رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استنزاف العملاء: كيف بدأت شبكة إسرائيل الاستخبارية تتآكل في غزة ولبنان؟

ميليشيا ياسر أبو
ميليشيا ياسر أبو شباب التابعة لإسرائيل في غزة - أرشيفية

خلال الحرب الأخيرة في غزة ولبنان وإيران، تفاخرت إسرائيل كثيرًا بقدراتها الاستخبارية الهائلة، والقادرة على الوصول إلى أدق التفاصيل عن خصومها، إذ تمكنت من تصفية معظم قيادات حركة حماس، مثل إسماعيل هنية، ومحمد الضيف، وصالح العاروري، ويحيى السنوار، والمتحدث الإعلامي أبو عبيدة، وغيرهم من قادة الصف الأول.

وفي لبنان تمكنت أيضًا من اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وخليفته هاشم صفي الدين، ورئيس الأركان فؤاد شكر، وبعد التوقيع على الهدنة تمكنت من اغتيال هيثم طبطبائي رئيس الأركان الجديد، هذا فضلًا عن عملية "البيجر". 

أما في إيران فكانت ساحة مفتوحة أمام الاستخبارات الإسرائيلية، فقد تمكنت في الأيام الأولى من اغتيال دقيق لقائد القوة الجوفضائية بالحرس الثوري أمير حاجي زاده، فضلًا عن الاستهداف الدقيق للمواقع النووية الإيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز. 

الشيهخ نعيم قاسم - الأمين العام لحزب الله - أرشيفية
الشيهخ نعيم قاسم - الأمين العام لحزب الله - أرشيفية

بالغت الاستخبارات الإسرائيلية في إظهار قوتها، خاصة في قطاع غزة، خاصة بعد تدشين العديد من الميليشيات العسكرية والعشائرية في قطاع غزة، مثل ميليشيا "أبو شباب"، و ميليشيا "الأسطل"، وميليشيا عائلة "دغمش"، وكلها ميليشيات شكلها جهاز الأمن القومي الداخلي "الشاباك" لمناهضة وجود حركة حماس والفصائل الفلسطينية في غزة.    

مؤخرًا كشفت العديد من الوقائع عن بدء انهيار وتفكك منظومة الاستخبارات الإسرائيلية في غزة ولبنان، فمع مطلع الشهر الحالي تم اغتيال ياسر أبو شباب على يد أحد أتباعه في منطقة رفح جنوب قطاع غزة في 4 ديسمبر الماضي.

تصادف مريب

تزامن اغتيال ياسر أبو شباب مع كلمة ألقاها الأمين العام لحزب الله اللبناني نعيم قاسم، تحدث خلالها عن الظروف التي تمر بها لبنان والحزب، ومحذرًا من خطورة نزع سلاح الحزب، وما يهمنا من خطاب قاسم هنا هو الثناء والمدح لشهداء الحزب خلال الحرب الماضية، إلا أنه استثنى شخصًا واحدًا من الثناء، وهو الشيخ نبيل قاووق، مسؤول الأمن الوقائي في حزب الله، والذي تم اغتياله في 29 سبتمبر 2025 بواسطة غارة جوية إسرائيلية استهدفت شقته السكنية.

الشيخ نبيل قاووق - مسؤول الأمن الوقائي السابق في حزب الله
الشيخ نبيل قاووق - مسؤول الأمن الوقائي السابق في حزب الله

أثار عدم ذكر نبيل قاووق خلال خطاب قاسم الأخير العديد من التكهنات حول ملابسات اغتياله الأخيرة، فالعديد من المصادر المقربة من حزب الله ادعت بعمالة قاووق للمخابرات الإسرائيلية، وأنه ساهم بشكل فعال في تحديد بنوك الأهداف للغارات الإسرائيلية، فطاووق فعليًا كان يشغل المنصب الثالث الأكثر أهمية في حزب الله بعد منصبي الأمين العام ورئيس أركان الحزب.

تواصل العديد من المصادر اللبنانية، والتي نقلتها قناة "الجديد" اللبنانية، ادعاءاتها بأن طاووق تم ترتيب عملية اغتياله من قبل الحزب، إذ قُيِّد في شقته بمفرده بعدما علمت قيادة الحزب بنية الاحتلال قصف المبنى، وبالتالي يكون الحزب قد تخلص من أحد العملاء الكبار بأيدٍ إسرائيلية، محققًا بذلك مكسبًا هامًا، وهو التخلص من عميل شديد الخطورة، بالإضافة إلى الحفاظ على صورة الحزب في مخيال مقاتلي الحزب، خاصة لو أن الحزب أعلن صراحة عمالة طاووق فإن ذلك سيحمل آثارًا سلبية على نفسية مقاتليه.

يتهرب حزب الله اللبناني وآلته الإعلامية من الإجابة على التساؤل الهام، وهو مدى علاقة قاووق بإسرائيل، إذ يرفض الإفصاح بشكل علني، وادعت الأبواق الإعلامية بأن الحزب سبق أن نعاه في الماضي ولا حاجة إلى المزيد من النعي في الوقت الحاضر.

مما يثير الاهتمام في تلك القصة هو ما أعلنته صحيفتا "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" في يناير 2015، حينما ادعتا أن المخابرات الإسرائيلية رفقة نظيرتها الأمريكية تمكنتا من اغتيال القائد الثاني في حزب الله عماد مغنية، في منطقة كفر سوسة بدمشق عام 2008، دون الإفصاح عن كيفية الكشف عن هوية وموقع مغنية في سوريا، الأمر الذي أثار الريبة حول نجاح أجهزة الاستخبارات في البلدين في تجنيد عميل ذي شأن مقرب من قيادة الحزب ومن مغنية ذاته.

ياسر أبو شباب
ياسر أبو شباب

ومما يثير الجدل أيضًا حول شخصية طاووق هو أنه كان المسؤول عن الأمن الوقائي للحزب، وبالتالي كان مسؤولًا عن ملف الاتصالات الداخلية في الحزب، وتحديدًا الاتصالات التي يتم تمريرها عبر أجهزة النداء الآلي "البيجر"، وهو الأمر الذي يزيد الشكوك لدى الجميع من احتمالية نجاح المخابرات الإسرائيلية في تجنيد قاووق أو الدائرة المقربة منه، خاصة أنه كان المسؤول عن شراء أجهزة البيجر المفخخة.

ومما يزيد عملية الشكوك، الكتاب الذي صدر حديثًا عن رئيس الموساد السابق يوسي كوهين "بالأحابيل تُصنع الأفاعيل"، والذي ذكر فيه أنه نجح في مطلع التسعينيات في تجنيد واحد من أبرز قيادات حزب الله المقربة من عماد مغنية، وأعطاه اسمًا كوديًا يدعى "عبد الله"، وكان هذا العميل يبحث عن تأمين مستقبله المالي، خاصة في الأرجنتين التي كانت تشهد نشاطًا هامًا لحزب الله.

وكان تجنيد العميل الهام عبر تواصله مع رجل أعمال أرجنتيني من أجل القيام بمشروع تجاري مشترك، ولم يدرك المسؤول في الحزب وقتها بأن رجل الأعمال الأرجنتيني هو في الأساس ضابط مخابرات من الموساد، ونجحت الخطة في استقطاب تلك القيادة العليا في الحزب وأصبح أبرز عملاء إسرائيل.

حسام الأسطل
حسام الأسطل

هزائم استخباراتية

لو صحت الأقاويل الخاصة بقاووق فإن مقتله يعد ضربة موجعة للاستخبارات الإسرائيلية، أما الأهم والمؤكد أن مقتل ياسر أبو شباب يعد أيضًا هزيمة كبرى لأجهزة المخابرات الإسرائيلية، فرغم نفي إسرائيل مقتله على يد حركة حماس، وادعاء مقتله على يد أحد مساعديه نتيجة خلافات شخصية، إلا أنه في الحقيقة تعد حركة حماس متورطة بشكل أساسي في عملية اغتيال أبو شباب.

فالوقائع تشير إلى عثور الجيش الإسرائيلي على مواد إغاثية وغذائية في أنفاق استعملتها حركة حماس خلال الحرب الأخيرة، وأن تلك المواد سبق أن مررها الجيش الإسرائيلي إلى جماعة أبو شباب، مما دفع قيادة الجيش الإسرائيلي إلى حظر تحركات جماعة أبو شباب من وإلى إسرائيل، وتقليص حصتها من المواد الغذائية خشية من اختراق حماس لجماعة أبو شباب.

وبعد إجراء تحقيقات داخلية تبين أن جمعة أبو سنيمة هو المتورط في عملية تزويد حماس بالمواد الغذائية، مما أدى إلى اعتقاله، وهو ما دفع شقيقه محمود أبو سنيمة إلى التوجه لمنزل أبو شباب ومواجهته بعنف، مما أدى إلى التشاجر بين الطرفين، وقيام أبو سنيمة باغتيال ياسر أبو شباب على خلفية احتجاز شقيقه، كما تمت إصابة نائب ياسر أبو شباب، غسان الدحيني، في ساقه اليسرى، مما استدعى دخوله إحدى المستشفيات الإسرائيلية للعلاج، وبعد خروجه من المستشفى قام الدحيني بالعديد من التصفيات الجسدية داخل الحركة، مثل قتل جمعة ومحمود أبو سنيمة، فضلًا عن اغتيال عدد من حراس ياسر أبو شباب لقاعسهم عن توفير الحماية له.

كتائب القسام في غزة 
كتائب القسام في غزة 

وختامًا:

 يتضح من سياقات التطورات الأمنية الأخيرة أن المجمع الاستخباري الإسرائيلي بات يواجه معضلة كبرى تتمثل في توفير الحماية القصوى لعملائه على الأرض، سواء في لبنان أو في غزة، فخسارة أبو شباب وطاووق (في حال التأكد من عمالته) تعد هزيمة استخباراتية لإسرائيل ستكلفها الكثير في المستقبل.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء