صراع الاعتراف الدولي: صوماليلاند بين واشنطن وبكين ومقديشو
تناولت مؤخرًا وسائل الإعلام الصومالية والعالمية إمكانية حصول ما يسمى صوماليلاند أو "جمهورية أرض الصومال" على الاعتراف الدولي باستقلالها عن الصومال، ففي 27 نوفمبر 2025 قام وفد أمريكي رفيع المستوى بزيارة مدينة "هرجيسا" عاصمة أرض الصومال ثم زيارة مدينة "بربرة" الساحلية على خليج عدن.
تشير وسائل الإعلام إلى قيام رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله (إيرو)، باستقبال كل من قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (الإفريكوم) الجنرال داغفين آر. إم. أندرسون ونائب السفير الأمريكي في الصومال جاستن ديفيس، وذلك في القصر الرسمي بمدينة هرجيسا، من أجل إجراء مشاورات عديدة أبرزها محاولة حصول أرض الصومال على الاعتراف الأمريكي باستقلالها عن الصومال، وأيضًا تقييم وضع البنى التحتية في أرض الصومال تمهيدًا لاحتمالية استضافة مدينة بربرة الساحلية قاعدة عسكرية أمريكية جديدة في منطقة "القرن الإفريقي"، حيث قام الوفد الأمريكي بزيارة المدينة الساحلية للاطلاع على الإنشاءات والبنى التحتية بها خاصة الميناء البحري والمطار وكذلك القواعد العسكرية في المدينة.

وسبق أن وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدراسة اعتراف بلاده بأرض الصومال كدولة مستقلة، فيما تجري محاولات في الكونجرس الأمريكي من أجل حث وزارة الخارجية على التمييز بين الصومال، وأرض الصومال في تحذيراتها المتعلقة بالسفر، وفي سبيل تحقيق المزيد من الاستقلالية استبقت إدارة صوماليلاند زيارة الوفد الأمريكي بالإعلان عن سيطرة هرجيسا على المجال الجوي لأرض الصومال، وفصله عن السيادة الجوية للصومال، وإلزام جميع الطائرات بالحصول على تصاريح مباشرة من أرض الصومال، وعدم الاعتداد بالتصاريح الصادرة من مقديشو.
استغلال الموقع الاستراتيجي
يروج إقليم أرض الصومال للدور الذي يمكن أن يلعبه مستقبلًا في تحقيق أمن واستقرار البحر الأحمر من خلال حماية الطرق والممرات البحرية في خليج عدن وبحر العرب وتعزيز جهود مكافحة الإرهاب في منطقة خليج عدن سواء في اليمن أو دول القرن الإفريقي، حيث يقع ساحل أرض الصومال على بعد 300 كم من ميناء الحديدة اليمني، والذي تسيطر عليه جماعة أنصار الله "الحوثي" الموالية لإيران.
لذا تطرح أرض الصومال نفسها كنقطة مراقبة متقدمة يمكن استغلالها في مراقبة الحوثيين وتهريب الأسلحة الإيرانية في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، كما أنه من المحتمل أن تكون نقطة انطلاق في أية هجمات مستقبلية ضد تنظيم الحوثي.

بالإضافة إلى موقعها الفريد على ساحل خليج عدن تستغل "هرجيسا" حالة الاستقرار السياسي الداخلي بها، عكس بقية الأقاليم الصومالية الأخرى التي تتميز بانعدام الاستقرار السياسي وزيادة نشاط الجماعات الإجرامية والإرهابية، فضلًا عن ظاهرة القرصنة، فأرض الصومال تعد واحة الديمقراطية في بيئة مضطربة سياسيًا؛ فمنذ استقلالها في عام 1991 وحتى اليوم تعاقب على حكم البلاد ستة رؤساء كله
م جاءوا بالانتخابات المباشرة محققين التداول السلمي للسلطة، مما يعكس حالة الاستقرار السياسي ويؤهلها لكي تكون شريكًا استراتيجيًا قويًا مع الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة والدول الإقليمية مثل إسرائيل.
إسرائيل وأمريكا يهمهما أن يكون لهما شريك استراتيجي قوي ذو استقرار سياسي قوي، مما يجنب الوجود الأمريكي الإسرائيلي، في حال تواجده، أية مخاطر مستقبلية، وذلك عكس بقية دول "القرن الإفريقي" مثل إريتريا التي تمتلك نظامًا سياسيًا قمعيًا يواجه تحديات داخلية وخارجية ولا يحظى بأي استقرار سياسي، فضلًا عن علاقته القوية بإيران، وأيضًا جيبوتي التي تعج بالقواعد الأجنبية مثل الصينية والفرنسية، وبالتالي لن تكون هناك حرية حركة واسعة للقواعد الأمريكية أو الإسرائيلية، كما أن جيبوتي تتبنى سياسة الحياد الأمر الذي يعيق أية عمليات عسكرية في منطقة خليج عدن.

هوية متميزة
حازت أرض الصومال على استقلالها السياسي في عام 1960، إلا أن استقلالها لم يدم سوى خمس أيام فقط، حيث انضمت وقتها إلى الاتحاد الصومالي في مقديشو، وبعد انهيار نظام محمد سياد بري في عام 1991 واندلاع الحرب الأهلية لجأ إقليم أرض الصومال إلى إعلان استقلاله عن الدولة الصومالية تحت مسمى إقليم جمهورية أرض الصومال، وتم تعيين عبدالرحمن أحمد علي تور كأول رئيس للجمهورية الوليدة في يونيو 1991، واستمرت فترة حكمه عامين حتى مايو 1993 حيث خسر في أول انتخابات رئاسية تمت في البلاد لصالح الرئيس الراحل محمد إبراهيم عقال.
تتميز أرض الصومال في كونها في السابق مستعمرة بريطانية عكس بقية الأقاليم الصومالية الأخرى، فالأقاليم الصومالية الجنوبية وقعت تحت نيران الاستعمار الإيطالي، أما الصومال الشمالي فوقع تحت الاحتلال الفرنسي فيما يعرف حاليًا بدولة جيبوتي.
مع تحقيق الاستقلال الصومالي واندماج الأقاليم الصومالية من جوبالاند جنوبًا إلى صوماليلاند شمالًا في إطار فيدرالي موحد، حظي إقليم صوماليلاند بحضور قوي في فترة ما بعد الاستقلال، فعلى سبيل المثال شغل الرئيس الثاني لصوماليلاند محمد إبراهيم عقال منصب أول وزير للدفاع للبلاد، ثم أصبح رئيسًا لوزراء البلاد خلال الفترة من عام 1967 وحتى عام 1969 حين تم الانقلاب من قبل محمد سياد بري على نظام الحكم.
رغم حالة التوافق التي كانت عليها العشائر الصومالية عشية الاستقلال في عام 1960، فإن الانقلاب العسكري بقيادة محمد سياد بري عمل على تعزيز الانقسام العشائري في الصومال، إذ عمل على تمكين عشيرته دارود، وفي المقابل تم تهميش عشيرة إسحق التي تقطن إقليم أرض الصومال، وهو ما ساهم في حالة الغبن السياسي لأبناء العشيرة الإسحاقية واتجاههم بعد انهيار نظام سياد بري إلى الإعلان عن الاستقلال من جهة واحدة.

علاقات إقليمية متميزة
تحظى صوماليلاند بعلاقات إقليمية متميزة للغاية خاصة مع جارتها إثيوبيا، إذ تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين الجانبين تتيح لأديس أبابا الوصول إلى ميناء بربرة الصومالي، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الحكومة الصومالية في مقديشو مما دعا إلى تجميد الاتفاق.
كما عمدت صوماليلاند إلى بناء شراكة استراتيجية مع دولة الإمارات وتايوان التي تستثمر في قطاع المعادن النادرة بأرض الصومال، والتي غالبًا ما تدخل في صناعة الرقائق وأشباه الموصلات الإلكترونية.
صوماليلاند والاعتراف الإسرائيلي
تشير العديد من الدوائر الإسرائيلية إلى إمكانية حصول أرض الصومال على الاعتراف الإسرائيلي، ففي هذا الصدد تشير الباحثة في الشأن الصومالي "آشر لوبوتسكي" في مقالتها المنشورة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بتاريخ 24 نوفمبر إلى أن أرض الصومال نجحت خلال العامين في تبني خطاب إيجابي تجاه إسرائيل خلال الحرب الأخيرة، مما يعزز إمكانية الاعتراف المتبادل.

كما حرصت أرض الصومال على التعاون والتعاطي مع المبادرات الإقليمية مثل احتمالية الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية على سبيل المثال، كما لم تعترض أرض الصومال على الخطط الأمريكية التي طرحت في العام الجاري بإعادة توطين سكان قطاع غزة في أرض الصومال.
ورغم التقارب الاستراتيجي بين تل أبيب وهرجيسا، فإن لوبوتسكي تؤكد ضرورة التأني في منح اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وأن يكون التعامل البيني دون عتبة الاعتراف الدولي، وذلك للعديد من الاعتبارات السياسية أبرزها:
1) استقلال أرض الصومال سيمنح الأقاليم الصومالية الأخرى كبونتلاند المجاورة وجوبالاند الفرصة للإعلان عن الاستقلال، وهو الأمر الذي سيضعف الحكومة الفيدرالية في مقديشو ويجعلها تقع تحت سيطرة حركة شباب المجاهدين.
2) معارضة معظم الدول العربية والإفريقية لتلك الخطوة، والتي من شأنها أن تنتقل إلى أقاليم أخرى داخل الدول العربية والإفريقية، فعلى سبيل المثال استقلال أرض الصومال سيشجع اليمن الجنوبي على الاستقلال خاصة بعدما قام المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن بقيادة عيدروس الزبيدي باتخاذ خطوات مشابهة لما قامت به حكومة أرض الصومال في استجداء الدعم الدولي، وقد يعزز أيضًا من فرص قيام الدولة الفلسطينية باعتبارها حالة مشابهة.

3) الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال قد يوفر مناخًا جيدًا للدول المناوئة لإسرائيل، مما يدفعها للضغط على هرجيسا من أجل تقليل التعاون المشترك، حيث ستواجه أرض الصومال انتقادات عنيفة من معظم الدول العربية والإسلامية.
وختامًا:
توجد عقبة أخيرة أمام النظام السياسي في أرض الصومال وهي مسألة العلاقات مع الصين، فالعلاقات بين الجانبين متوترة للغاية نتيجة الاعتراف المتبادل بين أرض الصومال وتايوان، وهو ما ترفضه الصين وتسعى حاليًا إلى دعم جهود الحكومة الفيدرالية في مقديشو من ناحية ومراقبة التحركات السياسية والعسكرية في أرض الصومال من خلال التواجد العسكري الصيني في دولة جيبوتي المجاورة.



