رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استراتيجية "الذئاب المنفردة" بين التخطيط الذاتي والتأثير الخارجي

الذئاب المنفردة-
الذئاب المنفردة- تعبيرية

لم تعد التنظيمات المتطرفة تستهدف الجيوش أو المنشآت العسكرية المحصنة، بل بات تركيزها منصبًا على المدنيين، بوصفهم الحلقة الأضعف والأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام. ويهدف هذا النمط من العنف إلى إحداث حالة من الفزع المجتمعي والضغط السياسي على الحكومات الأوروبية، التي تتعرض لانتقادات داخلية أشد حدة عند استهداف المدنيين مقارنة بالهجمات العسكرية.

فقد شهدت عدة دول أوروبية وعربية عددًا من الهجمات الإرهابية، أو التخطيط لهجمات متعلقة بقضايا التطرف والإرهاب مثلما حدث في سوريا، وفي أستراليا، وكذلك في المانيا وولاية لوس انجلوس خلال الساعات الماضية، عن طريق عناصر تسعى إلى تنفيذ عمليات إرهابية مسلحة تستهدف مواطنين مدنيين بدوافع وأسباب مختلفة، ويقوم الإطار الفاعل والمحرك فيها اعتمادًا على استراتيجية "الذئاب المنفردة" التي عادت تضرب من جديدة العمق العربي والغربي.

عناصر إرهابية - أرشيفية 
عناصر إرهابية - أرشيفية 

وكثّفت التنظيمات المتطرفة عملياتها في أوروبا مستغلة المناخ الديمقراطي السائد، وما يتيحه من هامش واسع للحقوق والحريات الفردية، خصوصًا الخصوصية الشخصية، التي تُعد ركيزة أساسية في الثقافة السياسية الأوروبية. هذا الواقع خلق فجوة واضحة بين ما ترغب الأجهزة الأمنية في القيام به لضمان الأمن، وما تسمح به الأطر القانونية والحقوقية، وهو فراغ أمني نجحت التنظيمات المتطرفة في النفاذ من خلاله.

ومع تصاعد الضغوط الأمنية والاستخبارية على الشبكات والتنظيمات الهرمية، لجأت الجماعات المتطرفة إلى إحياء وتطوير نموذج "الذئب المنفرد"، باعتباره وسيلة أقل كلفة، وأكثر صعوبة في الرصد، وأكثر قدرة على تجاوز الإجراءات الأمنية التقليدية.

ولا ترتبط ظاهرة "الذئاب المنفردة" فقط بالتنظيمات الإرهابية، وهو ما تذهب إليه معظم التحليلات والكتابات الغربية، ولكنها ظاهرة مارستها كل الحركات المتطرفة من جميع الانتماءات والمشارب للتعبير عن غضبها من ممارسات حكوماتهم. 

ويمثل منفذي الهجمات الإرهابية الفردية خطرًا أكبر يفوق ذلك الذي تُمثِّله التنظيمات الإرهابية المعروفة (مثل: تنظيم "داعش"، أو "القاعدة")، لا سيما وأن الأجهزة الأمنية الغربية ذات الكفاءة (الفنية والبشرية) لا يمكنها التنبؤ بتلك الهجمات، مما جعل منع "الذئاب المنفردة" من تنفيذ عملياتها الإرهابية هو التحدي الأكبر أمام تلك الأجهزة في الدول الغربية.

عناصر إرهابية - تعبيرية  
عناصر إرهابية - تعبيرية  

القوانين الغربية 

وتتزايد خطورة ظاهرة "الذئاب المنفرد" لأنها تقوم على التمويل الذاتي، فهي لا تحتاج إلى الحصول على التمويل من منظمات إرهابية معروفة يسهل إيقافها أو تتبعها، فضلا عن تجاوزها إشكالية التواصل والدعم اللوجستي من التنظيمات الإرهابية الكبيرة. وتتعاظم خطورتها في أنها تعتمد في تنفيذ هجماتها على مواد متوافرة في السوق يسهل الحصول عليها بدون إثارة الهواجس الأمنية حول مقتنيها.

وتدفع القوانين الغربية إلى تنامي ظاهرة "الذئاب المنفردة"، لا سيما وأن قوانين بعض الدول تبيح حمل السلاح وتسهِّل الحصول عليه، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. بالإضافة إلى تأكيد قوانين الدول الغربية على ضرورة احترام خصوصية المواطنين، وعدم مراقبتهم إلا في ظل ظروف استثنائية، وهو الأمر الذي يُشكِّل بيئة خصبة لتنامي مخاطر "الذئاب المنفردة"، واعتماد التنظيمات الإرهابية عليهم لتنفيذ هجمات إرهابية تثير ذعر المواطنين بعيدًا عن مراقبة الأجهزة الأمنية بتجنيد أشخاص ليس لهم سجل يؤشر إلى إمكانية تنفيذهم هجمات إرهابية، أو الانضمام إلى تنظيمات متطرفة.

مفهوم الذئاب المنفردة

يرتبط مفهوم "الذئاب المنفردة" بممارسة العنف الفردي خارج الأطر التنظيمية المباشرة. ورغم أن جذوره تعود إلى الحركات العنصرية المتطرفة في الولايات المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي، فإن التنظيمات الإسلامية المتطرفة تبنته لاحقًا وطوّرته بصورة ممنهجة تخدم أهدافها.

عناصر إرهابية - أرشيفية 
عناصر إرهابية - أرشيفية 

ويُقصد بـ"الذئب المنفرد" فرد يقوم بعمل عنيف بدافع عقائدي أو نفسي أو اجتماعي، وقد يكون الدافع اعتناق فكر متطرف، أو الشعور بالتهميش والإقصاء، 

العمل المتطرف لـ"الذئاب المنفردة" له أكثر من دافع؛ إذ أكدت لنا الشواهد أنّ "الذئب المنفردة" يُقدِم على الموت بدافع "ديني"، ودوافع أخرى نفسية واجتماعية، دون وجود ارتباط تنظيمي مباشر أو تواصل عملياتي مع جماعة إرهابية. ولعل أبرزَها هو الشعور بالتهميش، أو الفشل في الاندماج داخل المجتمع، ما يدفع الفرد إلى تحويل إحباطه إلى عنف انتقامي. ومن أهم المبرِّرات لدى "الذئب المنفرد" هو قضية "دَفْع الصائل"، تلك القضية التي حوّلها أو حَرَّفها مِن مفهوم ديني إنساني يتمثل في حق الدفاع عن النفس إلى أهداف أيديولوجية وسياسية تجاوزت مقاصد الشريعة.

تعتمد التنظيمات المتطرفة، مثل "داعش"، وتيارات "السلفية الجهادية"، على التحريض المعنوي غير المباشر عبر إصدارات مرئية أو مسموعة عامة، دون توجيه مباشر أو تحديد أهداف بعينها، الأمر الذي يُبقي العلاقة بين الطرفين في إطار فضفاض يصعب إثباته قانونيًا. وفي كثير من الحالات، تنسب التنظيمات عمليات فردية إليها بعد وقوعها، مستفيدة من رغبة المنفذ في إضفاء معنى أو قيمة لفعله، دون أن ينفي هذا الادعاء.

وتنقسم عمليات الذئاب المنفردة إلى نمطين رئيسيين:

النمط الفوضوي: ويعتمد على استهداف تجمعات مدنية عشوائية باستخدام الأسلحة النارية أو المتفجرات أو الدهس، دون تخطيط تنظيمي مسبق، ويُعد الأكثر شيوعًا.

النمط الوظيفي: يقوم على القتل الممنهج أو الإيذاء غير المباشر باستخدام أدوات تكنولوجية، مثل الرسائل المفخخة أو الهجمات الإلكترونية، ويتطلب تخطيطًا أدق مع حرص المنفذ على عدم تعريض نفسه للخطر المباشر.

دوافع لجوء التنظيمات المتطرفة إلى الذئاب المنفردة

تُعد وسيلة "الذئب المنفرد" أقل كُلفة مادية وبشرية بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، لأنها سريعة التنفيذ ولا تحتاج لتدريبات مُتقنة للقيام بها، إذ أنه بإمكان أي شخصٍ أن يقود شاحنة كبيرة لتنفيذ عملية دهس بها. وقد تمكنت التنظيمات المتطرفة باستخدام طريقة "الذئب المنفرد" أن تُحدث أضرارا جسيمة للغاية بالمجتمعات الأوروبية

اتبعت التنظيمات المتطرفة في السابق أساليب تقليدية، مثل الهجمات المنظمة وتهريب السلاح وتجنيد الخلايا، إلا أن التطور الكبير في التعاون الاستخباري الأوروبي، وتعقب التمويلات، وتشديد الرقابة على الحدود، قلّص من فاعلية هذه الأساليب، فضلًا عن أن العمليات التقليدية تتطلب موارد بشرية ومالية كبيرة، وتخطيطًا معقدًا، وتترك آثارًا استخبارية يمكن تتبعها بعد التنفيذ. في المقابل، يوفر نموذج الذئب المنفرد بديلاً فعالًا يخفف العبء عن التنظيم، ويحدّ من احتمالات الكشف المسبق.

عناصر إرهابية - أرشيفية 
عناصر إرهابية - أرشيفية 

يضاف إلى ذلك عجز الدولة الوظيفي عن مراقبة جميع المواطنين دون المساس بالحقوق المدنية، وهو ما تستغله التنظيمات المتطرفة عبر الدفع نحو العمل الفردي السري. فالذئب المنفرد لا يحتاج إلى دعم لوجستي معقد؛ فقد يستخدم سيارة مستأجرة أو مسروقة، أو سلاحًا بسيطًا، أو حتى أدوات متاحة في الحياة اليومية.

وقد أظهرت حوادث عديدة، مثل عمليات الدهس أو إطلاق النار العشوائي، مدى صعوبة التنبؤ بتوقيت هذه الهجمات أو منعها، حتى مع سرعة الاستجابة الأمنية.

دور الإنترنت والتكنولوجيا

يلعب الإنترنت دورًا محوريًا في تغذية ظاهرة "الذئاب المنفردة"، إذ تتيح الشبكة العنكبوتية الوصول المفتوح إلى الدعاية المتطرفة، والتعليمات العامة، والمواد التحريضية، بل وحتى الأدلة التقنية لصناعة المتفجرات. ويتميز هذا النمط بغياب التواصل المباشر، ما يُفقد الأجهزة الأمنية القدرة على إثبات العلاقة التنظيمية.

أسهمت الهزائم العسكرية المتراكمة التي تعرّضت لها التنظيمات المتطرفة في مناطق نفوذها التقليدية، لا سيما في أفغانستان وسوريا والعراق، في تسريع انتقالها من العمل التنظيمي الهرمي إلى نمط «الذئب المنفرد»، بوصفه أداة تعويضية تحفظ لها الحضور الرمزي والقدرة على إحداث الصدمة، رغم تراجعها العملياتي وفقدانها لمساحات السيطرة. وقد اتضح هذا التحول بشكل أكثر وضوحًا مع تصاعد الحوادث الفردية والخلايا المحدودة خلال المرحلة الأخيرة، بما يعكس سعي هذه التنظيمات إلى تجاوز الضربات الأمنية والاستخبارية عبر أنماط يصعب التنبؤ بها أو إحباطها مسبقًا.

عناصر إرهابية - أرشيفية 
عناصر إرهابية - أرشيفية 

ففي هذا السياق، لا يمكن فصل الهجوم الأخير في أستراليا، وما كُشف عنه بشأن خلية لوس أنجلوس، وفي سوريا عن المسار نفسه الذي تم تنفيذه في هجوم نيو أورليانز، وهجوم "شارلي إيبدو" في باريس، وتواصل عبر هجمات بروكسل وإسطنبول وتفجير مانشستر، وغيرها، إذ تؤكد هذه الوقائع مجتمعة أن العنف الفردي أو شبه الفردي بات الخيار المفضل للتنظيمات المتطرفة في مرحلتها الراهنة. وهو نمط لا يهدف فقط إلى إيقاع خسائر بشرية، بل إلى إحداث أثر نفسي وسياسي عميق، وزعزعة الشعور بالأمن داخل المجتمعات الغربية، وفرض معادلة استنزاف مستمرة تختبر قدرة الدول على التكيف مع تهديدات أمنية متحولة تتجاوز أدوات المواجهة التقليدية.

استراتيجيات المواجهة الأوروبية

تواجه الدول الأوروبية صعوبة بالغة في كشف "الذئاب المنفردة" نظرًا لطبيعتهم الفردية وانعدام الروابط التنظيمية. وتعتمد الأجهزة الأمنية في كثير من الأحيان على الأخطاء التي قد يرتكبها المنفذ أثناء الاستطلاع أو التحضير، مثل المراقبة المتكررة للأهداف.

كما تركز الجهود الأمنية على حماية المنشآت الحيوية والأماكن ذات الكثافة البشرية العالية، إلى جانب مراقبة الفضاء الإلكتروني، ومتابعة الحسابات المشبوهة على وسائل التواصل الاجتماعي، والضغط على الشركات الرقمية للحد من المحتوى المتطرف.

وفي بعض الحالات، لجأت دول أوروبية إلى برامج مراقبة سرية وجمع بيانات واسعة النطاق، رغم تعارضها مع القوانين الأوروبية، مبررة ذلك بضرورات الأمن القومي. كما توسع التعاون الاستخباري بين الدول الأوروبية، ووقعت اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف لمكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات، خاصة فيما يتعلق بالمقاتلين العائدين من مناطق النزاع.

آليات التنظيمات للحفاظ على فعالية الذئب المنفرد

سعت التنظيمات المتطرفة إلى تطوير أدواتها للحفاظ على فاعلية هذا النموذج، من خلال، إنشاء كتائب إلكترونية لإعادة نشر المحتوى المتطرف واستقطاب الأفراد نفسيًا، وإرسال عناصر بهويات مزيفة لتنفيذ عمليات فردية، واستغلال موجات اللجوء والهجرة غير الشرعية للتسلل إلى أوروبا، والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة تمهيدًا لهجمات إلكترونية قد تُكمّل العمليات المسلحة.

عناصر إرهابية - أرشيفية 
عناصر إرهابية - أرشيفية 

ختامًا:

الصراع بين الدول الأوروبية والتنظيمات المتطرفة مرشح للاستمرار، كما أن فترات الهدوء لا تعني انتهاء التهديد، بل قد تمثل مرحلة إعادة تموضع داخل هذه التنظيمات. كما تشدد على أن المواجهة الأمنية وحدها غير كافية، وأن معالجة جذور الانحراف المجتمعي والتهميش تمثل عنصرًا حاسمًا في الحد من ظاهرة الذئاب المنفردة.

إعادة تأهيل الأفراد المعرضين للتطرف، وتعزيز دور المجتمع المدني، وتحديث منظومات الدفاع الإلكتروني، تمثل أدوات مكملة للعمل الأمني، وتحدّ من قدرة التنظيمات المتطرفة على استغلال العنف الفردي لتحقيق أهدافها التخريبية.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء