رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الإرهاب المؤسسي في غرب إفريقيا.. من العشوائية إلى التخطيط المحكم

الجماعات الإرهابية
الجماعات الإرهابية المسلحة في إفريقيا -أرشيفية

تنشط جماعة "بوكو حرام" والعديد من التنظيمات الإرهابية الأخرى، مثل تنظيم داعش في غرب إفريقيا، في منطقة بحيرة تشاد؛ والتي تأسست في مطلع الألفية الجديدة، وتنظيم "داعش" نشأ في عام 2016، ومنذ تأسيسهما فشلت جميع الجهود الإقليمية والدولية في القضاء على التنظيمين الإرهابيين.

وفي منطقة الساحل والصحراء تنشط أيضًا العديد من التنظيمات الإرهابية، مثل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي، فضلًا عن انتشار محدود لتنظيم "داعش" في مالي، وقد مرت التنظيمات الإرهابية في مالي بالعديد من التغيرات ما بين المد والجزر.

خلال العام الأخير تحديدًا، منذ يناير 2025، شهدت التنظيمات الإرهابية في الساحل وغرب إفريقيا نموًا ملحوظًا في عملياتها على الأرض؛ فجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، بقيادة إياد أغ غالي، باتت على وشك السيطرة على العاصمة المالية باماكو وطرد القيادة العسكرية بها، خاصة بعد حصار خانق شنته الجماعة على طرق الإمداد الرئيسية الخاصة بالعاصمة، والسيطرة على جميع شاحنات الوقود المتجهة إلى العاصمة.

جماعة بوكوحرام - أرشيفية
جماعة بوكوحرام - أرشيفية

أما جماعة "بوكو حرام"، فبعد أن ظلت لعقود طويلة محصور نشاطها العسكري في ولاية بورنو شمال البلاد والمطلة على بحيرة تشاد، نجحت خلال الفترة الأخيرة في استعادة خطورتها الأمنية والتوغل جنوبًا باتجاه الولايات الوسطى في نيجيريا، حتى ولاية النيجر وغيرها من الولايات التي تتقاطع فيها الأعراق والأديان في نيجيريا، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إعلان الحكومة النيجيرية بوضع خطة طوارئ تتلخص في قيامها بتجنيد المزيد من الجنود والضباط، وسحب الحراسات الخاصة بالعديد من المسؤولين، ودفع ضباطها إلى القتال ضد تنظيم بوكو حرام.

تشير العمليات العسكرية الأخيرة، سواء في مالي أو في نيجيريا، إلى تقدم ملحوظ في القدرات النوعية للجماعات الإرهابية من حيث القدرات القتالية والتخطيطية، وأخيرًا قدراتها الاستخباراتية؛ فمؤخرًا باتت الجماعات الإرهابية تنتقي أهدافها بدقة عالية. ففي مالي، على سبيل المثال، سيطرت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" على جميع الشاحنات الخاصة بنقل المواد البترولية والمواد الغذائية الأخرى، مما فرض حصارًا خانقًا على العاصمة باماكو، كشف مدى الضعف والانهيار الذي تعاني منه الطغمة العسكرية الحاكمة في البلاد. وفي نيجيريا، بعدما توسعت بوكو حرام في ولاية النيجر، إحدى ولايات الوسط في البلاد، شكلت ضغوطًا على الحكومة في أبوجا، إذ تقاطعت العمليات الإرهابية مع الأزمات الاقتصادية والعرقية والدينية بولاية النيجر.

تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية 
تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية 

التجسس أولًا

أشارت الباحثة من جنوب إفريقيا سيليستين ديلانغا، العاملة في المكتب الإقليمي لمعهد الدراسات الاجتماعية لغرب إفريقيا ومنطقة الساحل، في دراستها المنشورة على موقع معهد الدراسات الأمنية الجنوب إفريقي، إلى أن الجماعات الإرهابية في بحيرة تشاد تعمل على جمع المعلومات وإعادة معالجتها قبل تنفيذ أية عملية إرهابية. وتشير الباحثة أيضًا إلى مدى المؤسسية العالية التي باتت تتمتع بها التنظيمات الإرهابية في غرب إفريقيا؛ فهذه الجماعات باتت تمتلك قدرات عالية على جمع المعلومات ومعالجتها أمنيًا. فخلال عام 2025، على سبيل المثال، تم تنفيذ أكثر من 200 هجوم أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 500 شخص، واختطاف المئات من الأشخاص لتنفيذ عمليات التبادل والفدية، فضلًا عن العمليات الموجهة إلى المعسكرات الأمنية والعسكرية، مما يعني أن كل هذه العمليات سبقتها عمليات تجسس واسعة النطاق شملت جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار المناسب لتنفيذ تلك العمليات.

تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية 
تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية 

جهاز الحسبة

تؤكد ديلانغا أن تنظيم "بوكو حرام" يمتلك أجهزة عسكرية ومدنية متخصصة، ولعل أبرزها جهاز الحسبة، الذي يقوم بمسؤولية الشرطة في التنظيم، ويتولاه قائد معين، ويقوم الجهاز في الأساس بالحفاظ على الأمن الداخلي في الجماعة، إلا أنه يمتلك العديد من العملاء والمتسللين داخل المجتمعات المحلية من أجل جمع المعلومات الاستخباراتية، وذلك لغرضين: أولهما الحفاظ على أمن الجماعة، وثانيهما جمع المعلومات حول الأهداف المراد تدميرها والإغارة عليها.

الانغماس في المجتمعات المحلية

تتألف التنظيمات الإرهابية في غرب إفريقيا من فئتين: القادة العسكريون المنوط بهم تنفيذ العمليات الإرهابية، والعناصر غير العسكرية، وتكون مهمتهم أكبر وأعمق، حيث يعملون على الانغماس في الحياة المدنية كزراع وحرفيين، ومن خلال تفاعلاتهم مع المجتمعات المحلية يجمعون أكبر قدر من المعلومات. فقبل القيام بأية عملية عسكرية بأيام، يدفع القادة في التنظيمات الإرهابية هؤلاء الأفراد للتسلل إلى المجتمعات المحلية من أجل جمع المعلومات الاستراتيجية الخاصة بالهجوم المحتمل.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية 
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية 

الاستخبارات العائلية

تعتمد جماعة "بوكو حرام" في تغذيتها بالمعلومات والأموال على شبكة العلاقات الاجتماعية للعائلات والأصدقاء والأقارب في جمع المعلومات، وتبادل العلاقات التجارية، وإرسال الأموال اللازمة لتغطية نفقات المعيشة الخاصة بمقاتليها، إذ عادة ما تنقسم حياة مقاتلي بوكو حرام ما بين مجتمعاتهم المحلية ومعسكرات الجماعة.

إذًا، تعد حياة هؤلاء حياة مزدوجة، إذ يستخدمون انشغالهم وانخراطهم في الحياة المدنية، وقيامهم بأعمال الزراعة والرعي، في جمع المعلومات ومعالجتها، وأيضًا توفير سبل المعيشة للتنظيم، وهو الأمر الذي قد يعرض حياتهم للخطر أيضًا. ففي إبريل 2025 تمكنت قوات الأمن في نيجيريا من توقيف عدد من الأفراد كانوا في طريقهم إلى الانضمام إلى تنظيم بوكو حرام بعدما قضوا فترة من الوقت رفقة عائلاتهم.

تجنيد الرعاة

يعتبر منتسبو حرفة الرعي من أبرز الفئات في جمع المعلومات الهامة؛ فالرعاة عادة ما يجوبون مناطق واسعة رفقة قطعانهم من الماشية والأغنام في اليوم الواحد، الأمر الذي يتيح لهم فرصة التعرف على الطرق الوعرة والسهلة، فضلًا عن أية مستجدات تطرأ بالقرى والمناطق المحيطة بها.

لذا تلجأ بوكو حرام إلى اختطاف أطفال الرعاة من أجل إجبار آبائهم على الحصول على المعلومات أولًا، والفديات ثانيًا، وإرشاد قادة بوكو حرام بأفضل الطرق خلال عمليات الكر والفر أثناء الاشتباك مع قوات الأمن والجيش.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية 
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية 

ومما يعزز أهمية الرعاة بالنسبة لجماعة بوكو حرام هو تنقلهم لمئات الكيلومترات داخل نيجيريا؛ إذ تؤدي موجات الجفاف التي تضرب الولايات الوسطى، مثل ولايات يوبي وبورنو وجيغاوا وسوكوتو وزامفارا، إلى هجرتهم إلى المراعي الخصبة المحيطة ببحيرة تشاد، كما يأتي الرعاة أيضًا من مناطق شمال الكاميرون وبعض المناطق في تشاد، الأمر الذي يتيح لبوكو حرام فرصة جيدة في جمع المعلومات عن مناطق واسعة في نيجيريا والكاميرون وتشاد.

فشل برامج نزع السلاح

تشير ديلانغا إلى أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج مقاتلي بوكو حرام في المجتمعات المحلية فشلت فشلًا ذريعًا؛ فعادة لا يقتنع هؤلاء بأهمية نزع السلاح والابتعاد عن الانضمام إلى بوكو حرام من جديد. وتؤكد ديلانغا أن ذلك يحمل خطورة كبيرة، إذ يتمتع هؤلاء بحرية تحرك واسعة وعدم فرض رقابة عليهم، الأمر الذي يسهل لهم عملية تزويد الجماعة بالمعلومات الكافية.

الطائرات المسيرة

بالإضافة إلى اعتمادها على تجنيد العناصر البشرية، مثل الشبكات العائلية والرعاة ومقاتليها السابقين الذين انخرطوا في برامج نزع السلاح، تلجأ بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا أيضًا إلى وسائل الاستخبارات الإلكترونية، مثل الاعتماد على الطائرات المسيرة في التنصت على المكالمات الحكومية ومراقبة التحركات، كما يتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا في تحقيق التواصل بين أعضاء الجماعة ونشر الدعاية، وأيضًا التجسس على تحركات قوى الأمن والدفاع في نيجيريا.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية 
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية 

ختامًا:

 يمكن القول إن "بوكو حرام" نجحت في استغلال العاملين البشري والإلكتروني في تحقيق تقدمها الاستخباراتي في غرب أفريقيا، متفوقة بذلك على الجيوش الوطنية في تلك المنطقة، التي ما زالت تعاني من ضعف معلوماتها الاستخباراتية حول المناطق التي تنتشر بها الجماعات المتطرفة. وللتغطية على هذا الأمر، قامت نيجيريا مؤخرًا بإعادة تشكيل كتائب حراس الغابات، والتي يكون هدفها الأساسي مراقبة الطرق الوعرة عبر الوديان والغابات، وسد الطريق أمام تحركات بوكو حرام.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء