نفوذ بلا ضجيج: كيف تحولت آسيا الوسطى إلى ساحة تنافس دولي؟
ساهم انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991 في إحداث تغيرات جيوسياسية كبيرة على الساحة الدولية، إذ برزت للعلن العديد من الدول التي كانت في السابق منضوية تحت راية الاتحاد السوفيتي، الذي امتدت أقاليمه المتسعة من الحدود اليابانية-الصينية شرقًا وحتى الحدود الألمانية غربًا.
في البداية، حظيت دول الجناح الأوروبي المستقلة عن الاتحاد السوفيتي سابقًا، من دول البلطيق ودول شرق أوروبا، بالاهتمام المتزايد من قبل دول غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، في حين حظيت دول القوقاز مثل أذربيجان وأرمينيا وجورجيا باهتمام أقل. أما دول آسيا الوسطى مثل كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان، وأخيرًا قيرغيزستان، فقد كانت الأقل اهتمامًا خلال الفترة الأولى من تحقيق استقلالها السياسي.
على مدار السنوات الماضية، عززت دول آسيا الوسطى مكانتها في المنظومة الدولية، خاصة مع بروز الخطط الدولية الرامية إلى إعادة استغلال تلك المنطقة وملء الفراغ الروسي فيها، لا سيما في ظل تمتعها بالعديد من الثروات الطبيعية والمعادن والغاز الطبيعي، إذ تشير التقديرات إلى احتوائها على أكثر من ثلث احتياطات الغاز الطبيعي على مستوى العالم.
تشترك تلك الدول في العديد من العوامل المشتركة، أبرزها أنها دول غير ساحلية باستثناء كازاخستان وتركمانستان اللتين تطلان على بحر قزوين، وهو بحر مغلق غير متصل بالبحار الدولية جغرافيًا. فضلًا عن أن الدين الإسلامي يشكل 90% من سكان تلك الدول، ورغم ذلك تتبنى معظم الحكومات في تلك المنطقة النهج العلماني المتوارث من حكم الحقبة الشيوعية السابقة.

وأخيرًا، يتميزون جميعًا بموقعهم الجغرافي الفريد، فهم يشكلون البطن الرخوة لروسيا الاتحادية والحديقة الخلفية لها، ومن ناحية أخرى يشكلون جميعًا الرئة الاقتصادية للصين، فمشروع الصين التنموي الذي أطلقته العقد الماضي، "مبادرة الحزام والطريق"، يعتمد بشكل رئيسي على تلك الدول. كما أن الموقع الجغرافي لتلك الدول يشرف على أكثر المناطق في العالم سخونة وتوترًا، مثل أفغانستان وإيران. وإزاء تلك الأهمية الفريدة لتلك المنطقة، فطنت العديد من الدول الإقليمية والدولية لأهمية بناء علاقات قوية مع تلك الدول وتوطيدها، ويأتي في مقدمة تلك الدول كل من تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة والصين وفرنسا وألمانيا، وفيما يلي سيتم التركيز بشكل واضح على الدورين التركي والإسرائيلي في المنطقة.
أولًا: حضور أمريكي خجول
يتميز الحضور الأمريكي في تلك المنطقة بالضعف والتردد في بناء علاقات قوية مع تلك الدول للعديد من الأسباب، أبرزها أن حكومات تلك الدول بعد الاستقلال حافظت على علاقاتها القوية بروسيا، فقادة الأحزاب الشيوعية في تلك الدول غداة الاستقلال أصبحوا رؤساء تلك الدول. فمثلًا، الرئيس الكازاخستاني السابق نور سلطان نزارباييف، الذي كان يشغل في السابق منصب رئيس وزراء جمهورية كازاخستان السوفيتية، ولاحقًا أصبح رئيس الجمهورية، وكذلك الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، الذي كان يشغل في السابق منصب رئيس الحزب الشيوعي الأوزبكي، وأيضًا رئيس طاجيكستان إمام علي رحمن، ورئيس تركمانستان صفر مراد نيازوف، وأخيرًا رئيس قيرغيزستان أسكار أكاييف، الذي ظل في الحكم حتى عام 2005، حيث بدأت الاضطرابات السياسية في البلاد.
ولم تشهد تلك الدول ما يسمى باسم الثورات الملونة البرتقالية إلا في مراحل متأخرة جدًا، عكس دول أوروبا الشرقية التي تبنت نهج الثورات البرتقالية للانسلاخ عن الحقبة الشيوعية القديمة، متبنية حالة عداء مع الحكومة الروسية، مثلما هو الحال في بولندا وأوكرانيا على سبيل المثال لا الحصر. فقيرغيزستان بدأت تشهد الثورات الملونة في عام 2005، وأوزبكستان في عام 2022.

ونتيجة لذلك، لم تشهد العلاقات الأمريكية مع تلك الدول تقدمًا كبيرًا، إذ اكتفت واشنطن بتعزيز تواجدها العسكري في قاعدتي كارشي-خان آباد في أوزبكستان، وتم إغلاق تلك القاعدة في عام 2005، والقاعدة الأخرى كانت في مطار ماناس بقيرغيزستان وتم إغلاقها في عام 2005. وساهمت هاتان القاعدتان في عمليات الإسناد الجوي للقوات الأمريكية العاملة في أفغانستان، وبعد تحول الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان إلى تقليل وجودها العسكري والاعتماد على المكون الأفغاني في مواجهة طالبان والقاعدة، قلت الأهمية الاستراتيجية لهاتين القاعدتين، مما أدى في النهاية إلى إغلاقهما.
ثانيًا: بروز العرق التركي
شكلت المنطقة الممتدة من غرب منغوليا وحتى هضبة الأناضول ميلاد ونشأة القبائل التركية الكبرى، والتي لعبت طوال فترة التاريخ الإسلامي دورًا حيويًا في استمرار الحضارة والدولة الإسلامية، التي رفعت رايتها القبائل التركية في مرحلة متأخرة من التاريخ الإسلامي. ونتيجة الأصول العرقية المشتركة بين دول آسيا الوسطى وتركيا وأذربيجان، تم تأسيس ما يسمى بـ"منظمة الدول التركية" في عام 2009.
وتقع الأمانة العامة لتلك المنظمة في إسطنبول، وتضم دولًا مثل كازاخستان وقيرغيزستان وتركيا وأذربيجان، وتتمتع دول مثل أوزبكستان بصفة مراقب، وكذلك الحال جمهورية شمال قبرص غير المعترف بها دوليًا، التي تتمتع بصفة مراقب في تلك المنظمة. وتسعى المنظمة إلى أن تكون منظمة تعاونية إنمائية بين الدول ذات العرق التركي، على غرار الاتحاد الأوروبي.
ثالثًا: إسرائيل والشراكة بعيدة الأمد
ليس معلومًا للجميع بشكل واضح أن إسرائيل تمتلك حضورًا قويًا في منطقة آسيا الوسطى، فعلى سبيل المثال توجد جمهورية يهودية ذاتية الحكم في أقصى شرق روسيا تُدعى جمهورية الأوبلاست اليهودية، فضلًا عن انتشار جاليات تاريخية في دول آسيا الوسطى مثل يهود بخارى وسمرقند.

يؤكد الكاتب الإسرائيلي أليكس وينستون في تقريره المنشور على صحيفة جيروزاليم بوست أن بلاده أقدمت على الاعتراف بالدول المستقلة في آسيا الوسطى خلال الفترة الممتدة من عامي 1991 وحتى عام 1992، وإقامة علاقات رسمية مع تلك الدول. ويتضح ذلك في افتتاح السفارة الإسرائيلية في طشقند، عاصمة أوزبكستان، في عام 1992، وافتتاح السفارة الأوزبكية في عام 1997. كما تبادلت الزيارات الرسمية، والتي أبرزها زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز إلى طشقند في عام 1994، والتوقيع على عدد من الاتفاقيات الخاصة بالسياحة والاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي والتعاون في مجالات الثقافة والفنون، وكل ذلك خلال فترة التسعينيات. وتوجت العلاقات بزيارة الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف لتل أبيب في عام 1998، ولقائه برئيس الوزراء حينها بنيامين نتنياهو، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 211 مليون دولار وفق إحصائيات عام 2023.
أما كازاخستان، والتي تعادل مساحتها مساحة دول غرب أوروبا مجتمعة، وأكبر دول آسيا الوسطى من الناحية الاقتصادية، فقد توجت العلاقات البينية في نوفمبر 2025 حينما انضمت كازاخستان رسميًا إلى اتفاقيات إبراهام. ويعود تاريخ العلاقات بين البلدين إلى عام 1992، حين افتتحت السفارة الإسرائيلية في ألماتي، وافتتحت كازاخستان سفارتها في عام 1996، كما تأسست الغرفة التجارية المشتركة بين البلدين في عام 2004. وفي عام 2016 قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارته الأولى إلى ألماتي.
وتعد ألماتي الشريك الاقتصادي الأهم لتل أبيب، إذ بلغ حجم التجارة البينية حوالي 500 مليون دولار سنويًا، معظمها في مجال الطاقة، حيث زودت كازاخستان خلال العام الماضي إسرائيل بحوالي 40% من احتياجاتها النفطية.

أما طاجيكستان، فبدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1992، إلا أن العلاقات بين البلدين لم تشهد تطورًا كبيرًا خلال الفترة الماضية، ويعود ذلك للعديد من الظروف، منها خشية دوشنبه، عاصمة طاجيكستان، من الانفتاح مع إسرائيل خشية تسلل العناصر المتطرفة من أفغانستان، إذ تمتلك حدودًا جبلية طويلة مع أفغانستان تُقدّر بحوالي ألف ميل. إلا أن ذلك لم يمنع الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن من لقاء رئيس الوزراء السابق إسحق رابين عام 1995، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعلى ذات المنوال، تمتلك قيرغيزستان علاقات أقل قوة مع إسرائيل، إذ تم الاعتراف المتبادل في عام 1992، وتبادل الطرفان العديد من الخبرات في مجالات الري والزراعة. إلا أن حالة عدم الاستقرار السياسي التي تمر بها البلاد منذ عام 2005 وحتى اليوم ساهمت بشكل كبير في تخفيف العلاقات بين البلدين. ودخلت تل أبيب على خط الصراعات العرقية في جنوب قيرغيزستان عام 2010، إذ قدمت تل أبيب العديد من الخدمات الأمنية والصحية لضحايا الاشتباكات العرقية في جنوب البلاد.
وأخيرًا، تعد العلاقات بين إسرائيل وتركمانستان الأكثر تطورًا خلال الفترة الأخيرة، إذ تبادلت الزيارات بين البلدين، وتحديدًا في عام 1994 حين زار وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز عشق آباد، تلتها زيارة الرئيس التركماني نيازوف إلى القدس مرتين في عامي 1995 و1997. وفي عام 2023 قام وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين بزيارة عشق آباد، كما تم تعيين إسماعيل خالدي كأول سفير إسرائيلي من أصول بدوية سفيرًا لإسرائيل في تركمانستان.
ملاذ اليهود الآمن
خلال الحرب العالمية الثانية، شكلت الجمهوريات السوفيتية في آسيا الوسطى الملاذ الآمن لليهود من شرق أوروبا، إذ عمل الاتحاد السوفيتي على تهجير مئات الآلاف من هؤلاء اليهود وإعادة توطينهم في دول آسيا الوسطى السوفيتية، خاصة في مدن طشقند وبخارى وسمرقند.
فكازاخستان وحدها كانت تضم عشرات الآلاف من اليهود عشية الاستقلال، إلا أن تلك الجالية، معظمها، هاجرت إلى إسرائيل في التسعينيات، ولم يتبق سوى 3300 يهودي فقط. وفي عام 2004 تم بناء كنيس بيت راحيل في مدينة أستانا ليكون معبرًا عن الطائفة اليهودية في كازاخستان.

أما أوزبكستان، فتعد من كبرى دول آسيا الوسطى من حيث تعداد اليهود بها، إذ يبلغ تعدادهم حوالي 13 ألف نسمة، منهم ثلاثة آلاف يهودي فقط في مدينة بخارى التاريخية. أما طاجيكستان، فكانت تضم 15 ألف يهودي في مطلع التسعينيات، إلا أن ظروف الحرب الأهلية والصراع الداخلي والفقر دفعت كل اليهود في البلاد إلى الهجرة إلى إسرائيل، ولم يتبق سوى عشرات اليهود، معظمهم من كبار السن.
ختامًا:
رويدًا رويدًا تبرز الأهمية الاقتصادية والسياسية والجغرافية لدول آسيا الوسطى، التي باتت تشكل ممرًا تجاريًا هامًا بين الصين وأوروبا، فضلًا عن تمتعها بوفرة شديدة في مصادر الطاقة مثل الغاز والنفط الخام، وهو الأمر الذي دفع دولًا مثل إسرائيل وتركيا إلى إعادة بناء شراكات استراتيجية مع تلك الدول، على أمل الاستفادة من الكنوز الاقتصادية التي تمثلها تلك الدول. وهو ما يجب أن تدركه الدول العربية، بأن تعيد رسم علاقاتها مع تلك الدول الهامة، خاصة في ظل وجود ماضٍ حضاري مشترك بيننا كدول عربية وبين دول آسيا الوسطى، كما أننا نشترك جميعًا تحت مظلة دينية واحدة.
وتاريخيًا، كانت تلك المنطقة مصدر أزمات للدول الإسلامية في مصر والشام، فمن دول آسيا الوسطى تحركت جحافل المغول بقيادة جنكيز خان وهولاكو، وأيضًا تحركت جحافل تيمور لنك الذي أباد العراق والشام، ومن هناك أيضًا برزت القومية التركية التي قارعت القومية العربية ريادتها على العالم الإسلامي.



