رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العدوان على غزة: دعوات إفريقية لتبني موقف موحد ضد الإبادة الإسرائيلية

رئيس جنوب أفريقيا
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا - أرشيفية

لعبت جنوب إفريقيا خلال الحرب الإسرائيلية دورًا محوريًا في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، إذ تقدمت بشكوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا تشتكي فيها إسرائيل بارتكاب أعمال إبادة جماعية في القطاع، هذا بالإضافة إلى دورها في التنديد بالجرائم الإسرائيلية وحشد المجتمع الدولي ضد إسرائيل وفرض عقوبات اقتصادية على تل أبيب. 

تجربة جنوب إفريقيا نابعة في الأساس من تجربتها خلال مرحلة الفصل العنصري ما قبل عام 1994، إذ شهدت تقريبًا نفس الأفعال والممارسات التي ارتكبت في حق سكان قطاع غزة، وذلك إبان مرحلة الفصل العنصري التي عايشتها في السابق. وبعد مرحلة الفصل العنصري تحولت جنوب أفريقيا إلى دولة رائدة إفريقيًا في معظم المجالات الاقتصادية والسياسية والتنموية والإنسانية.

العدوان على قطاع غزة - ارشيفية
العدوان على قطاع غزة - ارشيفية

مؤخرًا برز تقرير صادر عن معهد الأمن القومي بجنوب إفريقيا يندد بمواقف الدول الإفريقية تجاه تقرير لجنة الأمم المتحدة المعنية بغزة، والذي أثبت قيام إسرائيل بخطوات تشكل إبادة جماعية في غزة خلال الحرب. الموقف الجنوب إفريقي، وإن بدا غير رسمي، إلا أنه يحمل دلالات هامة، وهي ضرورة تبني أفريقيا لرؤية موحدة حول قضايا الإبادة الجماعية، حتى يتسنى مواجهة التجارب المماثلة في أفريقيا التي تشهد هي الأخرى تجارب إبادة، وإن ظلت في طي الكتمان كما يحدث حاليًا في السودان وشرق الكونغو الديمقراطية.

فشل المجتمع الدولي

تشير زانتي مهلامبيسو، الباحثة في سيادة القانون بمعهد الدراسات الاجتماعية ببريتوريا، إلى أنه رغم مرور شهرين على صدور تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في قطاع غزة، والذي أفاد بوجود إبادة جماعية، إلا أن صدور التقرير لم يشكل فارقًا، إذ ظل عدد الضحايا المدنيين في ازدياد، ولا تزال المساعدات شحيحة الوصول للقطاع المحاصر، كما لم تقطع الدول علاقاتها مع إسرائيل.

العدوان الإسرائيلي على غزة - أرشيفية 
العدوان الإسرائيلي على غزة - أرشيفية 

يعكس الفشل المأسوي في غزة فشلًا أوسع نطاقًا للمجتمع الدولي في التدخل في صراعات أخرى في مناطق أفريقية، خاصة في حالتي السودان والكونغو الديمقراطية، إذ تشير الباحثة الإفريقية إلى أن حالة غزة كانت تتمتع بوضع جيد وتفاعل واضح من المجتمع الدولي، ورغم ذلك لم يأبه المجتمع الدولي لتقارير الإبادة الجماعية في القطاع، وهو ما قد يزيد خطورة الصراعات في إفريقيا، التي تتميز بانعدام الاهتمام الدولي بها، مما يعني تفاقم الأوضاع بشكل أكثر وحشية مما يحدث في غزة، وهو ما عبرت عنه العديد من الدوائر الأفريقية، التي وصفت الحرب الجارية حاليًا في الفاشر السودانية ومدينة كيفو في شرق جمهورية الكونغو بأن الأوضاع فيهما فاقت ما يحدث في غزة بمراحل كبيرة.

تأكيد الإبادة

خلصت لجنة الأمم المتحدة في تقريرها إلى أن إسرائيل ارتكبت أربعة من أصل خمسة أعمال إبادة جماعية، وذلك وفقًا لما هو منصوص عليه في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها الصادرة عام 1948، وتشمل تلك الأعمال: قتل أفراد ينتمون إلى جماعة عرقية معينة، وإلحاق أذى جسدي ونفسي بهم، وخلق ظروف تهدد استمرار بقاء الجماعة، والتدخل في قدرة الجماعة على التكاثر.

العدوان على قطاع غزة - ارشيفية
العدوان على قطاع غزة - ارشيفية

حث التقرير إسرائيل على إنهاء العدوان العسكري على غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون أية عوائق، واتخاذ تدابير تهدف إلى منع وقوع المزيد من أعمال الإبادة الجماعية. كما أوصى التقرير بمسؤوليات الدول وفق القانون الدولي لمنع الإبادة، وتتركز تلك المسؤوليات في تعليق جميع أنواع الدعم العسكري والمالي والسياسي التي قد تورطها في إبادة جماعية محتملة.

رفض إسرائيل وتذبذب إفريقي

كالعادة، رفضت إسرائيل التقرير ووصفته بأنه مفبرك ومعادي للسامية، رغم أن التقرير جاء نتيجة تحقيقات مطولة أجرتها اللجنة الأممية منذ 7 أكتوبر 2023. أما الردود الإفريقية فجاءت باهتة ومترددة، رغم أن التقرير سيعزز موقف وشكوى جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا.

مظاهرات في جنوب إفريقيا ضد العدوان على غزة - ارشيفية
مظاهرات في جنوب إفريقيا ضد العدوان على غزة - ارشيفية

لم تحصل شكوى جنوب إفريقيا على أي تضامن إفريقي في محكمة العدل سوى من مصر وليبيا وجزر القمر فقط، أما باقي الدول فلم تساند قضية بريتوريا في المحكمة الدولية، فيما اتخذت كل من ناميبيا والجزائر والسنغال موقفًا حازمًا بإصدار بيانات علنية تدين السلوك الإسرائيلي في غزة واعتباره إبادة جماعية، إلا أنها في الوقت ذاته لم تتحرك على المستوى الدولي ولم تدعم قضية جنوب إفريقيا.

في حين لجأت بعض الدول الأخرى بشكل عام إلى خفض التصعيد مع إسرائيل دون توجيه أية اتهامات، ومن بينها دول بوركينافاسو وساحل العاج وغانا وكينيا. أما الموقف الأوروبي فكان بصفة عامة هادئًا، وتلاشى التعامل مع التقرير الأممي، ما عدا دولة سلوفينيا التي حظرت توريد الأسلحة إلى إسرائيل وفرضت حظر دخول لوزراء اليمين الإسرائيلي إلى أراضيها.

وبشكل عام، يمكن القول إن معظم الدول الإفريقية تتهرب من إدانة إسرائيل والتفاعل مع تحركات جنوب إفريقيا لاعتبارات داخلية في الدول الأفريقية، إذ عادة ما ترتكب تلك الحكومات عمليات إبادة جماعية داخل دولها، كما يحدث في دول الساحل والصحراء وشرق الكونغو حاليًا، وكذلك السودان والصومال، وهو ما يحجم الدول الإفريقية عن المشاركة في الإدانات الدولية الموجهة للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على غزة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء