اتفاق واشنطن تحت النار: لماذا فشلت التسوية في شرق الكونغو؟
وقّعت رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية اتفاقًا للسلام فيما بينهما في 4 ديسمبر 2025 في واشنطن، برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك لإنهاء عقود طويلة من النزاع بين البلدين، والذي راح ضحيته الملايين من المدنيين في كلا الجانبين على مدار العقود الماضية.
لم يصمد الاتفاق الذي رعته واشنطن سوى أيام معدودات، ففي 10 ديسمبر قامت قوات إم 23 بشن هجوم على مدينة أوفيرا جنوب مدينة كيفو الكونغولية، والتي تقع على الحدود أيضًا مع دولة بوروندي، مما أدى إلى مقتل 400 شخص وتشريد مائتي ألف مواطن.

وفي 18 ديسمبر 2025 تجدد القتال مرة أخرى، مما أدى إلى نزوح الآلاف من المواطنين، وذلك وفق ما أعلنت عنه منظمة الصليب الأحمر، إذ سيطرت حركة "إم 23" المتمردة والمدعومة من رواندا على مدينة بوكافو وجوما، عاصمة إقليم نورث كيفو، وإبعاد القوات الحكومية، والسيطرة على العديد من المناجم المهمة بالمنطقة.

وإزاء حالة التصعيد المستمرة من قبل حركة إم 23، اتهم الرئيس فيليكس تشيسيكيدي رواندا بانتهاك التزاماتها في اتفاق السلام الموقع في يونيو 2025 في الدوحة، وتم التصديق عليه في بداية ديسمبر 2025 بالعاصمة الأمريكية واشنطن. وعلى جانبٍ موازٍ، استنكرت بوروندي المواقف العدائية لجارتها رواندا، خاصة بعد احتلال منطقة أوفيرا الحدودية، وفي المقابل اتهمت رواندا جارتيها بوروندي والكونغو بانتهاك وقف إطلاق النار.
لماذا فشلت عملية السلام؟
رغم الاهتمام العالمي مؤخرًا بأهمية النزاع في شرق الكونغو وما ترتب عليه من مآسٍ إنسانية، عبّر عنها البعض بأنها تفوق المآسي في الشرق الأوسط، ويُقصد هنا حالة قطاع غزة، إلا أن عملية إرساء السلام في شرق الكونغو ما زالت هشة للغاية، ولم تستطع الاتفاقيات السابقة، سواء في الدوحة أو واشنطن، وضع حد لحالة الاقتتال الداخلي والإقليمي في شرق الكونغو، وذلك للعديد من الأسباب التالية:
1) عدم شمول اتفاق واشنطن الأخير موقف حركة إم 23، ورغم توصل الحركة والحكومة الكونغولية في كينشاسا إلى اتفاق إطاري تم توقيعه في الدوحة في نوفمبر 2025، إلا أنه لم يصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية تُثبت وقف إطلاق النار.

2) فشل جميع الجهود الدولية والإفريقية في التوصل إلى حل بين حركة إم 23 والحكومة الكونغولية، فالحركة ما زالت تتلقى الدعم من رواندا، وكينشاسا ما زالت غير مستعدة لتقديم تنازلات سياسية في شرق البلاد لصالح الحركة ورواندا. وفي هذا الإطار يبرز مسار "لواندا – نيروبي"، إذ تدخلت الجماعة الإنمائية لجنوب أفريقيا وجماعة شرق أفريقيا من أجل حل النزاع في شرق الكونغو، وتم تعزيز المسار الإفريقي بمساري الدوحة وواشنطن مؤخرًا، ورغم ذلك فشلت جميع الجهود الإفريقية والدولية للتوصل إلى حل يرضي الطرفين في شرق الكونغو.
ويرجع التجاهل الرواندي – الكونغولي للمسارات الدولية السابقة إلى افتقار مسار واشنطن لخاصية العقوبات الدولية، فإلى اللحظة لم تُبرز واشنطن أنيابها السياسية المتمثلة في العقوبات الدولية أو التدخل العسكري المحدود، فكل ما تسعى إليه واشنطن حاليًا هو تأمين إمدادات المعادن والمواد الخام.

هذا بالإضافة إلى أن الصراع في شرق الكونغو لم يصل إلى ذروته بعد، فأيٌّ من الطرفين لم ينجح حتى الآن في تحقيق الحسم على الأرض، مما يستدعي تدخلًا دوليًا فوريًا لتثبيت الأوضاع كما هي على الأرض، مثلما هو الحال في الحرب الأوكرانية حاليًا، إذ تدخلت واشنطن لتثبيت التوسع الروسي في أوكرانيا.
3) تجاهل عمليات السلام الدائرة حاليًا طبيعة النزاع والصراع في شرق الكونغو، إذ تتداخل الجماعات المسلحة مع التنوعات الإثنية والعرقية، ففي الوقت الذي تتهم فيه الكونغو جارتها رواندا بدعم حركة إم 23، تتهم أيضًا رواندا الكونغو بدعم القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR) التابعة لجماعة الهوتو، والتي كانت مشاركة ضمن الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
4) تدخل الدول الإقليمية الأخرى في الصراع، فنفوذ كيغالي المتزايد خلال العقود الماضية، خاصة في عهد الرئيس بول كاغامي، أثار حفيظة الدول الأخرى في منطقة البحيرات العظمى، خاصة بوروندي وأوغندا. فبوروندي، على سبيل المثال، تدخلت في جنوب منطقة كيفو دعمًا لكينشاسا ومواجهة تمرد حركة إم 23، وكذلك أوغندا تدخلت في شمال كيفو ومنطقة إيتوري، وهو ما دفع العلاقات بين رواندا وبوروندي لتكون في أعلى مراحل التوتر.

إذ بلغ التوتر بين الجانبين ذروته في عام 2015، حيث نشرت بوروندي قواتها في شرق الكونغو في مواجهة حركة إم 23، واتهام رواندا بدعم المتمردين البورونديين، وفي عام 2024 تم إغلاق الحدود بين الجانبين مع تزايد اتهامات رواندا لبوروندي بدعم القوات الديمقراطية لتحرير رواندا.
5) تعاظم الأزمة الإنسانية في الكونغو: ساهم انسحاب بعثة الأمم المتحدة في الكونغو "مونوسكو"، وتزايد نشاط حركة إم 23 وسيطرتها على بوكافو، وتحالفها مع بعض الجماعات المحلية في شرق الكونغو، واشتباكها مع جنود بورونديين، في تقييد وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق شرق الكونغو، مما أدى إلى فرار نحو 60 ألف كونغولي إلى بوجمبورا في بوروندي، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع الداخلية والاقتصادية في بوروندي، خاصة أنها دولة غير ساحلية، ونافذتها على العالم هو مطارها الرئيسي في العاصمة بوجمبورا، والذي يتعرض لعمليات تشويش مستمرة من قبل رواندا، مما يؤخر وصول المساعدات الإنسانية إلى بوروندي واللاجئين الكونغوليين بها.

ختامًا:
لإيجاد حل فعّال للأزمة في شرق الكونغو، يجب إلزام رواندا بسحب قواتها من شرق الكونغو أولًا وفض الارتباط بينها وبين حركة إم 23 الناشطة في شرق الكونغو، وفي المقابل إيقاف الدعم الإقليمي لحركة القوات الديمقراطية لتحرير رواندا. ويجب أن تدرك كيغالي أن أي تقدمات في الكونغو من قبل حركة إم 23 نحو أقاليم مثل كاتانغا الغني بالمواد الخام واليورانيوم من شأنه إشعال صراع إقليمي كبير، وقد يستدعي تدخل قوى كبرى لإعادة ضبط المنطقة الغنية بالمعادن والمواد الخام.



