رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إثيوبيا على أعتاب غزة: حسابات الأمن والسياسة في قوة الاستقرار الدولية

ترامب ونتنياهو -
ترامب ونتنياهو - أرشيفية

ينتظر العالم دخول "اتفاق غزة" مرحلته الثانية، والتي من المفترض أن تبدأ مع بداية العام الجديد، خاصة بعد الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لواشنطن في نهاية ديسمبر الجاري وبداية يناير المقبل. ومن المفترض أن تسفر المرحلة الثانية عن تشكيل "مجلس السلام" الذي يتولى إدارة القطاع، هذا بالإضافة إلى تشكيل "قوة الاستقرار الدولية" المنوط بها الانتشار في القطاع والمشاركة في نزع السلاح وتحقيق الاستقرار في القطاع المضطرب.

قوة الاستقرار الدولية المزمع إنشاؤها في القطاع لن تكون خاضعة للأمم المتحدة ولا لمجلس الأمن، بل ستكون خاضعة مباشرة لمجلس السلام الذي سيترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وخلال الفترة الماضية برزت مشكلة متعلقة بهوية الدول المشاركة في قوات الاستقرار الدولية؛ فإسرائيل ما زالت معترضة على مشاركة تركيا، على وجه الخصوص، في تلك القوة، نظرًا لحالة التراشق السياسي بين الجانبين خلال الفترة الماضية، كما تتوجس تل أبيب خيفة من سيطرة المكوّن الإسلامي على القوات المزمع إنشاؤها، فالدول التي أكدت عزمها على المشاركة هي مصر وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان، وكلها دول إسلامية.

سلاح المقاومة الفلسطينية - أرشيفية
سلاح المقاومة الفلسطينية - أرشيفية

وهو الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على عملية نزع سلاح حركة "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي"، فالقوى الإسلامية المشاركة في قوة الاستقرار الدولية لن تدخل في نزاع مسلح مع حركات المقاومة الفلسطينية من أجل نزع سلاحها، ومن المحتمل، وفق هذا الاحتمال، أن يكون نزع السلاح بشكل طوعي وعلى هيئة مبادرة من "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وذلك عن طريق التخلي عن السلاح الثقيل المتمثل في الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما سيتم الاحتفاظ بالتسليح الشخصي للأفراد وإبقاء خلايا الفصائل كما هي.

وفي محاولة لتهدئة المخاوف الإسرائيلية، تبحث الولايات المتحدة إمكانية مشاركة قوات غير إسلامية في قوة الاستقرار الدولية لتحقيق ضمانة لإسرائيل بأن قوة الاستقرار المزمع إنشاؤها لن تحيد عن هدفها في نزع السلاح. ففي البداية، وبعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر الماضي، تم طرح مشاركة سنغافورة في القوة الدولية المزمع إنشاؤها، إلا أن سنغافورة لم تُبدِ قبولًا أو رفضًا مباشرًا، بل تركت الأمور معلقة انتظارًا لما ستؤول إليه الأوضاع.

مشاركة إثيوبية

مؤخرًا طلب وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مساهمة قوات إثيوبية في قوة الأمن الدولية المقترح مشاركتها في غزة، حيث تسعى واشنطن إلى تجميع قوة دولية متوازنة لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة. وحتى تلك اللحظة، لم تعلق الحكومة الإثيوبية على طلب وزير الخارجية الأمريكي.

يدور تساؤل هنا حول توقيت العرض الأمريكي على الجانب الإثيوبي في ظل معاناة إثيوبيا من أزمات داخلية، إذ ترغب واشنطن وتل أبيب في مشاركة إثيوبية في قوة الاستقرار الدولية المقترح تشكيلها في قطاع غزة، وذلك للعديد من الأسباب التالية:

الرئيس الأثيوبي -أبي أحمد
الرئيس الأثيوبي -أبي أحمد

أولًا: معادلة نفوذ كيب تاون

في الفترة الأخيرة تصاعدت الخلافات بين جنوب إفريقيا من ناحية، والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، نظرًا لمواقف "كيب تاون" المناهضة للعدوان على غزة، واتجاه جنوب إفريقيا لمحاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. لذا قد تأتي دعوة إثيوبيا للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية من أجل معادلة النفوذ الجنوب أفريقي وتبييض الصورة الإسرائيلية في جنوب إفريقيا.

ثانيًا: التقارب العرقي

قد تجد تل أبيب في مشاركة أديس أبابا فرصة جيدة لتعزيز التعاون بين القوات الإسرائيلية والقوات الإثيوبية، خاصة أن الجيش الإسرائيلي يضم العديد من "كتائب الفلاشا"، وهم في الأساس طائفة يهودية إثيوبية جرى تهجيرها إلى إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي، وبالتالي قد يكون هناك تعاون وثيق بين "قوات الفلاشا" الإسرائيلية والقوات الإثيوبية.

كما أنه من المفترض أن تنتشر القوات الدولية على طول خط الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، وينتشر على هذا الخط الحدودي العديد من المستوطنات الإسرائيلية الفقيرة، والتي غالبًا ما يقطنها البدو أو يهود الفلاشا ذوو الأصول الإثيوبية.

نتنياهو 
نتنياهو 

ثالثًا: معادلة النفوذ الإسلامي

 تود تل أبيب مشاركة إثيوبيا في القوة الدولية من أجل موازنة النفوذ الإسلامي في قوة الاستقرار الدولية، خاصة في ظل ابتعاد الولايات المتحدة وبريطانيا عن المشاركة بجنودهما في القوة والاكتفاء بعمليات المراقبة والتدريب، لذا قد تكون مشاركة قوات إثيوبية على الأرض من شأنها تحقيق موازنة للنفوذ المصري والتركي في قوة الاستقرار الدولية.

رابعًا: تعزيز الشراكة الاستراتيجية

مؤخرًا برزت شراكة استراتيجية بين أديس أبابا وتل أبيب، خاصة بعد رغبة الأولى في استيراد منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية "إم آر سبايدر" وتركيبها في محيط سد النهضة الإثيوبي، خشية تعرضه لأي أعمال عدائية في حال تأزم الموقف المصري الإثيوبي حول كيفية إدارة سد النهضة.

اتفاقية الشلام بشرم الشيخ - أرشيفية
اتفاقية الشلام بشرم الشيخ - أرشيفية

خامسًا: تعزيز الضغوط الدبلوماسية على القاهرة:

 خلال الفترة الماضية أثارت القاهرة العديد من مخاوفها إزاء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، وشكلت القاهرة ضغطًا واسع المدى ضد التوجهات الإسرائيلية في التمدد في قطاع غزة، كما لم تنسَ تل أبيب مواقف القاهرة المناهضة لترحيل سكان غزة إلى سيناء. لذا قد تأتي ورقة مشاركة القوات الإثيوبية في قوة الاستقرار الدولية كنوع من الضغط السياسي على القاهرة، خاصة في ظل توتر العلاقات المصرية الإثيوبية.

وفد حماس خلال حضور اتفاقية شرم الشيخ 
وفد حماس خلال حضور اتفاقية شرم الشيخ 

سادسًا: ربط القضية الفلسطينية بأزمة سد النهضة

في عام 2020 كادت واشنطن أن تصل إلى اتفاق ملزم فيما يخص سد النهضة، إلا أن النظام الإثيوبي وقتها انسحب قبيل التوقيع على الاتفاق. ومؤخرًا حثت مصر واشنطن على اتخاذ خطوات متقدمة من أجل حل تلك المشكلة، لذا قد يأتي الطرح الأمريكي الأخير بخصوص المشاركة الإثيوبية في قوات الاستقرار الدولية كمقدمة لفتح باب المفاوضات الثلاثية الأمريكية-المصرية-الإثيوبية حول إمكانية التوصل إلى اتفاق مُرضٍ لإدارة سد النهضة.

ختامًا:

 تعكس مساعي إشراك إثيوبيا في قوات الاستقرار الدولية المقترحة في قطاع غزة تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك الحسابات السياسية والأمنية المرتبطة بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب. فالمبادرة لا تقتصر على ترتيبات أمنية داخل القطاع فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة موازنة النفوذ داخل القوة الدولية، وطمأنة المخاوف الإسرائيلية، وتوظيف المشاركة العسكرية في سياق أوسع من الضغوط والمساومات الدبلوماسية الإقليمية.

 وفي هذا الإطار، تبدو غزة ساحة اختبار لترتيبات ما بعد الحرب، حيث تتداخل ملفات الأمن، والتحالفات، والصراعات الإقليمية، وعلى رأسها ملف سد النهضة والعلاقات المصرية الإثيوبية، بما يجعل من قوة الاستقرار الدولية أداة سياسية بامتياز، لا مجرد آلية أمنية مؤقتة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء