آثار مزعومة وواقع منهوب: كيف تُوظف إسرائيل التاريخ لابتلاع فلسطين؟
شنّت فصائل المقاومة الفلسطينية هجومها الشهير في 7 أكتوبر 2023، المعروف باسم "طوفان الأقصى"، ردًّا على الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق المسجد الأقصى وباحاته الرئيسية، والتي تمثّلت هذه الانتهاكات في العديد من الأمور، أبرزها عمليات الحفر والتنقيب أسفل المسجد الأقصى بحثًا عن الهيكل المزعوم، المعروف باسم هيكل سليمان.
بدأت عمليات الحفر والتنقيب أسفل المسجد الأقصى وباحاته الرئيسية عقب هزيمة الجيوش العربية في يونيو 1967، ودخول موشيه ديان المدينة المقدسة في 9 يونيو من ذلك العام، ومنذ ذلك التاريخ المشؤوم اندلعت الأعمال التخريبية أسفل المسجد الأقصى؛ إذ تم هدم حيّ المغاربة الملاصق لحائط البراق، وتم تخصيص باب المغاربة لدخول الجنود الإسرائيليين والمستوطنين إلى ساحات المسجد الأقصى.

لم تنفكّ عمليات الحفر والتنقيب، والتي زادت وتيرتها عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، خاصة في عهد رئيس الوزراء السابق أريئيل شارون، ولا سيما في عام 2004، وهو العام الذي شهد هدم أجزاء من باب المغاربة وتدمير مُصلّى ملحق بالمسجد يعود إلى العصر الأيوبي. وعلى مدار السنوات الماضية تضرّرت المباني الأثرية الملحقة بالمسجد الأقصى، وزاد خطر انهيارها وانهيار المسجد نفسه، وكل هذا من أجل الوصول إلى الهيكل المزعوم.

رغبة حميمة
تسعى إسرائيل منذ نشأتها عام 1948 وحتى اليوم إلى تحقيق الربط التاريخي بين الدولة المقامة حاليًّا وبين مملكتي يهوذا وإسرائيل، اللتين تم تدشينهما في عهود قديمة، واللتين تم القضاء عليهما على يد الإمبراطوريات العراقية الشهيرة، كالإمبراطوريتين البابلية والآشورية.
تشكل عملية الربط التاريخي بين القديم والحديث في إسرائيل الرغبة الحميمة التي تسعى تل أبيب إلى تحقيقها، الأمر الذي يعزز المقولات التاريخية والدينية المتداولة لدى طوائف الحركات الصهيونية، باعتبار أن فلسطين هي أرض الميعاد، وأنها ستكون مملكة إسرائيل الكبرى في النهاية.

ونتيجة لذلك، تسعى تل أبيب جاهدة إلى الوصول إلى ما يعزز فرضياتها التاريخية في إثبات وتحقيق الآثار التاريخية الخاصة بمملكتي يهوذا وإسرائيل. وعليه، ففي خضم الحملة العسكرية الأخيرة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدن شمال الضفة الغربية، يواكبها أيضًا حملة أثرية هدفها الأساس التنقيب عن الآثار اليهودية القديمة في شمال الضفة، وبناءً على ذلك تُجرى حاليًّا العديد من عمليات "التطهير الأثري" في قرى شمال الضفة الغربية.
تتواكب الحملات الأثرية المقامة حاليًّا في شمال الضفة الغربية مع الرغبات والطموحات الإسرائيلية التي تعالت مؤخرًا بضم الضفة الغربية وإعلان السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها، ولتعزيز تلك السياسة دأبت تل أبيب على استرجاع المخزون التاريخي الخاص بها في الضفة؛ فعلى سبيل المثال، غُيّرت المكاتبات والرسائل الداخلية الخاصة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية اسم الضفة الغربية إلى "يهودا والسامرة"، وهو المسمّى العبري القديم للضفة الغربية.

الاستيلاء على السامرة
لا تتوقف الخطط الإسرائيلية عن تهويد الضفة الغربية؛ فمؤخرًا، وخلال العملية العسكرية الأخيرة في شمال الضفة الغربية، أعلنت الإدارة الإسرائيلية في 19 نوفمبر الماضي عن خططها لمصادرة 1800 دونم، أي بما يعادل 450 فدانًا، من أراضي بلدة سبسطية الواقعة شمال مدينة نابلس الفلسطينية، الأمر الذي سيسبب انهيارًا اقتصاديًّا ومعيشيًّا لسكان البلدة، وهو ما ينذر باقتلاع 3000 شجرة زيتون، بعضها معمّر منذ مئات السنين.
تشكل بلدة سبسطية وضعًا خاصًّا في إطار الحياة الصهيونية عمومًا؛ فهي كانت في السابق عاصمة لمملكة إسرائيل الشمالية، وكانت تُسمّى قديمًا مدينة "السامرة"، وبالتالي تُعد بلدة سبسطية موقعًا أثريًّا متعدد الطبقات الأثرية ما بين اليهودية والإسلامية والرومانية. فعلى سبيل المثال، يوجد بالمدينة مسرح روماني وكنيسة بيزنطية وبقايا قصر الملك آخاب، أحد ملوك بني إسرائيل، كما يوجد بالمدينة بقايا المعبد الروماني الذي بناه الملك هيرودس، ملك يهوذا، تكريمًا للإمبراطور الروماني أغسطس.

خطة قديمة
تشير المصادر إلى أن خطة السيطرة على البلدة التاريخية الفلسطينية سبقت عملية "طوفان الأقصى"؛ ففي مايو 2023 تم تخصيص 32 مليون شيكل من أجل السيطرة على بلدة سبسطية تحت ذريعة تطوير وترميم العديد من المواقع الأثرية، وفي يوليو 2024 تم الاستيلاء على قمة تل سبسطية تحت ذريعة وجود تهديدات أمنية، وهو ما يُعد مخالفة للقانون الدولي الذي يحظر استخدام الممتلكات الثقافية لأغراض عسكرية.
ومما يفضح الرغبة الإسرائيلية في السيطرة على بلدة سبسطية تصريح وزير التراث والآثار الإسرائيلي أميخاي إلياهو، الذي قال: "لن نسلّم إرثنا للقتلة بعد الآن".

وتمتد معاناة مدينة سبسطية إلى عهد اتفاقيات أوسلو 1993، التي شطرت البلدة نصفين؛ فالبلدة نفسها تقع ضمن إطار المنطقة (ب)، التي تخضع لإدارة السلطة الوطنية الفلسطينية وحماية القوات الإسرائيلية، أما سهوب البلدة، التي يتم مصادرتها حاليًّا، فتقع ضمن المنطقة (ج) التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. وتعد منطقة السهوب هي الرئة الاقتصادية للبلدة وسكانها، كما أنها المنطقة الأثرية التي تبغي إسرائيل السيطرة عليها تمامًا.

عزل اقتصادي
لا ينكر السكان في بلدة سبسطية وجود الآثار اليهودية بالمنطقة، لكن ما يقلق السكان هو السياسات الممارسة من قبل الاحتلال، والمتمثلة في قطع الرئة الاقتصادية للبلدة، حيث تمثل تلك السهوب الأرض الزراعية الخاصة بها، وبها مزارع الزيتون الشهيرة. كما تسعى السلطات الإسرائيلية إلى فرض حالة عزلة تامة على البلدة الفلسطينية وسكانها؛ فلو وافق السكان على نزع ملكية أراضيهم تحت مسمّى أنها مناطق أثرية، فمن المحتمل أن يتقبل السكان هذا الأمر تحت فرضية أن يتحول النشاط الاقتصادي للبلدة من الناحية الزراعية إلى الناحية السياحية، إذ سينخرط السكان في تقديم الخدمات السياحية للزوار.

لكن ما يجري الآن هو قيام تل أبيب بتحويل مسار الزائرين للمنطقة عبر طريق خاص بعيدًا عن دخول البلدة الفلسطينية، وإنشاء مراكز للزوار، وتسييج المناطق الأثرية بالكامل، وفرض رسوم دخول لتلك المناطق، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى كارثة اقتصادية كبرى لسكان المدينة؛ فهم حُرموا من أراضيهم الزراعية من ناحية، وحُرموا أيضًا من الاستفادة من الخدمات السياحية التي سيتم تقديمها لزوار المنطقة.
وختامًا:
لا تتورع إسرائيل في توظيف أية فرصة متاحة لها لتحقيق هدفها المنشود في السيطرة على الأراضي الفلسطينية، مثل حماية الآثار على سبيل المثال؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه لحماية بقايا آثارها القليلة في بعض البلدات، تسعى جاهدة لهدم وطمس الآثار الفلسطينية الكبيرة، مثل المسجد الأقصى وباحاته الكبرى، حيث تعرّض المسجد الشريف لحريق ضخم في أغسطس 1969.

ومما يثير الأمر أن الضفة الغربية وحدها تمتلك آلاف المواقع الأثرية، حسبما أفاد موقع +972 العبري، وهو ما يُعد نقمة كبيرة على سكان الضفة؛ إذ قد تتخذ إسرائيل فرضية وجود تلك المواقع ذريعة لتحويلها إلى مناطق أثرية رسمية، وتعمل على عزل تلك المناطق وفرض السيطرة عليها، كما حدث في بلدة سبسطية بمدينة نابلس.



