رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هجمات "عين الصقر": هل تمهد واشنطن لتمركز عسكري جديد قرب دمشق؟

القوات الأمريكية
القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية

في 13 ديسمبر الماضي، نجحت عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي في نصب كمين للقوات الأمريكية والسورية قرب مدينة تدمر السورية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين. وردًا على ذلك الكمين، وجهت واشنطن ضربة انتقامية لعناصر "داعش" في سوريا يوم الجمعة الموافق 20 ديسمبر، في حملة عسكرية هي الأكبر من نوعها منذ عملية مقتل زعيم التنظيم الأسبق أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019، وكذلك العملية التي تمت في فبراير 2022، وأعلنت واشنطن بموجبها مقتل أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، خليفة البغدادي، في عملية خاصة في بلدة "أطمة" بمحافظة إدلب.

أعلنت وزارة الحرب الأمريكية، على لسان وزيرها بيت هيجيسيت، أن القيادة الأمريكية الوسطى نفذت عملية "عين الصقر" ضد 70 موقعًا من مواقع تنظيم "داعش" في البادية السورية وتدمر وحمص ودير الزور والرقة وغيرها من المعاقل، مستخدمة 100 قذيفة دقيقة التوجيه، وذلك للانتقام من عملية داعش الأسبوع الماضي.

القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 
القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 

يفيد هيجيسيت بأنه تم استخدام المدفعية والطائرات المقاتلة والمروحيات، كما اشتركت القوات الأردنية والبريطانية في توجيه الضربات لتنظيم "داعش"، وكرر وزير الحربية أن أهداف العملية في الأساس هي تحقيق الانتقام والثأر لمقتل الجنود الأمريكيين.

وتأتي العملية في سياق الجهود الأمريكية المتواصلة منذ عام 2014 في محاربة التنظيم الإرهابي؛ ففي عام 2014 تم تأسيس التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، ونجح التحالف، بالتعاون مع وكلاء سواء في سوريا أو العراق، في هزيمة التنظيم عام 2019 وإفقاده السيطرة على كافة المناطق التي كان يسيطر عليها في مدينة الرقة السورية والموصل العراقية. 

دلالات العملية العسكرية

تحمل نتائج العملية العسكرية الأمريكية "عين الصقر" العديد من الدلالات الميدانية، خاصة أن مردود العملية، بالمقارنة مع حجمها، أتى ضعيفًا؛ فالعديد من المصادر، مثل المرصد السوري لحقوق الإنسان، أفادت بمقتل خمسة أفراد جراء تلك الهجمات الأخيرة، وهو رقم متواضع نسبيًا ومكلف عسكريًا، إلا أن لتلك الهجمات دلالات أخرى، وهي:

القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 
القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 

أولًا: مقارعة النفوذ الروسي:

 تعد البادية السورية، منذ عام 2015 وهو العام الذي شهد التدخل الروسي في سوريا دعمًا للنظام السابق، نقطة نفوذ للقوات الروسية في المنطقة، فالعمليات العسكرية الروسية عادة ما كانت تنشط في تلك المنطقة؛ لذا قد تحمل تلك الضربات رسالة صريحة للقوات الروسية على الأرض السورية، المتمركزة في اللاذقية وقاعدة حميميم الجوية، بأن تحركاتها في البادية السورية غير مرغوب بها، وأنها باتت منطقة نفوذ عسكرية أمريكية.

ثانيًا: إبعاد الأطراف السورية: 

في محاربة تنظيم "داعش" في سوريا، لجأت واشنطن إلى الوكالة السورية؛ ففي الماضي كان يتم الاعتماد على تحركات القوات الكردية المعروفة باسم قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، ومؤخرًا، بعد انهيار نظام الأسد، تعاونت واشنطن مع النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع. ففي أكتوبر الماضي، نفذت وزارة الداخلية السورية، بالتعاون مع قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، عملية موسعة في منطقة القلمون الشرقي في ريف دمشق الشمالي، وأدت إلى تفكيك خلية تابعة لداعش واعتقال قيادي في التنظيم.

القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 
القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 

وقبلها، في سبتمبر، نفذ التحالف بالتعاون مع السلطات السورية عملية إنزال في ريف حماة أسفرت عن مقتل قيادي في التنظيم، وفي يوليو جرى التنسيق أيضًا في عملية أخرى في منطقة الباب بريف حلب الشمالي الشرقي المتاخم للحدود العراقية، ما أسفر عن مقتل قيادي وابنه، وفي أغسطس تم تنفيذ عملية إنزال في منطقة "أطمة" في ريف إدلب الشمالي أسفرت عن مقتل شخص، وفي فبراير 2025 تم تنفيذ غارة جوية شمال غرب سوريا أدت إلى مقتل قيادي في تنظيم "حراس الدين" التابع لتنظيم "القاعدة".

معظم الضربات السابقة جاءت بالتنسيق الفعال مع القيادة السورية الحالية، إلا أن الضربة الأخيرة لم يشر البنتاغون إلى أي دور للقوات السورية الحالية في توجيهها، وهو ما قد يشير إلى حالة من عدم الثقة في القوات السورية الحالية، خاصة بعد كمين تدمر الأخير، إذ من المحتمل أن تكون القوات السورية مخترقة من قبل التنظيم الإرهابي، ولا سيما أن العديد من أفراد "داعش" كانوا يتحركون في محافظة إدلب التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع؛ فعلى سبيل المثال، كان القائد الثاني للتنظيم، أبو إبراهيم الهاشمي، مختبئًا في إدلب. 

القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 
القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 

ثالثًا: استعراض القوة: 

شهدت العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة تنوعًا في الأسلحة، ما بين طائرات إف-15 ومروحيات الأباتشي وغيرها من الأسلحة والذخائر المتقدمة، ما يبدو أن الجيش الأمريكي في حالة استعراض للقوة، خاصة في ظل تنامي المعلومات حول نية الولايات المتحدة إقامة قاعدة عسكرية قرب مطار المزة العسكري بدمشق، لتضاف إلى سلسلة القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا. ففي الماضي انتشرت القوات الأمريكية حول نهر الفرات، وخاصة مدينة "التنف"، وكان هدفها في الأساس دعم "قوات سوريا الديمقراطية" في حربها ضد تنظيم "داعش"، لكن حاليًا فإن محاولات إنشاء قاعدة بالقرب من دمشق تحمل دلالات أوسع، خاصة في ظل المشروع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وفلسطين، ومحاولة ضبط الحدود السورية-الإسرائيلية.

القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 
القوات الأمريكية في سوريا - أرشيفية 

رابعًا: تعزيز المكانة الأردنية: 

تعد الأردن رقمًا مهمًا في العمليات العسكرية الأمريكية ضد تنظيم "داعش"؛ فعمان كانت أولى الدول المبادِرة في التحالف الدولي الذي تأسس عام 2014، وخسر وقتها الجيش الأردني إحدى طائراته المقاتلة، وأُسر الطيار معاذ الكساسبة، الذي أعدمه التنظيم حرقًا في مطلع يناير 2015.

خامسًا: الإحراج للنظام السوري: 

بات النظام السوري يتعرض حاليًا لحالة من الإحراج السياسي الكبير أمام السوريين؛ فتفاصيل العملية تشير إلى تخطي واشنطن عملية التنسيق مع الجانب السوري، ما يعني استباحة السيادة السورية من قبل الولايات المتحدة. كما أن تنظيم "داعش" مؤخرًا نجح في تغيير خطة أهدافه العسكرية، إذ بات يوجه عملياته بشكل أوسع ضد العناصر الأمريكية والإسرائيلية، كحادث سيدني الأخير، وتأتي تلك العمليات من أجل اكتساب شعبية في الداخل السوري، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة للنظام الجديد بالتعاون والتبعية للولايات المتحدة، وتتوافق تلك الانتقادات مع انتقادات الخصوم السياسيين لأحمد الشرع.

وختامًا:

 يجب على دمشق الحذر من انقلاب سردية تنظيم "داعش" من إعلان الخلافة إلى مقاومة الوجود الأمريكي في البلاد؛ فالسردية الأخيرة من شأنها إحداث انقلاب جذري في الصورة النمطية لداعش، الذي قد يلجأ في المستقبل القريب إلى إبداء تعاونه مع خصوم الشرع من أنصار النظام القديم تحت ستار مقاومة النفوذ الأمريكي في البلاد. لذا يجب أن تكون دمشق هي المبادِرة في ردع التنظيم وإزالته، وليس واشنطن، خاصة أن "داعش" بالفعل يمتلك خبرة سابقة في التعاون مع خصوم أمريكا في المنطقة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء