تمويل دولي غائب وتهديدات متصاعدة: مستقبل السلام الإفريقي على المحك
مع بدء اقترابنا من المرحلة الثانية من تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة واحتمالية تشكيل قوة الاستقرار الدولية المزمع إنشاؤها في قطاع غزة، لا تثور أية مشكلة متعلقة بتمويل تلك القوة، فقد خططت واشنطن تقريبًا لكل شيء بما فيها تكاليف إعادة إعمار غزة، إذ حددت واشنطن أن المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي والدول الخليجية هي من ستمول قوة الاستقرار الدولية وعملية إعادة الإعمار في قطاع غزة.
التحرك الأمريكي السريع في تأمين الدعم المالي لقوة الاستقرار في غزة يشير إلى سياسة الكيل بمكيالين، ففي الوقت الذي تحجم فيه واشنطن عن دعم وتمويل عمليات حفظ السلام في إفريقيا، الأمر الذي يقوض مهامها ويعرض أمن الدول الإفريقية لأخطار محدقة، نجدها تتسارع في تأمين الدعم المالي للعمليات الأمنية والسياسية في غزة، ويرجع ذلك إلى رغبتها في تأمين القومي الإسرائيلي وعدم تعرضه لأية أخطار محدقة.

مشهد مالي متغير
تعاني عمليات السلام التي تقودها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في القارة الإفريقية حاليًا من تضاؤل التمويل الممنوح لها، الأمر الذي يدفع الاتحاد الإفريقي إلى إعادة الحديث حول إيجاد حلول تمويلية لعملياته في إفريقيا ودراسة أثر نقص التمويل على تحقيق الاستقرار في القارة والمعضلات التي باتت تواجهها عمليات حفظ السلام القائمة.
شهدت عمليات السلام التي باشرها الاتحاد الإفريقي في مطلع الألفية الجديدة تعاونًا من المجتمع الدولي ومؤسسات التعاون الإنمائي الدولي، التي ساهمت في تمويل العديد من البعثات الأفريقية الناجحة، مثل بعثة الاتحاد الإفريقي في بروندي وبعثة الاتحاد الإفريقي في السودان، وكذلك بعثات الاتحاد في الصومال ومالي وإفريقيا الوسطى.

ساهمت الأحداث العالمية التي أعقبت جائحة "كورونا" في إحداث تغييرات على المشهد الدولي، نجم عنها تقليل وتحجيم حجم الإنفاق المالي على البعثات الدولية لحفظ السلام، وبروز اتجاهات جديدة في النظام الدولي، أبرزها إعادة هيكلة النظام العالمي وبروز الحرب الروسية الأوكرانية وابتعاد معظم الدول المانحة عن الاشتراك في عمليات متعددة الأطراف. فمثلًا، فرنسا خلال عملياتها في أفريقيا اعتمدت بشكل رئيس على قواتها المسلحة في عمليتي "السرفال" و"برخان" في وقف تمدد التنظيمات الإرهابية في مالي.
ضبابية المشهد العالمي
لم تسفر "قمة العشرين" التي عقدت مؤخرًا نهاية نوفمبر الماضي في جنوب إفريقيا عن أية ترتيبات دولية بشأن تمويل عمليات "حفظ السلام"، وفشلت الخطط الإفريقية خلال القمة في دفع الدول الكبرى لإعادة تبني مفهوم حفظ السلام في إفريقيا وتمويله. ومما يزيد الأمر سوءًا، أن القمة المقبلة ستكون في الولايات المتحدة حيث يرفض الرئيس دونالد ترامب دخول بلاده في مثل تلك العمليات. ولعل موقفه الأخير من المشروع الروسي الذي قدم في مجلس الأمن الخاص بغزة خير دليل على ذلك، إذ رفضت بلاده أن تكون قوة الاستقرار الدولية في غزة ضمن أعمال الأمم المتحدة وتحت مظلة الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، بل ذهبت إدارة ترامب إلى الانسحاب من هيئات الأمم المتحدة غير المتوافقة مع سياسات واشنطن الجديدة مثل اتفاقية باريس للمناخ وخفض تمويل منظومة الأمم المتحدة.

ونتيجة لوقف تمويل عمليات "حفظ السلام"، لم يقدم مجلس الأمن خلال السنوات العشر الماضية على إجراء أية عملية لحفظ السلام في إفريقيا أو في العالم، رغم أن تلك الفترة شهدت تقلبات وأزمات سياسية كبرى في العديد من البقاع مثل سوريا والعراق وليبيا والعديد من الدول الإفريقية شرقها وغربها، الأمر الذي فاقم ظاهرة العنف في تلك المناطق وساهم في تمدد وانتشار العديد من الجماعات المتطرفة.
إعادة تسليح الدول
خلق الرئيس دونالد ترامب خلال فترة رئاسته الأولى والثانية حالة من عدم اليقين في المؤسسات الدولية. فالموقف الأمريكي من الأزمة الأوكرانية دفع العديد من الدول الغربية مثل ألمانيا وفرنسا إلى إعادة الإنفاق بشكل واسع على تسليح جيوشها وتنمية قدراتها الدفاعية، تخوفًا من تملص واشنطن من تعهداتها والتزاماتها الخاصة بحلف شمال الأطلسي، وهو ما انعكس في النهاية على التزامات تلك الدول بدعم عمليات حفظ وبناء السلام الدولية.

كيفية التمويل
تأثرت العديد من العمليات الإفريقية التي يباشرها الاتحاد الإفريقي بنقص التمويل اللازم، مثل بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال "الأميصوم"، التي سبق تمويلها مباشرة من الاتحاد الأوروبي، إلا أنها مؤخرًا عانت من قلة الموارد والتمويل الكافي، مما استدعى إنهاء عملها تدريجيًا في الصومال. ففي عام 2022 تم تشكيل قوة انتقالية من الاتحاد الإفريقي تحت مسمى "أتميس" لمساعدة الحكومة الفيدرالية الصومالية حتى الانتهاء الكامل من العملية بنهاية عام 2024.
ذاتية التمويل
ونتيجة لانعدام التمويل الدولي لعمليات حفظ السلام في إفريقيا، لجأ الاتحاد الإفريقي إلى عملية التمويل الذاتي للعديد من العمليات القائمة والمستقبلية، ومن أبرزها:
تمويل الدول الرائدة: تقوم الفكرة على تولي إحدى الدول الإفريقية عملية تمويل إحدى البعثات لحفظ السلام في الدول المجاورة لها، مما يحقق غايتين: حفظ السلام وحفظ الأمن القومي للدولة الراعية والممولة. مثل قيام نيجيريا الدولة الرائدة في غرب أفريقيا بتحمل العبء الأكبر من تكاليف فريق المراقبين العسكريين التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإيكواس" في كل من ليبيريا وسيراليون. كما لعبت دولة جنوب إفريقيا نفس الدور في بعثة الاتحاد الإفريقي في بروندي، كما مولت الجماعة الإنمائية لدول الجنوب الإفريقي "السادك" عمليات حفظ السلام في كل من موزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

تعزيز الجهود الوطنية بدعم إفريقي: يتمثل هذا الاتجاه في توفير الدعم للدول التي تعاني من اضطراب عملية السلام بها عن طريق دعم جيوشها الوطنية في تحقيق إعادة الانتشار في المناطق المضطربة، وإيجاد آلية للتنسيق الإقليمي لحفظ السلام، مثل المبادرة الإقليمية للقضاء على تنظيم جيش الرب في شمال أوغندا، وعمليات الدعم التي تتلقاها السودان والكونغو وغيرها من الدول.
تمويل صندوق السلام التابع للاتحاد الإفريقي: مؤخرًا جرى الاعتماد على هذا الصندوق بكثافة في العمليات منخفضة التكاليف الاقتصادية، مثل بعثات المراقبة غير المسلحة ومبادرات الوساطة بين الأطراف المتصارعة.

التمويل الذاتي سلاح ذو حدين
في السابق، أدت عمليات حفظ السلام في إفريقيا، خاصة الكبيرة وغنية التمويل، إلى تعقيد الأزمات السياسية في العديد من الدول، إذ بقيت تلك العمليات دون استراتيجية واضحة. فعلى سبيل المثال، بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال "الأميصوم" نجحت في البداية في طرد جماعة "شباب المجاهدين" من العاصمة مقديشيو، ودفعتها إلى الولايات الوسطى، إلا أنها تعثرت بشكل كبير في مواصلة جهودها لطرد التنظيم من الصومال والقضاء عليه، ويرجع ذلك إلى ارتكان النخب الحاكمة في مقديشيو على البعثة الإفريقية في تأمين محيط العاصمة الفيدرالية، وبالتالي تحولت البعثة تدريجيًا من بعثة لحفظ السلام والقضاء على الإرهاب إلى بعثة لتثبيت استقرار النظام الوليد وحمايته.
قوات حفظ السلام - أرشيقية ">الأمر الذي أدى في النهاية إلى تكاسل الرؤساء الصوماليين منذ إسقاط حكم المحاكم الإسلامية في عام 2006 في استعادة السيطرة على كافة البلاد والقضاء على الإرهاب المتمثل في حركة "شباب المجاهدين"، مرتكنين إلى الدور الذي تقوم به قوات الأميصوم.
لذا قد يكون من المحتمل أن يكون تمويل عمليات صغيرة الحجم ومنخفضة التمويل دافعًا للحكومات الإفريقية للتحرك السريع والتعاون الفعال مع البعثات الأفريقية من أجل تثبيت السلام وإعادة الأمن مرة أخرى بالاعتماد على الجهود الذاتية لتلك الدول مع بعض المساعدة الإقليمية والقارية.

وفي المقابل، قد يكون انخفاض التمويل والبعثات المحدودة عاملاً لتزايد العنف وعدم الاستقرار، خاصة إذا كانت العملية متشعبة في مهامها بين الأمنية والعسكرية والقضائية والاقتصادية والإدارية. ولعل التخوفات التي أبدتها مصر أثناء توقيعها على اتفاقية المشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي الجديدة في الصومال في ديسمبر 2025 ("الأوصوم") خير دليل على ذلك، إذ دعت القاهرة إلى ضرورة توفير التمويل المستدام والكافي للبعثة الجديدة، خاصة أن القاهرة قررت المشاركة بعشرة آلاف جندي، وهو ما يستدعي وجود تمويل مستدام للبعثة، وترى القاهرة أيضًا أنه يجب أن يكون التمويل إفريقيًا، فالتجارب السابقة التي اعتمدت على مصادر تمويل غير إفريقية أثبتت فشلها وعدم نجاحتها.
ختامًا:
توجد نقطة يجب التحذير منها، وهي أن إحدى أدوات التمويل تدفع الدول الرائدة في الأقاليم الإفريقية إلى اتخاذ مبادرات لحفظ السلام وتمويلها، وهو ما قد يثير حفيظة الدول الأخرى في الإقليم، ويقصد هنا تحديدًا الدور النيجيري. فمؤخرًا توسعت نيجيريا إقليميًا في سيراليون وليبيريا، إلا أن دورها قوبل برفض شديد من قبل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مما أدى إلى خروج الدول الثلاثة من تنظيم الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإيكواس". كما حظي التدخل النيجيري الأخير بوأد الانقلاب في بنين بغضب شديد داخل دول غرب إفريقيا مثل بوركينا فاسو، التي هددت بإسقاط الطائرات النيجيرية حال دخولها المجال الجوي البوركيني.



