سباق النفوذ في سوريا: واشنطن تدعم الشرع وإسرائيل تتوجس
لا تزال أصداء العملية الإسرائيلية في بلدة بيت جن جنوبي سوريا تتردد إلى اليوم، فرغم مرور أسبوع تقريبًا على العملية العسكرية، إلا أنها واكبها توترات وأزمات دبلوماسية حادة بين إسرائيل وسوريا، كما أبدت واشنطن عدم رضاها عن العملية الإسرائيلية محذرة تل أبيب من مغبة الاستمرار في زعزعة استقرار سوريا، ومحذرة إياها أيضًا من تفويت فرصة تاريخية لبناء علاقات سلام مستدامة مع النظام السوري الجديد.
لم تكن هي المرة الأولى التي توجه فيها واشنطن تحذيرات إلى الجانب الإسرائيلي؛ فخلال الفترة الماضية أطلقت واشنطن العديد من التحذيرات السياسية لتل أبيب لكبح جماح طموحاتها غير المعقولة، خاصة في العديد من الملفات العالقة مثل الاستيطان في الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.

ساهمت العلاقات الودودة الشخصية بين كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تقريب وجهات النظر الأمريكية الإسرائيلية خلال الفترة الماضية، واختصار أشواط كبيرة في المفاوضات وإرساء التسويات والترتيبات الأمنية والسياسية خلال الفترة الماضية.
السيطرة على نتنياهو
لا يخفى على أحد حالة الانفلات التي تميز السياسة الإسرائيلية عبر العقود الماضية؛ فكلما تهيأت الفرص لتحقيق مكاسب جديدة تنقض الإدارة الإسرائيلية وعودها وتنقض على الفرصة لاغتنامها، ولنا في العديد من المواقف التاريخية خير دليل على ذلك.
لم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر سوى عشرة أيام تقريبًا، حتى نقضت إسرائيل الاتفاق في 19 أكتوبر بقصفها أحياء مدينة غزة تحت ادعاء قيام مقاتلي حماس باستهداف مركبة عسكرية إسرائيلية، فوجدت إسرائيل ذلك ذريعة لعودة الحرب والتملص من الاتفاق.

ولأجل تثبيت الاتفاق لجأت واشنطن إلى حيلة دبلوماسية، وهي تتالي الزيارات الدبلوماسية المتعاقبة لحث الإدارة الإسرائيلية على تثبيت وقف إطلاق النار؛ فخلال الفترة الممتدة من 19 أكتوبر وحتى 28 أكتوبر –على سبيل المثال– شهد مركز التنسيق الأمني والمدني في مدينة كريات جات جنوب تل أبيب زيارات دبلوماسية رفيعة المستوى من قبل الإدارة الأمريكية بدأت بزيارة مبعوثي واشنطن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مرورًا بوزير الخارجية ماركو روبيو، وانتهاءً بنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، إذ أتت كل الزيارات لأجل غرض واحد هو ضمان تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وإنجاح الاتفاق النووي.
تحدٍ لسوريا أم للإدارة الأمريكية؟
شهدت تطورات الأحداث في سوريا خلال الفترة الماضية تحديًا كبيرًا من قبل إسرائيل، وإرسال رسائل مبطنة إلى واشنطن مفادها عدم رضا تل أبيب عن التحركات الأمريكية الأخيرة في سوريا والمتمثلة في الدعم السياسي والدبلوماسي لنظام الرئيس السوري أحمد الشرع والمحسوب على التيارات الجهادية الإسلامية.
فرغم محاولات التقرب والتودد التي يبديها النظام السوري حتى الآن، إلا أن تل أبيب ما زالت تتحوط وتتحفظ على أية ترتيبات سياسية وأمنية مشتركة بين الجانبين؛ فعادة لا تميل إسرائيل إلى التفاهم مع الجماعات الجهادية، وإن أبدت طابعًا براجماتيًا في الحكم والسياسة. ففي خلال اليوم الأول من توليها السلطة قامت تل أبيب بشن غارات مكثفة على المواقع العسكرية للجيش السوري السابق، مدمرة معظم مطاراته العسكرية وطائراته الحربية فضلًا عن مخازن الأسلحة، ومفقِدة الجيش العربي السوري حوالي 80% من مخزون أسلحته وقدراته العتادية.

كما قامت بالتوغل في منطقة جبل الشيخ الحدودية، واضعة العديد من المواقع العسكرية المتقدمة التي يتم استخدامها في التنبؤ بالهجمات المضادة القادمة من الجهة السورية، فضلًا عن اتخاذها كنقطة انطلاق متقدمة لمواجهة أية تهديدات محتملة مثلما حدث في عملية بيت جن الأسبوع الماضي.
بلغ الخلاف الأمريكي الإسرائيلي حول الشأن السوري ذروته خلال شهر نوفمبر الماضي؛ ففي الأسبوع الأول قامت واشنطن برفع اسم أحمد الشرع ومرافقيه من قوائم الإرهاب التي أصدرها مجلس الأمن، وتم استقباله في البيت الأبيض في 10 نوفمبر، مما أغضب تل أبيب، فسارع نتنياهو والعديد من القيادات العسكرية بزيارة مواقع عسكرية في منطقة جبل الشيخ –وهي التي تم احتلالها في ديسمبر 2024– في إشارة تحدٍ واضحة للنظام في دمشق، بعدم تفريط تل أبيب في المواقع التي احتلتها، وتوجيه رسالة غير مباشرة لواشنطن عن عدم رضاها بالحفاوة التي استقبل بها الشرع في واشنطن، وتم المضي قدمًا في تقديم الرسائل السلبية تجاه سوريا، والتي كان آخرها عملية بيت جن الأخيرة.

إعادة السيطرة على نتنياهو
مرة أخرى عاود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأثيره الشخصي على صناع القرار في تل أبيب؛ ففي خلال تغريدة على منصة تروث سوشيال طالب ترامب إسرائيل بالحفاظ على حوار قوي وصادق مع سوريا. وعقب تغريدة الرئيس الأمريكي تلقى نتنياهو مكالمة هاتفية منه تناولت العديد من الموضوعات مثل نزع سلاح حماس وتوسيع اتفاقيات السلام وغير ذلك، إلا أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يذكر أي شيء بخصوص سوريا، وأكد أنه تم الاتفاق على زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، والتي ستكون الزيارة الخامسة لنتنياهو لواشنطن خلال عام واحد، أي منذ عودة ترامب للحكم.
وتماشيًا مع التوجهات الأمريكية تجاه سوريا وحث إسرائيل على المضي قدمًا في تطبيع العلاقات مع النظام السوري، برزت في الآونة الأخيرة أصوات في الداخل الإسرائيلي تطالب بأهمية التوقف عن التدخل في سوريا، ومعاملة الجانب السوري وفق خطة مدروسة. فمثلًا وصف الكاتب يسرائيل زيف في القناة الثانية عشرة العملية الإسرائيلية في سوريا بالارتباك وانعدام وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع الملف السوري، مطالبًا بلاده بتوقيع اتفاقية أمنية مع الجانب السوري.

وعلى ذكر الاتفاق الأمني أوضح نتنياهو خلال زيارته لمصابي عملية بيت جن أنه بالإمكان توقيع اتفاقية أمنية مع الجانب السوري، وستتمسك تل أبيب بمبادئها الأساسية والصارمة في تحقيق الأمن القومي، وذلك بإقامة منطقة أمنية منزوعة السلاح تمتد من دمشق وحتى سفوح قمم تلال جبل الشيخ.
وختامًا:
يبدو الطرح الإسرائيلي الأخير بإقامة منطقة عازلة تمتد لأكثر من 40 كم من الحدود السورية وحتى دمشق أمرًا غير معقول من الناحية العملية والسياسية؛ فكيف لعاصمة سياسية أن تبقى معزولة ومنزوعة السلاح لا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها؟ ومن المتوقع أن يتم رفض الطرح الإسرائيلي، وفي حال قبول النظام السوري هذا الطرح فإنه بذلك يضع العاصمة والنظام السياسي رهينة الحماية الإسرائيلية.



