (السنية) وظائف المرأة التنظيمية في عمليات الدعوة والتربية، والاستقطاب والتجنيد والتمدد الجغرافي، وتقديم الدعم اللوجستي، في حين أن الفكر الشيعي كان أكثر انفتاحًا في مسألة مشاركة النساء وتوظيفهن وتوسيع دورهن دون قصره أو اختصاره في نطاق أساليب الدعم اللوجستي والدعوي.

رابعًا: لم يتوقف تنظيم "داعش" كثيرًا عند الأدبيات المتعلقة بمدى شرعية التوظيف للجانب النسائي، في ظل قراره المبكر بتشكيل الكتائب النسائية المسلحة، مثل "كتيبة الخنساء"، والزج بها في أتون العمليات الإرهابية قبل سقوطه في سوريا والعراق.

أخوات الباسيج - أرشيفية
أخوات الباسيج - أرشيفية

خامسًا: تتسم دوافع مشاركة النساء وتوظيفهن في الجماعات الأصولية بنوعين؛ الأول: الدوافع المتعلقة بتلك الجماعات ذاتها، والثاني: ما يتعلق بالمرأة ذاتها؛ حيث تمهِّد مجموعة من الدوافع النفسية والاجتماعية الطريق أمام المرأة كي تلتحق بتلك الجماعات.

1)  الدوافع المتعلقة بالجماعات والحركات

لجأت الجماعات الأصولية المتطرفة إلى تجنيد ومشاركة النساء ضمن صفوفها تحت ضغط العديد من الدوافع الميدانية واللوجستية، ومن أهمها: الدور الذي تتميز به النساء في قدرتها على نشر التوجه الفكري في وسط البيئة المحيطة بها بكل سهولة ودون أي عائق، فضلًا عن دورها في جمع المعلومات والعمل الاستخباراتي، في ظل تمتعها بحصانة مجتمعية تمكنها من التحرك دون التشكيك في دورها ومهامها.

كما أن قدرتها على تجنيد واستقطاب المزيد من النساء بسهولة، في إطار استغلال المساحات العائلية، يسهم في مشاركتها في بناء وتوسيع القاعدة التنظيمية وتعويض النقص العددي في الجانب الذكوري، بجانب دورها المهم في الدعم اللوجستي، سواء في الجماعات التي تمارس الدور السياسي والدعوي أو العمل المسلح، فضلًا عن الترويج لمشاركتها في إطار الدافع الحماسي والإقناعي لمشاركة غيرهن من النساء أو من الرجال، في إطار بناء صورة ذهنية عن مشاركتها رغم ضعفها، مع التركيز على تقاعس وتخاذل الرجال عن المشاركة في الدور التنظيمي والدفاعي عن القضايا الإسلامية –على حد زعمهم–.

الأخوات في جماعة الإخوان 
الأخوات في جماعة الإخوان 

2)  الدوافع الخاصة بالنساء

يجب التفرقة بين دوافع المرأة السنية في الانخراط في الميليشيات المسلحة ودوافع المرأة الشيعية للانخراط في الميليشيات المسلحة؛ فالتجربة الشيعية لم تُتح للمرأة فرصة اختيار الانضمام إلى مثل تلك الميليشيات، إنما كان أمرًا مباشرًا من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية "الخميني" بضرورة تجنيد النساء وإعدادهن عسكريًا، وانسحب الأمر –أيضًا– على تنظيم "الزينبيات" في اليمن؛ حيث كان ذلك أمرًا مباشرًا من زعيم الحركة عبد الملك الحوثي –حينها–.

لكن الأمر مختلف فيما يخص المرأة السنية للعديد من الأسباب، منها عدم وجود فتوى شاملة على غرار فتوى "الخميني" التي جنَّدت الشيعات، كما أن التنظيمات الأصولية السنية كان لديها نوع من التحفظ والتردد فقهيًا في مشاركة المرأة حركيًا أو في العمل المسلح، ورغم هذا التردد كان هناك العديد من العوامل التي دفعت المرأة –بعضها أو أغلبها– وكان ذاتيًا من أجل الانخراط في تلك الجماعات المتطرفة، وهو ما سيتم توضيحه في النقاط التالية:

1)  صكوك الغفران

شكَّل الخطاب المتطرف لدى الجماعات الأصولية الراديكالية تجاه المرأة المسلمة عقدة نفسية واجتماعية لها؛ حيث ينظر ذلك الخطاب إلى المرأة على أن وجودها شر محض، وأنها سبب للفتنة، ولا يجب عليها الخروج والظهور، وإلا سترتكب ذنبًا وإثمًا يجب عليها تكفيره؛ لذا أصبحت المرأة عمومًا مدمرة نفسيًا؛ حيث تم اغتيالها دينيًا، وتحتاج إلى من يرشدها وينتشلها من مستنقع الذنوب التي وقعت فيه.

الأخوات في جماعة الإخوان 
الأخوات في جماعة الإخوان 

ومثلما صدَّرت تلك الجماعات هذه الصورة السلبية عن المرأة، صدَّرت لها –أيضًا– وسيلة الخلاص والتحرر من الذنوب التي ارتكبتها طوال حياتها، عبر انغماسها في تلك الجماعات، والإيمان بمعتقداتها، والعمل على نشر منهجيتها بمختلف الطرق، علاوة على الالتحاق بميليشياتها المسلحة التي تمهِّد لها أقصر الطرق إلى الجنة –كما تدعي تلك الجماعات–؛ أي أن الالتحاق بتلك الجماعات بمثابة صك غفران للمرأة من ذنوبها.

2)  التسلط الذكوري

عانت المرأة في المجتمعات العربية من تسلط ذكوري، ما يخلق لديها إحساسًا بالدونية الشديدة، ويدفعها إلى التحرر من تلك القيود والتسلط الذكوري، من خلال تبوؤ وضع أفضل داخل تلك الجماعات والتنظيمات عبر التحاقها بميليشياتها المسلحة، التي تمنح المرأة نوعًا من الإحساس بأهمية الدور الذي تقوم به في خدمة المشروع الفكري وأهداف الجماعة التي تنتمي إليها.

الأخوات في جماعة الإخوان 
الأخوات في جماعة الإخوان 

3) ضعف التحصيل المعرفي

لعب ضعف التحصيل المعرفي والشرعي للمرأة دورًا كبيرًا في تجنيدها وتوظيفها؛ حيث استخدمت الجماعات والتنظيمات المتطرفة ضعف ثقافتهن الدينية، وروَّجت لمسألة أن النساء هن أكثر أهل النار، ما يدفعها إلى التكفير عن ذنبها بالانضمام إلى هذه التنظيمات الإرهابية.

ختامًا:

قراءة مسارات توظيف المرأة داخل الجماعات الأصولية المتطرفة تشير إلى أن انتقالها من الأدوار الدعوية والخدمية إلى المشاركة المسلحة لم يكن تعبيرًا عن تحوّل حقيقي في نظرة هذه التنظيمات إلى مكانة المرأة، بقدر ما كان استجابة براجماتية لضرورات الصراع وضغوط الواقع الأمني والتنظيمي. فالمرأة، في النهاية، لم تُستدعَ بوصفها شريكًا كامل الحقوق، وإنما كأداة يمكن استغلالها في سد العجز البشري، وتجاوز الحواجز الأمنية، وتعزيز القدرة على التجنيد والتأثير الاجتماعي.

كما تكشف المقارنة بين التجربتين السنية والشيعية عن اختلاف في آليات التبرير الفقهي وسرعة الحسم الأيديولوجي، دون اختلاف جوهري في جوهر الاستغلال ذاته؛ إذ ظل القرار محكومًا باعتبارات المصلحة التنظيمية لا بقيم العدالة أو المساواة. وفي المحصلة، يظل تجنيد النساء داخل هذه الجماعات أحد أخطر مظاهر العنف المؤدلج، لما يحمله من تشويه مزدوج للدين ولمكانة المرأة معًا، الأمر الذي يفرض ضرورة تبنّي مقاربات فكرية ومجتمعية شاملة تُفكك خطاب التطرف، وتحصّن النساء من الوقوع في دوائر الاستغلال باسم العقيدة أو الخلاص الروحي.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء