اقتصاد الاختطاف: كيف يعمّق دفع الفديات توحّش الجماعات المتطرفة في إفريقيا
تُعدّ عملية الاختطاف وطلب الفديات من أبرز مصادر تمويل الجماعات المتطرفة والمتمردة في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، ونتيجة لذلك تمكّنت الجماعات المتطرفة من تعزيز قواها وبنيتها التحتية، سواء في منطقة الساحل أو في محيط بحيرة تشاد.
إذ وفّرت الفديات مبالغ طائلة نجحت تلك الجماعات في إعادة استخدامها بما يخدم أهدافها السياسية والأمنية، وتعود عمليات الخطف في منطقة الساحل إلى عهود قديمة؛ فعلى سبيل المثال، سجّلت تشاد في عام 1979 اختطاف عالم آثار فرنسي وطبيب ألماني من أجل طلب الفدية، وقام بتلك العملية الرئيس التشادي في وقت لاحق حسن حبري، الذي أصبح رئيسًا لبلاده عام 1982 وحتى 1990، وفي عهده اندلعت الحرب الليبية التشادية.
في تقرير منشور حديثًا على موقع The Conversation (المحادثة)، أعدّه كلٌّ من ألكسندر م. لاسكاريس، الباحث الزائر بجامعة فلوريدا، وأوليفييه والتر، الأستاذ المشارك في الجغرافيا بجامعة فلوريدا، تحت عنوان:
"Kidnapping for ransom in the Sahel: analysis of 24 years of data shows a new trend"، أوضحا أن عملية الخطف تحوّلت إلى تجارة رابحة ورائجة في منطقة الساحل. فالحكومات المحلية والأجنبية عادةً ما تكون على استعداد لدفع الديات المطلوبة من الجماعات المتطرفة، وإن أنكرت ذلك على المستوى العلني، وغالبًا ما تكون الفديات على هيئة أموال نقدية، أو تسهيلات أمنية وسياسية، أو حتى مواد إغاثية غذائية، أو مركبات عسكرية وأسلحة.

البداية جزائرية
في الألفية الجديدة سُجّلت أولى عمليات اختطاف الرهائن في منطقة الساحل والصحراء في الجزائر عام 2003، حين نفّذت الجماعة السلفية للدعوة والقتال في جنوب الجزائر عمليتها الإرهابية باختطاف 32 سائحًا أوروبيًا، وطلب فدية قدرها 5 ملايين يورو، وبالفعل تم تنفيذ الصفقة.
قام الكاتبان بتحليل عمليات الاختطاف في 17 دولة في غرب إفريقيا خلال السنوات الأربع والعشرين الماضية، حيث تم تحليل 58 ألف حادثة أسفرت عن اختطاف مائتي ألف شخص خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2024.
يشير الكاتبان إلى أن عمليات الاختطاف خلال العقد الأول من الألفية الثانية كانت موجّهة في الأساس نحو المواطنين الأجانب من الدول الغربية، إذ شكّل الرهائن الأجانب في تلك الفترة موردًا مربحًا للجماعات المتطرفة. فتلك العمليات عادةً ما تكون قليلة المخاطر وعالية المردود، إذ غالبًا ما ترضخ الحكومات الغربية سرًا لتحقيق صفقة التبادل ودفع الفديات المطلوبة للجماعات المتطرفة.

وتُقدَّر إجمالي الفديات التي تم دفعها خلال الفترة من عام 2008 إلى عام 2014 بحوالي 125 مليون دولار، وغالبًا ما يُعاد استخدام أموال الفديات في دعم الجماعات المتطرفة وقدراتها التسلحية والأمنية. ومؤخرًا، تمكّنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من الحصول على 50 مليون دولار في أكتوبر 2025 مقابل إطلاق سراح بعض الرهائن الأجانب، كما استحوذت على العديد من المعدات العسكرية، علاوة على مبلغ الفدية الذي تم دفعه مؤخرًا.
أين تذهب أموال الفديات
عادةً ما تستغل الجماعات المتطرفة أموال الفديات في تعزيز وجودها في مناطقها، عبر تعزيز قدراتها العسكرية بشراء الأسلحة، وإقامة التحالفات مع زعماء القبائل والعشائر المحلية، وتجنيد المزيد من المقاتلين الشباب من دول كمالي والنيجر وموريتانيا وبوركينافاسو. إذ عادةً ما تقدم الجماعات المتطرفة إغراءات مالية كبيرة للتطوع في صفوفها تفوق قدرات الجيوش الوطنية في جذب الشباب للتطوع في صفوفها.
لذا كانت عمليات اختطاف الأجانب الوسيلة الأولى والأهم لنمو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي توسّع جنوبًا باتجاه مالي والنيجر وبحيرة تشاد.

ويشير التقرير إلى أن معظم عمليات الاختطاف تمت معالجتها عبر دفع الفديات المطلوبة، خاصة بعد فشل الضغوط والحلول العسكرية المحاولة لتحرير الأسرى والرهائن، حيث غالبًا ما تنتهي تلك العمليات باغتيال الرهينة، مما يعني فشل الحملات العسكرية لتحرير الرهائن في أفريقيا.
التحول نحو المحليين
بنهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، واجهت الجماعات المتطرفة متغيرًا أثّر في مصادرها التمويلية، ألا وهو امتناع الدول الأجنبية عن السماح لمواطنيها بالسفر إلى دول الساحل وغرب إفريقيا، خشية تعرضهم للخطف أو القتل. وبرزت في هذا الاتجاه بشكل واضح وزارة الخارجية الأمريكية، التي أصدرت مئات التحذيرات للمواطنين الأمريكيين تحذرهم من السفر إلى المناطق الخطرة أمنيًا.
ونتيجة لتلك التحذيرات الأمنية، انخفض عدد الأجانب في منطقة الساحل بشكل كبير جدًا، وبالتالي انخفضت عمليات الاختطاف بشكل حاد، الأمر الذي أثّر بالسلب على المصادر التمويلية للجماعات المتطرفة، ودفعها إلى التحول نحو استهداف العناصر المحلية، وهو ما ترتب عليه تغير حاد في تمويلات الجماعات المتطرفة.

ورغم الفارق في مبلغ الفديات ما بين فدية المواطن الأجنبي وفدية المواطن المحلي، فإن الجماعات المتطرفة نجحت في تعويض هذا الفارق الضخم من خلال تعزيز عمليات الاختطاف الجماعي للمحليين في الدول الأفريقية. فعلى سبيل المثال، أقدمت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" على مضاعفة عمليات اختطافها 20 مرة منذ تأسيسها عام 2017.
ومؤخرًا، توسّعت "بوكو حرام" في عمليات الاختطاف؛ ففي نوفمبر الماضي أقدمت على اختطاف 300 طفل من إحدى المدارس المسيحية بوسط نيجيريا من أجل طلب الفدية من أهاليهم. وتحقق عمليات الخطف الجماعي للأطفال والمدنيين الغرض المطلوب للجماعات المتطرفة، إذ يشكّل ذلك ضغطًا سياسيًا وإعلاميًا على الحكومات الأفريقية والجماعات المحلية، التي عادةً ما تندفع إلى تنفيذ المطلوب ودفع الفديات اللازمة.
كما برز نوع جديد من عمليات الاختطاف والفديات في بحيرة تشاد، بحيث تكون الفدية معلومات حقيقية لا أموالًا. فخلال الفترة الأخيرة عززت "بوكو حرام" عمليات اختطاف أطفال الرعاة والصيادين والزراع من أجل إجبار عائلاتهم على تزويد الجماعة بمزيد من المعلومات الحيوية حول التحركات الحكومية الأمنية والعسكرية.

فالرعاة، على سبيل المثال، يتحركون بحرية بين الولايات النيجيرية بحثًا عن الكلأ والماء، الأمر الذي يعزّز معرفتهم بالطبائع الجغرافية والاقتصادية والأمنية للولايات النيجيرية المتعددة. لذا استغلت بوكو حرام حجم تلك المعارف الأمنية والجغرافية والاقتصادية للرعاة في تزويدها بالمعلومات الأمنية، وذلك من خلال اختطاف صغارهم.
وختامًا:
تُعدّ الاستجابة الفورية لحكومات الساحل وغرب إفريقيا لمطالب الفديات إضعافًا لمواقفها السياسية، وتوفّر دعمًا ماديًا لأعدائها من الجماعات المتطرفة. أما الحكومات الغربية فعادةً ما تلجأ إلى الحل الأسهل، وهو دفع الفدية وتحقيق عملية لمّ الشمل، خاصة أن أسر المختطفين في الغرب تمارس ضغوطًا قوية جدًا على حكوماتها من أجل تنفيذ عملية الدفع، لذا تلجأ الحكومات إلى هذا الخيار.
ويمكن القول إن سياسة دفع الفديات هي الحل الأسهل لتخليص الرهائن، لكنها في الوقت ذاته تغذّي توحّش الجماعات المتطرفة، التي ترى في الاندفاع نحو عمليات الاختطاف وسيلة لتعزيز مواقفها ومواردها المالية. لذا يجب على الحكومات الأفريقية والغربية إيجاد وسيلة أخرى فعّالة لتحرير الرهائن دون دفع الفديات المطلوبة، والحفاظ على حياة الرهائن في الوقت نفسه.



