إفريقيا على مفترق الطرق: صراع بين مسارات التنمية ونشاط الجماعات الإرهابية
تمر دول غرب إفريقيا بالعديد من التحديات السياسية والأمنية، الأمر الذي ينذر بكارثة كبرى قد تؤدي إلى زعزعة استقرار دول إقليمي الساحل والصحراء وغرب إفريقيا، إذ تشهد المنطقة منذ ما يقارب الخمس سنوات حالة من عدم الاستقرار السياسي ناجمة عن تفشي الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو والجابون وغينيا بيساو، وأخيرًا تجربة الانقلاب الفاشلة في دولة بنين.
في حين تعاني باقي الدول من اضطرابات سياسية عميقة تنذر أيضًا باحتمالية حدوث انقلابات عسكرية في باقي الدول مثل السنغال التي شهدت اضطرابات سياسية عميقة خلال الفترة من عام 2022 وحتى عام 2024 على خلفية أزمة تمسّك الرئيس السنغالي الأسبق بالحكم وعدم استعداده للتنازل عنه في حال انقضاء مدة ولايته. وأيضًا تعاني نيجيريا، بعد عودة الحكم المدني في عام 1999، من اضطرابات سياسية متصاعدة؛ فلا تزال أزمة الرئيس النيجيري وهويته الإثنية والدينية عاملًا في عدم تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد.

وفي ظل تنامي حالة عدم الاستقرار السياسي في دول غرب إفريقيا، يتصاعد معها أيضًا تنامي الجماعات الإرهابية في دول غرب أفريقيا؛ فعلى سبيل المثال، تمكنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم "القاعدة" من الاستيلاء شبه الكامل على مالي في الفترة الأخيرة، وتمكنت أيضًا من فرض حصار اقتصادي على العاصمة باماكو، الأمر الذي يهدد فعليًا باستيلاء تلك الجماعة على الحكم في البلاد. وفي نيجيريا، التي تعد أكبر وأقوى قوة سياسية في غرب إفريقيا، تمكنت جماعة "بوكو حرام" وتنظيم "داعش" غرب إفريقيا من تمديد نفوذهما إلى الداخل النيجيري؛ فبعد أن كان نشاط الجماعة محصورًا في ولاية بورنو على بحيرة تشاد، امتدت نشاطات تلك الجماعات المتطرفة إلى الولايات الوسطى مثل ولاية النيجر، والتي تشهد بطبيعتها توترات طائفية بين المسلمين والمسيحيين، الأمر الذي أدى مؤخرًا إلى تعاظم الأزمة في البلاد ودفع العديد من الجهات الدولية مثل الولايات المتحدة إلى اتهام أبوجا بعدم قدرتها على حماية المسيحيين.
لذا يُثار تساؤل هام حول تقييم أثر حالة انعدام الاستقرار السياسي في دول غرب إفريقيا على تفشي الظاهرة الإرهابية في غرب إفريقيا، وهل تساهم الجهود الدولية والإقليمية في معالجة الظاهرتين؟
أولًا: أسباب تفشي الظاهرة الإرهابية في غرب إفريقيا
يمكن اختصار أسباب تفشي الظاهرة الإرهابية في غرب إفريقيا في جملة واحدة وهي: غياب الدولة المركزية في إفريقيا؛ فأغلب الحكومات الأفريقية لا تتخطى خطوط سيادتها الفعلية حدود عاصمتها السياسية والاقتصادية، أما بقية الأقاليم وخاصة المتطرفة جغرافيًا فتعاني أشد المعاناة الاقتصادية، مما وفر بيئة خصبة لانتشار الإرهاب. ويمكن إبراز بعض الأسباب وهي كالتالي:

التهميش الجغرافي:
تكاد الجغرافيا السياسية تنطق وتفصح عن أسباب انتشار الجماعات المتمردة والإرهابية في إفريقيا؛ فكل الجماعات الإرهابية تنتشر على أطراف تلك الدول حيث الغياب السياسي للدول الإفريقية على حدودها. فمثلًا، تتركز السلطة ومقاليدها في مالي في مدينة باماكو ومحيطها، الأمر الذي ترك ساحة تمبكتو الشمالية مرتعًا خصبًا لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين". وفي نيجيريا، تبرز لاجوس وأبوجا في جنوبي البلاد، مما أدى إلى إفراغ ولاية بورنو الشمالية من أي مظهر من مظاهر الدولة، الأمر الذي أدى إلى انتشار الجماعات الإرهابية.
غياب الدور الاجتماعي للدولة:
وعطفًا على الغياب السياسي للدولة الإفريقية في هوامشها الجغرافية، أدى ذلك إلى الغياب الاجتماعي في تلك المناطق، مما أدى إلى انتشار الفقر المدقع، وهو ما وفر حواضن شعبية للجماعات الإرهابية. فعلى سبيل المثال، يحظى تنظيم بوكو حرام في أطراف بحيرة تشاد بشعبية متميزة في تلك المنطقة، الأمر الذي عزز استمراريته رغم المحاولات الإقليمية والدولية للقضاء عليه؛ فالتنظيم الإرهابي نجح في السيطرة على تلك المجتمعات المهمشة عبر توفير المواد الغذائية والإغاثية لشعوب تلك المناطق، الأمر الذي أدى إلى تعزيز شعبيته.

ضعف الأجهزة الأمنية والعسكرية للدولة:
للدلالة على تلك النقطة، نوضح ما حدث مؤخرًا في نيجيريا ومالي؛ فالأخيرة مثلًا نجح المتطرفون في حصار الجيش المالي في العاصمة باماكو، ونتيجة الحصار المفروض على العاصمة لم يستطع الجيش توفير المواد البترولية اللازمة لتشغيل مركباته. وفي نيجيريا أيضًا تعرضت قوة أمنية بقيادة العميد موسى أوبا لكمين نفذته جماعات متطرفة. ومن المثير في ذلك الحادث أن القوة النيجيرية لم تكن تمتلك أي وسائل اتصالات من أجهزة اللاسلكي المؤمنة والمشفرة، مما استدعى استخدام الهواتف النقالة وتطبيق الواتساب في استدعاء النجدة، الأمر الذي ساعد المنفذين في السيطرة على اتصالات القوة النيجيرية والقضاء عليها وعلى قائدها.

انعدام التنسيق الإقليمي بين الدول واتخاذه الطابع البروتوكولي:
منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية، تمكنت دول غرب إفريقيا من تشكيل تحالف القوى الخمس في الساحل والمكون من دول تشاد ومالي والنيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو في عام 2014، وكان يهدف في الأساس إلى التنسيق بين الدول في مواجهة تمدد التنظيمات الإرهابية. ويمكن تقييم نتائج التحالف بعد عشر سنوات من تشكيله بأنه فشل في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي شهدت نموًا كبيرًا خلال السنتين الماضيتين. كما أن التحالف تفكك فعليًا في عام 2022 بانسحاب مالي، وتبعها انسحاب النيجر وبوركينا فاسو في عام 2023 وتشكيل تحالف ثلاثي بين الدول المنسحبة في عام 2024.
ثانيًا: حالة انعدام الاستقرار السياسي
لا يمكن الفصل بين حالة انعدام الاستقرار السياسي وتنامي الظاهرة الإرهابية؛ فالعلاقة بين التغيرين علاقة ارتباطية، فتنامي الإرهاب ما هو إلا نتيجة مباشرة لانعدام الاستقرار السياسي الذي يؤدي إلى تفكيك الدولة وإبعادها عن أدوارها الاجتماعية الداخلية وإضعاف القدرات العسكرية لتلك الدول عن مواجهة الإرهاب.
فمؤخرًا، خلال السنوات الخمس الماضية، شهدت دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا والجابون تغيرات في نظام الحكم عبر انقلابات عسكرية. وفي العام الحالي شهدنا انقلابين في مدغشقر في شرق إفريقيا وغينيا بيساو في غرب إفريقيا، فيما شهدت دولة بنين انقلابًا فاشلًا نتيجة تدخل جارتها نيجيريا عسكريًا في إفشاله عبر قصف مقر القادة الانقلابيين بواسطة الطائرات.

تعد ظاهرة الانقلاب العسكري في أفريقيا هي الوجه الآخر للفساد السياسي في دول غرب إفريقيا، والذي يمكن توضيحه في نقاط مبسطة وهي:
1) التلاعب الدستوري والانتخابي:
سبق انقلابي النيجر ومالي إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وفي كلا الحالتين لم ترق نتائج ولا سير العملية الانتخابية للأوساط الشعبية، مما ساهم في زيادة السخط الشعبي في كلا البلدين، الأمر الذي وفر مبررًا للتدخل العسكري وإزاحة النظام القائم. وعادة ما تستخدم الانتخابات في الدول الأفريقية من أجل تعزيز سيطرة السلطة الحاكمة، كحالة الرئيس النيجري السابق محمد بازوم.
2) فشل الحكومات في مواجهة الإرهاب:
من دوافع الانقلاب العسكري في مالي في عام 2020 فشل حكومة الرئيس أبوبكر كيتا في مواجهة الإرهاب، وعليه تعهد آسمي غويتا، وقتها بتعزيز قدرات الجيش في مواجهة الإرهاب والقضاء على التنظيمات الإرهابية. ولكن بعد خمس سنوات من الانقلاب المالي الأخير بات آسمي غويتا محاصرًا في باماكو من قبل الجماعات الإرهابية التي وعد وعدًا قاطعًا بالقضاء عليها في السابق.

3) النظرة النيوليبرالية للديمقراطية:
تعتمد الأنظمة الإفريقية في تعريفاتها للديمقراطية على النظرة النيوليبرالية القائمة على تحرير السوق وتهميش دور الدولة في الحياة الاجتماعية وتقليص هامش الإنفاق على الخدمات العامة والدعم العيني للمواطنين. وهو الأمر الذي لا يناسب الدول الأفريقية التي تعاني معظم شعوبها من الفقر الشديد. وهو ما يفسر فشل الأنظمة الإفريقية المتعاقبة في تحقيق الرضاء الشعبي، خاصة في الدول الموسومة ديمقراطيًا في السنغال وغانا مثلًا؛ فكلا الدولتين قطعتا أشواطًا كبرى في الانتخابات والتغيرات السياسية السلمية، إلا أن الوضع بهما ما زال هشًا للغاية نظرًا لانتشار معدلات الفقر وارتفاع درجات السخط الشعبي والتهميش الاجتماعي، الأمر الذي سيعزز من فرضية التغيير غير السلمي في كلا الدولتين خلال المستقبل القريب. ولعل السنغال كانت قريبة للغاية من ذلك السيناريو خلال العام الماضي في ظل محاولات الرئيس السابق ماكي سال تمديد فترة حكومته، الأمر الذي عرض البلاد لاضطرابات شعبية خلال عامي 2023 و2024.
ثالثًا: التوصيات
بالاستعراض السابق يتضح لنا أن الظاهرتين مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا للغاية؛ فتنامي الإرهاب ما هو إلا ردة فعل لعدم الاستقرار السياسي في دول غرب إفريقيا. لذلك يجب اتباع العديد من الخطوات لتعزيز استقرار تلك الدول عن طريق:
1) تثبيت العمليات الديمقراطية السليمة:
ويتم ذلك من خلال تفعيل الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد الصادر في عام 2007، فضلًا عن فرض عقوبات موسعة على الأنظمة القائمة التي تحاول التلاعب الدستوري لتمديد فترات الحكم والتلاعب في النتائج الانتخابية، الأمر الذي يجفف منابع ودوافع الانقلابات العسكرية، وبالتالي تركيز جهود الدول الإفريقية في تحقيق الاستقرار المعيشي للجماعات المهمشة من ناحية ومحاربة الإرهاب من ناحية أخرى.

2) إيقاف الحرب الباردة بين فرنسا وروسيا:
خلال العقد الماضي اندلعت حرب باردة بين المصالح الروسية والفرنسية على الأراضي الإفريقية، مما أدى إلى تدخل موسكو بتشجيع انقلابات مالي والنيجر وبوركينا فاسو والجابون، وآخرها انقلاب بنين. مما دفع فرنسا إلى فرض أكثر الإجراءات العقابية على الدول الأفريقية، وهو سحب قواتها العسكرية العاملة في منطقة الساحل لمحاربة التنظيمات الإرهابية، خاصة عمليتي "السرفال" و"برخان". ويمكن الجزم بأن تلك العمليتين اللتين أدارتهما فرنسا في مالي منذ عام 2012 وحتى عام 2022 نجحتا بشكل كبير في تحييد نشاطات الجماعات الإرهابية؛ فأولًا نجحت عملية "السرفال" في إنقاذ مالي عامي 2012 و2013 من السقوط في أيدي الجماعات الإرهابية، وساهمت عملية برخان في دفع التنظيمات بعيدًا عن المدن المركزية. لكن بعد سحب فرنسا لقواتها تحت ضغط من انقلابيي مالي والنيجر وبوركينا فاسو، استعادت الجماعات الإرهابية مرة أخرى عافيتها، ولم تستطع موسكو ملء الفراغ العسكري الفرنسي، بل انخرطت قواتها غير النظامية المتمثلة في قوات فاجنر في ارتكاب جرائم إنسانية كبرى في مالي، الأمر الذي أسقط شعبية انقلابيي مالي في الفترة الأخيرة.
3) تعظيم الأدوار الإقليمية للدول الكبرى في الأقاليم الإفريقية:
في كل إقليم إفريقي توجد دولة رائدة مثل إقليم جنوب إفريقيا الذي تنشط فيه دولة جنوب إفريقيا. لذا يجب على نيجيريا التخلي عن حيادها الدبلوماسي في غرب إفريقيا، ويكون لها دور ضابط في العملية السياسية في دول غرب إفريقيا على غرار دورها الأخير في إفشال الانقلاب العسكري في بنين، وأن تشمل تدخلاتها العسكرية بقية دول الإقليم، وذلك نظرًا للتقارب الجغرافي والتداخل الإثني والعرقي بين دول غرب إفريقيا. لذا يجب أن تفعل أبوجا دور الدولة المركزية في غرب أفريقيا؛ فلا يعقل أن تشكل زمرة عسكرية حاكمة في مالي أو بوركينا فاسو مستقبل المنطقة معتمدين فقط على دعم وحماية ميليشيا "فاجنر" الروسية.
ختامًا:

يؤكّد استعراض المشهد الإفريقي الراهن أنّ القارة تقف عند مفترق طرق استثنائي، تتجاذبها طموحات التنمية والتحوّل الاقتصادي من جهة، وتحديات عدم الاستقرار والصراعات الداخلية من جهة أخرى. فعلى الرغم من الفرص الهائلة التي تمتلكها إفريقيا في مجالات الطاقة والمعادن والزراعة والبشر، فإن المسار التنموي ما يزال متعثرًا بفعل الانقلابات العسكرية، وتراجع الديمقراطية، وانتشار الجماعات المسلحة، وتزايد التدخلات الخارجية التي تعيد تشكيل خريطة النفوذ في الإقليم.
وفي المقابل، تُظهر العديد من الدول الإفريقية قدرة ملحوظة على مقاومة هذه التحديات عبر إطلاق إصلاحات اقتصادية، وتطوير شراكات دولية متوازنة، وتعزيز البنى المؤسسية. كما أنّ تزايد الوعي الشعبي، واتساع دور المنظمات الإقليمية، يشيران إلى بداية تشكل نظام إفريقي أكثر قدرة على إدارة الأزمات والتفاوض حول مصالحه بفاعلية أكبر.

إن مستقبل القارة الإفريقية مرهون اليوم بقدرة حكوماتها على بناء منظومات حكم رشيدة، وتحصين المجال السياسي، ودمج الشباب في الاقتصاد، مع الحدّ من تأثير القوى الخارجية التي تتعامل مع إفريقيا بوصفها ساحة تنافس جيوسياسي. كما يعتمد على قدرة الاتحاد الإفريقي على الانتقال من دور الوسيط إلى دور الفاعل القادر على فرض حلول واقعية للصراعات.
وبذلك، يمكن القول إنّ إفريقيا ليست قارة أزمات فقط، بل قارة تحوّلات كبرى، تحمل بين ثناياها إمكانات هائلة للتقدم إذا توافر الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والإدارة الرشيدة. وبين تحديات الحاضر وفرص المستقبل، يظل رهان الشعوب الإفريقية على التنمية والعدالة والاستقرار هو الطريق الوحيد القادر على نقل القارة إلى موقعها المستحق في النظام الدولي الجديد.



