رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قوانين الفصل العنصري: اليمين المتطرف يعمّق الانقسام العرقي في إسرائيل

اليمين المتطرف في
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

ساهمت الحرب التي اندلعت شراراتها في 7 أكتوبر 2023 في ترسيخ سلطة اليمين المتطرف الإسرائيلي، إذ استغل حالة الارتباك الداخلي والعالمي الناجمة عن تطورات الحرب الأخيرة في غزة وجنوب لبنان وإيران في ترسيخ المزيد من سلطاته الإقصائية في المجتمع الإسرائيلي الداخلي، مُشَرِّعًا العديد من القوانين المثيرة للجدل والتي تخدم أهداف هذا التيار المتطرف.

تحول الكنيست خلال الفترة الماضية إلى آلة تشريعية هدفها الأساسي سن القوانين التي تؤطر لمرحلة جديدة في تاريخ الدولة الصهيونية وتحقيق المزيد من التقدم نحو إضفاء الطابع اليهودي للدولة، متجاوزًا الأعراق والأجناس الأخرى القاطنة داخل الحدود الإسرائيلية، حيث تم سن التشريعات التي تقيد حريات تلك الأجناس والأعراق، ومنهم اليهود أيضًا.

اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

ينقسم المجتمع اليهودي في إسرائيل إلى طبقات عديدة، منها التقسيم التاريخي مثل "الأشكيناز" ممثلي اليهود الغربيين، و"السفارديم "ممثلي يهود المشرق، وأيضًا اليهود الروس الذين انتقلوا إلى إسرائيل عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينيات القرن المنصرم، ويوجد أيضًا طائفة "المزراحيين"، وهم طائفة اليهود المهجرين من الدول العربية ويهود فلسطين الأصليين، ويأتي في ذيل القائمة اليهود السود أو "الفلاشا" وهم اليهود الذين تم تهجيرهم من إثيوبيا خلال ثمانينيات القرن العشرين.

يعيش "المزراحيون" الآن أوضاعًا أكثر بؤسًا نتيجة الحرب الأخيرة، إذ يتم توصيفهم على أنهم فلسطينيون وعرب في الداخل الإسرائيلي، وعليه أقدمت قوى اليمين الإسرائيلي خلال الفترة الماضية على سن التشريعات المقيدة لحرياتهم كحرية التعبير عن الرأي وخلافه.

وإزاء ذلك نشرت أورلي نوي، الناشطة "المزراحية" وعضو حزب التجمع الوطني الديمقراطي "بلد" المصنف على أنه ضمن الأحزاب اليسارية العربية، تقريرًا صدر في صحيفة "لوكال كول" العبرية يوضح الإجراءات والتشريعات العنصرية التي صدرت خلال العامين الماضيين. وبحسب نوي فإن عدد تلك التشريعات وصل إلى أكثر من 30 قانونًا تقريبًا يقيد حقوق عرب إسرائيل والمعارضة الإسرائيلية.

اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

تشير نوي إلى أن صدمة 7 أكتوبر وما تلاها من حرب الإبادة الجماعية في غزة والحرب المتهورة على إيران وملف استعادة الرهائن، كلها عوامل ساهمت في حالة الهذيان والذهول التي أصابت المجتمع الإسرائيلي كما حجبت الرؤية عن عمق الهاوية التي ينحدر إليها المجتمع الإسرائيلي بسرعة.

قانون إنكار أحداث 7 أكتوبر

تشير الكاتبة المزراحية إلى تقرير صدر عن مركز عدالة القانوني في حيفا يشير إلى صدور 30 قانونًا جديدًا يرسخ العنصرية في إسرائيل، لتصبح قائمة القوانين الأكثر عنصرية حوالي 100 قانون تقريبًا. وجل تلك القوانين تميّز ضد المواطنين العرب وتعلي من تفوق العنصر اليهودي في المجتمع، ومن أبرز تلك القوانين القانون الخاص بإنكار أحداث 7 أكتوبر.

يعد هذا القانون بمثابة تجنٍّ واضح على حرية الرأي والفكر والاحتجاج، إذ يتضمن هذا القانون إصدار أي محتوى يتضمن إنكار أحداث 7 أكتوبر ويقيد بث وسائل الإعلام الناقدة، إذ يعتبرها القانون مضرة بأمن الدولة.

اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

قانون التعليم

لم تسلم العملية التعليمية من قوانين الفصل العنصري، إذ صدر قانون يخول وزارة التعليم بفصل أعضاء الهيئات التدريسية وسحب التمويلات والدعم من المؤسسات التعليمية التي يشتبه فيها بدعم أو تحريض الأعمال الإرهابية أو حتى الارتباط بالمنظمات الإرهابية، ولم يذكر القانون نوعية الأعمال الإرهابية ولا نوعية تلك المنظمات، إذ يكفي فقط لمسؤولي وزارة التعليم الادعاء بأن تلك المؤسسة تتبع كيانًا إرهابيًا.

ويقصد هنا في الأساس المدارس المنتشرة في النطاق العربي والتي تخالف المناهج الصهيونية واليهودية، وبالتالي تتعالى فرضية توصيفها بالإرهابية، ففي الوقت الذي تتلقى فيه المدارس الحريدية الدعم الكامل من الحكومة الإسرائيلية باتت المدارس العربية تواجه أزمة كبرى، خاصة في ظل التهديدات المستمرة بقطع التمويل عنها وفصل أعضاء هيئة التدريس بها تحت ذريعة الإرهاب.

اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

قانون منع التضامن الدولي مع غزة

لم تقتصر القوانين العنصرية على مواطني إسرائيل من العرب، بل شملت أيضًا رعايا الدول الأجنبية، إذ صدر قانون يلزم الدولة بترحيل النشطاء المتضامنين مع سكان قطاع غزة الذين يتعرضون لحملات إبادة جماعية، كما ينص القانون على منع الأجانب دخول البلاد إذا ثبت قيامهم بنشر تعليقات أو الإدلاء بتصريحات من شأنها انتقاد إسرائيل أو طالبوا وناشدوا حكومات بلادهم باتخاذ إجراءات قانونية ضد الإبادة في غزة.

اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

قانون المعلومات

للتضييق على الباحثين والمتخصصين في التحقيقات الصحفية صدر قانون في نوفمبر 2023 يمنع أي فرد يسعى للحصول على معلومات حول أحداث 7 أكتوبر والحرب الدائرة من مصادر لا تروق للدولة. وكانت مدة سريان القانون عامين جرى تجديدها مرة أخرى خلال الشهر الماضي لعامين آخرين.

يفترض هذا القانون المثير للجدل أن التعرض المكثف لمنشورات المنظمات المعادية لإسرائيل من شأنه توليد عملية تلقين للمواطنين الإسرائيليين، مما يشكل عملية غسل دماغ ذاتي تؤهل المتلقين لارتكاب أعمال إرهابية.

يعزز هذا القانون من عمليات مراقبة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وترك الأمر فضفاضًا ولم يحدد كيفية تأثير تلك المصادر غير المرغوبة على الأشخاص، الأمر الذي يشبه القوانين المكارثية التي صدرت في الولايات المتحدة إبان بداية فترة الحرب الباردة والتي كانت تعاقب الشخص على الهوية الفكرية.

ترامب ورموز اليمين المتطرف في إسرائيل
ترامب ورموز اليمين المتطرف في إسرائيل

وفي هذا الإطار كان المشرعون وعلى رأسهم وزير العدل يسعون إلى تحجيم متابعة الإسرائيليين والعرب في الداخل الإسرائيلي لقناة الجزيرة القطرية التي تميزت بتوسع تغطيتها للعمليات العسكرية في غزة، وهو ما أطلق على هذا القانون اسم "قانون الجزيرة".

اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

قانون ترحيل العائلات

صدر قانون أيضًا ينص على ترحيل عائلات المشتبهين والمدانين في العمليات الإرهابية، وينحصر هذا القانون فقط على الأقلية العربية في الداخل الإسرائيلي دون غيرها، ويهدف هذا القانون إلى تشريد العائلات العربية الممتدة ما بين الضفة وغزة وإسرائيل. فالعديد من العائلات العربية في إسرائيل ترتبط بعلاقات مصاهرة مع عائلات أخرى في غزة والضفة الغربية، الأمر الذي بات يهدد استقرار تلك العائلات.

وختامًا:

 لم توضح القوانين الماضية ما هو تعريف العمل الإرهابي، وبالتالي ترك الأمر على عواهنه، أما فيما يخص قانون إنكار حادث 7 أكتوبر فلا توجد حتى الآن رواية رسمية إسرائيلية في ظل تهرب الحكومة من تشكيل لجنة تقصي حقائق حول تلك الأحداث. لذا فالغاية النهائية من سن تلك التشريعات السابقة هي تعميق الهوية اليهودية لإسرائيل وإنكار وجود أطراف أخرى مشتركة في المجتمع الإسرائيلي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء