رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معركة الكنيست المقبلة: قراءة في خريطة اليمين الإسرائيلي والتحولات السياسية

الكنيست الإسرائيلي
الكنيست الإسرائيلي - أرشيفية

مع أفول عام 2025 وبزوغ عام 2026، ستدخل إسرائيل في سياق الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في أكتوبر 2026. ورغم البعد الزمني المفترض نسبيًا لتلك الانتخابات، فإن ترتيباتها وترتيباتها السياسية بدأت منذ اليوم، خاصة في ظل احتمالية فقدان الحكومة الحالية لأغلبيتها البرلمانية واحتمال حل الكنيست وإجراء الانتخابات قبل موعدها المقرر في 2026. وقد يستغل أيضًا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فرصة تحقيق نصر سياسي خارجي، مثل توسيع اتفاقيات إبراهام بضم دول إقليمية مثل السعودية، في تعزيز شعبيته الداخلية، ويلجأ لحل الكنيست والدخول في انتخابات مبكرة.

تُعد الانتخابات المقبلة هي الأولى بعد حرب غزة، وهي الأولى أيضًا في عهد الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أبدى دعمًا غير عادي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خاصة فيما يتعلق بقضايا الفساد التي يُحاكم بسببها نتنياهو، إذ طالب ترامب مرارًا وتكرارًا بضرورة منح نتنياهو عفوًا عامًا عن القضايا التي يُحاكم فيها.

نتنياهو 
نتنياهو 

يبدو أن بقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منصبه بات في حسبة الشهور القليلة المقبلة، فالسياقات الانتخابية المقبلة ستكون غير التي خاضها نتنياهو في الماضي؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية بدأت تشحذ همتها من أجل تحقيق نصر كبير خلال الانتخابات المقبلة وإزاحة نتنياهو من سدة الحكم، خاصة في ظل تواتر المؤشرات التي تفيد بتراجع بعض أحزاب اليمين الموالية لنتنياهو، فضلًا عن تراجع الليكود نفسه خلال دورة الكنيست الحالية، وتعزز فرص أحزاب اليمين الوسط في الكنيست الإسرائيلي.

تقدم بينيت وتراجع الليكود

مؤخرًا، أجرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، بالتعاون مع مؤسسة لازار للأبحاث، استطلاعًا للرأي خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 18 ديسمبر، شمل العينة 500 مستجيب حول نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة. وأوضحت نتائج الاستطلاع أن حزب الليكود لن يستطيع تجاوز 25 مقعدًا خلال الانتخابات المقبلة، متراجعًا بمقعدين، إذ سبق أن حصل في الانتخابات الماضية على 27 مقعدًا، في حين توقع الاستطلاع إمكانية حصول المعارضة على 60 مقعدًا، ما يمكنها من تشكيل الحكومة وإقصاء نتنياهو.

 يائير لابيد 
 يائير لابيد 

إذ من المتوقع أن يحصل حزب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الجديد "بينيت 2026" على 22 مقعدًا في الانتخابات المقبلة، وفي المقابل من المحتمل حصول حزب "ياشار" بقيادة غادي آيزنكوت على 10 مقاعد، وحزب "يش عتيد" بقيادة يائير لابيد على 9 مقاعد، أما الحزب الديمقراطي بقيادة يائير جولان فيحصل على 10 مقاعد، وأخيرًا حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان على 9 مقاعد.

ومما يعزز أيضًا فرص المعارضة إعلان رئيس حزب "ياشار"، غادي آيزنكوت، عن احتمالية تشكيل ائتلاف حكومي مع الأحزاب العربية مثل "راعام" و"حداش". كما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن 61% من العينة على استعداد للتصويت لصالح الأحزاب المعارضة المستعدة لإشراك حزب "راعام العربي" في الائتلاف الحاكم في المستقبل.

أفيجدور ليبرمان
أفيجدور ليبرمان

تراجع اليمين المتطرف

توقع الاستطلاع الأخير تراجع قوى اليمين المتطرف المتمثلة في حزبي "الصهيونية الدينية" و"عوتسما يهوديت"، إذ أشار الاستطلاع إلى أن الحزب الصهيوني بزعامة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش لن يستطيع تجاوز العتبة الانتخابية، وبالتالي لن يُمثل في الكنيست المقبل، في حين تشير المؤشرات إلى تحسن وضع حزب "عوتسما يهوديت" بقيادة إيتمار بن غفير، إذ من المحتمل أن يحصل حزبه على 9 مقاعد.

إيتمار بن غفير
إيتمار بن غفير

توحيد المعارضة السياسية

يرى الكاتب الإسرائيلي ياكوف كاتز، في مقالته على "جيروزاليم بوست"، أنه يجب على المعارضة الإسرائيلية الاتحاد من أجل هزيمة وإزاحة الحكومة الحالية، حيث إن هناك رقمين حاسمين في السياسة الإسرائيلية عشية الانتخابات، هما عدد المقاعد التي يكتسبها الحزب، وما هو الحزب الأكبر في السباق الانتخابي.

يركز كاتز في مقالته على أهمية وحدة أحزاب المعارضة وعدم التركيز فقط على الحصول على أكبر عدد من المقاعد، مستذكرًا انتخابات 2009 التي تقدم فيها حزب كاديما بزعامة تسيبي ليفني وقتها، ولكن نجح الليكود بزعامة نتنياهو في الاتحاد مع قوى اليمين آنذاك، وتمكن من إزاحة كاديما من رئاسة الوزراء.

ومما يزيد قلق الكاتب الإسرائيلي نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، إذ وإن أشارت إلى تراجع الليكود، فإنه ما زال الحزب ذو الحصة الأكبر عددًا من المقاعد، وذلك وفق استطلاعات الرأي، الأمر الذي يستدعي قيام أحزاب المعارضة مثل الحزب الديمقراطي، وحزب بينيت، ويش عتيد، وإسرائيل بيتنا بالاتحاد. فلو تم الاتحاد بين تلك الأحزاب، فمن المفترض أن تجمع 58 مقعدًا على الأقل، وهو ما يؤهلها لتشكيل الحكومة المقبلة في حال تعاونها مع بعض الأحزاب الصغيرة.

 تسيبي ليفني
 تسيبي ليفني

تنازلات مهمة

يوضح الكاتب الإسرائيلي أن أزمة المعارضة الإسرائيلية تتمثل في وجود العديد من القادة الكبار الذين يرون في أنفسهم قادة لإسرائيل، مثل نفتالي بينيت، ويائير لابيد، وبيني غانتس، ويائير جولان، وأفيغدور ليبرمان، وآيزنكوت. لذا يطالب الكاتب ياكوف بضرورة تخلي هؤلاء القادة عن غرورهم السياسي والاقتداء بتجربة يائير لابيد في التنازل لصالح مصلحة الدولة العامة، فقد سبق أن تنازل لابيد مرتين في عام 2019 حين تم التنازل عن زعامة حزب أزرق أبيض لصالح بني غانتس، وتنازل مرة أخرى في عام 2021 لصالح نفتالي بينيت، حين سمح له بتولي رئاسة الحكومة رغم أن حزب يش عتيد كان يمتلك ضعف عدد المقاعد التي يمتلكها حزب نفتالي القديم.

توحيد الأحزاب العربية

وفي إطار استعدادات الأحزاب العربية للانتخابات المقبلة، عُقد في مدينة الناصرة مؤخرًا اجتماع للأحزاب السياسية الأربعة من أجل توحيد الجهود المشتركة خلال تلك الانتخابات. وضم الاجتماع حزب راعام بقيادة منصور عباس، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بقيادة أيمن عودة، وحركة التغيير بقيادة أحمد الطيبي، وأخيرًا حزب بلد بقيادة سامي أبو شحادة.

أيمن عودة
أيمن عودة

وكالعادة، شهد مؤتمر الناصرة الأخير اتهامات متبادلة وتراشقًا بين منصور عباس وأيمن عودة؛ فالخلافات بين الجانبين جذرية، فعباس يدعو إلى الاندماج في الدولة الإسرائيلية والاعتراف بيهوديتها والمشاركة في الائتلافات الحاكمة، في حين يرى عودة أهمية التمسك بالمقوم الفلسطيني وعدم الاعتراف بيهودية الدولة، ويفضل المشاركة في صفوف المعارضة على الانضمام إلى الائتلاف الحاكم.

ختامًا:

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في أكتوبر 2026، يبدو أن المشهد السياسي في إسرائيل دخل مرحلة حاسمة، حيث تتشابك العوامل الداخلية والخارجية لتحدد مسار الحكومة المقبلة. فبينما يسعى نتنياهو لتعزيز موقعه عبر الإنجازات الخارجية واستغلال دعم الرئيس الأمريكي ترامب، تحاول أحزاب المعارضة استثمار تراجع شعبية الليكود وتوحيد قواها لتشكيل حكومة بديلة.

التحدي الأكبر أمام المعارضة يكمن في قدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية بين قادتها، وكذلك في تحديد موقفها من الشراكة مع الأحزاب العربية، وهو ما قد يشكل عامل حاسم في تكوين أغلبية جديدة. وفي الوقت نفسه، تظل أصوات اليمين المتطرف هامشية مقارنة بتقلبات أحزاب الوسط واليسار، ما يفتح المجال أمام تحول محتمل في ميزان القوى السياسية خلال الانتخابات المقبلة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء