التطبيع المؤجل: إسرائيل والبحث عن اختراق إسلامي جديد خارج العالم العربي
على مدار العقود الماضية، سعت تل أبيب إلى تطبيع علاقاتها مع الدول الإسلامية الكبرى خارج المنطقة العربية، مثل باكستان وإندونيسيا وتركيا، وذلك من أجل تشكيل حالة ضغط قوية على الدول العربية من ناحية، وتعزيز العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية من ناحية أخرى.
تُعد دولتا إندونيسيا وباكستان من كبرى الدول الإسلامية من حيث تعداد السكان والقدرات الاقتصادية والعسكرية؛ فإندونيسيا، التي تُعد من دول النمور الآسيوية الصاعدة، هي أيضًا أكبر دولة إسلامية من حيث التعداد السكاني، وتأتي باكستان في المرتبة الثانية بعد إندونيسيا من حيث عدد السكان المسلمين، فضلًا عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا، والذي اعتبرته العديد من القوى الإسلامية والعربية مكافئًا ومناظرًا للسلاح النووي الإسرائيلي.

كلا الدولتين كانت لهما سوابق تطبيع مع إسرائيل، إلا أنها لم تُكلل بالنجاح، ويرجع ذلك إلى الأزمات الإسرائيلية المستمرة مع الفلسطينيين، والتي كان آخرها الحرب الأخيرة في قطاع غزة، والتي عطلت العديد من مشروعات التقارب، خاصة مع إندونيسيا التي تمتلك معها علاقات اقتصادية قوية بعيدًا عن التطبيع السياسي. وفيما يلي سيتم استيضاح خطوات التطبيع الإسرائيلي مع كلا الدولتين.
باكستان.. الأمل الكبير
على مدار العقود الماضية، سعت إسرائيل إلى الضغط على باكستان من أجل التطبيع معها لعدة عوامل، أبرزها أنها ثاني أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، فضلًا عن موقعها الجغرافي الفريد على خليج عُمان، المدخل الجنوبي للخليج العربي، وقربها من إيران، وعلاقتها الأمنية المتميزة مع العديد من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تعتبرها إسرائيل من أشد أعدائها، وأخيرًا امتلاكها للسلاح النووي.
لعبت إسرائيل استراتيجية الضغط المتقدم على باكستان من أجل إخضاعها للتطبيع معها، من خلال تطوير العلاقات الهندية–الإسرائيلية، واستغلال الأزمات الحدودية الباكستانية–الهندية في دعم الهند، على أمل أن تتحرك باكستان لقطع العلاقات الهندية–الإسرائيلية بتحقيق تطبيع مع إسرائيل.
فمن الناحية الجيوسياسية، تُعد إسلام آباد أنفع وأكثر أهمية من الهند في حال تطبيع العلاقات معها، نظرًا للعوامل السابقة، وأبرزها التقاطع الجغرافي والسكاني مع إيران، فضلًا عن مركزية باكستان في العالم الإسلامي، وتحديدًا في أوساط الجماعات الإسلامية؛ فتجربة انفصال باكستان عن الهند عام 1947 تشكل حدثًا سياسيًا مهمًا في الأوساط الفكرية لدى الجماعات الإسلاموية في الشرق الأوسط.

فباكستان نشأت على أُسس هوية إسلامية مستقلة عن باقي الهويات الدينية في الهند، مثل السيخية والهندوسية وغيرها من مجتمع الديانات المختلطة في الهند، وهو ما يتوافق مع الرغبات الإسرائيلية في إنشاء دولة يكون أساسها الهوية الدينية الخالصة، كالمجتمع الباكستاني.
المقاطعة الأكثر صرامة
تنفذ باكستان مقاطعة أكثر صرامة ضد إسرائيل؛ فمنذ نشأة الدولتين ترفض باكستان الاعتراف بإسرائيل وإقامة أية علاقات دبلوماسية معها تحت أي ستار، فجوازات السفر الباكستانية تنص صراحة على عدم السفر إلى إسرائيل.
ورغم صرامة الموقف الباكستاني، الذي ينبع من مواقف دينية وسياسية وشعبوية، فإنه لم يكن عائقًا أمام بعض المحاولات للتقارب؛ فأولى تلك المحاولات التي تم رصدها كانت في سبتمبر 2005 على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، إذ التقى الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف برئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها أريئيل شارون، حيث استغل شارون خطة انسحابه من قطاع غزة في ذلك الوقت لتحقيق التقارب الإسرائيلي–الباكستاني، وتم الاتفاق وقتها على لقاء بين وزيري خارجية البلدين في تركيا.
لم تُسفر اجتماعات 2005 عن تقدم ملحوظ في العلاقات المتبادلة، إلا أنه في عام 2022، ومع موجة اتفاقيات إبراهام في ذلك الوقت، التقى وفد إعلامي وسياسي باكستاني بالرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ على هامش مؤتمر دافوس في سويسرا، إلا أن تلك المحاولة قوبلت بالفشل في الأوساط السياسية الباكستانية؛ إذ جاءت في وقت الأزمة السياسية الخاصة برئيس الوزراء السابق عمران خان، الذي ادعى وجود مؤامرة أمريكية–إسرائيلية لخلعه من الحكم، وتذرع بلقاء الوفد الباكستاني بالرئيس هرتسوغ، مما دفع هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى فصل الصحفيين والإعلاميين المشاركين في لقاء هرتسوغ، ومنهم الصحفي أحمد قريشي.

تذويب الجليد
بعد الحرب الأخيرة، والتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، وموافقة العديد من الدول الإسلامية الكبرى على نشر قواتها في غزة، ارتأت تل أبيب ضرورة استغلال مشاركة العديد من الدول الإسلامية في تلك القوة، خاصة أن مركز تلك القوات سيكون متمركزًا في معسكر كريات جات جنوبي تل أبيب، وهو ما سيمنح احتكاكًا سياسيًا قويًا بين تلك الدول المشاركة وإسرائيل، مما يسعى إلى تذويب الجليد بينهما.
وعليه، اندفعت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى إجراء لقاءات مع العديد من الإعلاميين والمؤثرين في تلك الدول، خاصة باكستان؛ فمؤخرًا عقدت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية حوارًا صحفيًا مع الصحفي الباكستاني أحمد قريشي، الذي يشكل حاليًا رأس حربة باكستانية في عملية التطبيع مع إسرائيل، لتوضيح رأيه الخاص في العلاقات بين البلدين.
يرى قريشي أن الدول العربية ومواقفها من إسرائيل تغيرت، وهو ما يجب أن ينسحب أيضًا على السياسات الباكستانية التي ينبغي أن تتغير إزاء إسرائيل، مشيرًا إلى أن سياسات بلاده بدأت تتغير وتتجه بقوة صوب المنطقة العربية، ويتضح ذلك من معاهدة الدفاع الباكستانية–السعودية، وتعزيز التعاون مع الأردن، فضلًا عن تبني إسلام آباد لمبادرة السلام العربية الصادرة عام 2002، والتي تربط حل الدولتين بالتطبيع مع إسرائيل.
جاكرتا والمسافة الآمنة مع تل أبيب
على عكس الموقف الباكستاني المتشدد، تمتلك إندونيسيا علاقات براجماتية قوية مع إسرائيل تمتد لعقود ماضية، إلا أنها في الوقت نفسه تخشى الضغوط الشعبية في حال المضي قدمًا في تحقيق التطبيع الكامل مع إسرائيل. ويمكن تفسير التخبط الإندونيسي في إلغاء زيارة الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى تل أبيب، والتي كان من المقرر لها أن تتم في 14 أكتوبر 2025 بعد المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ، إلا أن تلك الزيارة أُلغيت في اللحظة الأخيرة خشية أن تُوصم جاكرتا بأنها أول دولة تطبع العلاقات مع إسرائيل عقب حرب غزة الأخيرة.
ومؤخرًا أعلنت إندونيسيا أنها ستواصل الإبقاء على مسافة آمنة مع إسرائيل، خاصة مع رغبة جاكرتا في الانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي يقع مقرها في باريس وتُعد ملتقى دوليًا لتعزيز التقدم الاقتصادي والتجارة العالمية. ولدخول تلك المنظمة الدولية، التي تضم 38 عضوًا فقط، يُشترط الحصول على الموافقة الإسرائيلية.

فدستور المنظمة ينص على قبول أي دولة جديدة في عضوية المنظمة بالإجماع، وإسرائيل عضو بالمنظمة منذ عام 2010؛ لذا تُعد إسرائيل عائقًا أمام إندونيسيا من أجل الانضمام إلى تلك المؤسسة الدولية.
وتعود الأخبار المتعلقة بإلغاء زيارة الرئيس الإندونيسي إلى سلسلة مفاوضات سرية عُقدت بين الطرفين في أبريل 2024 من أجل التطبيع، مقابل تسهيل إسرائيل انضمام جاكرتا إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وذلك حسبما أعلنت قناة «i24 News» الإسرائيلية.
عقود من التعاون
تمتلك إندونيسيا وإسرائيل عقودًا طويلة من التعاون الاقتصادي المتبادل بين الطرفين؛ إذ بلغ حجم التجارة البينية بين البلدين 240.3 مليون دولار خلال عام 2024، وسبق التعاون الاقتصادي تعاون عسكري تم في عام 1980، حين استوردت جاكرتا طائرات إسرائيلية عبر وسيط أمريكي.

ورغم سوابق العلاقات بين البلدين، إلا أنه لم يتم تحقيق مبدأ الاعتراف المتبادل؛ بل على العكس، اعترفت إندونيسيا بفلسطين عام 1988 وفتحت سفارة لها في مدينة رام الله. وبعد التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993، استقبل الرئيس سوهارتو كلًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات.
وفي عام 1994، قام الرئيس الإندونيسي السابق عبد الرحمن وحيد بزيارة إسرائيل، حينما كان يشغل منصب رئيس عام منظمة نهضة العلماء المسلمين، وذلك قبل انتخابه رئيسًا للبلاد عام 1999.
وأخيرًا، يتضح مما سبق أن إسرائيل تستخدم سياسة العصا والجزرة في استقطاب الدول الإسلامية للتطبيع السياسي معها؛ فتستغل علاقاتها مع الهند لمواصلة الضغط على باكستان، وفي المقابل تستغل الرغبات الإندونيسية في الانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لدفعها نحو التطبيع معها.



