رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الحصار إلى الشراكة: استراتيجية إسرائيل في كسر العزلة الإقليمية

 المستشار الألماني
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء الإسرائيلي

انتهزت المعارضة الإسرائيلية حضور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لجلسة الأربعين توقيعًا في الكنيست الإسرائيلي لتوجيه اتهاماتها له وللحكومة بتسببها في انهيار العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة، وجادل نتنياهو نواب المعارضة في ذلك الأمر، موضحًا أن بلاده في الفترة الأخيرة نجحت وتمكنت بشكل كبير من استعادة علاقاتها الدبلوماسية بالعديد من القوى الكبرى على مستوى العالم، خاصة روسيا والهند وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

دافعت العديد من الصحف الإسرائيلية، مثل صحيفة "جيروزاليم بوست"، عن وجهة نظر نتنياهو، متهمة "اتهامات المعارضة الإسرائيلية" بفقدانها المنطق؛ فلو تم تقديم هذا الاتهام في مرحلة مبكرة، وتحديدًا في الصيف الماضي، لكان الاتهام يبدو أكثر منطقية، حيث إنه في تلك الفترة سارعت عشر دول أوروبية على الأقل إلى الاعتراف الرسمي بفلسطين، وسبقها تحركات من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث جنوب إفريقيا وكولومبيا، في حشد المجتمع الدولي لتوجيه إدانات واتهامات للنظام الإسرائيلي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

رئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا
رئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا

الحد الكافي

ربما يثور جدل حول حقيقة وجود مقاطعة دبلوماسية مع إسرائيل وفرض حصار دبلوماسي عليها؛ فخلال الفترة الأخيرة بدا أن هناك حصارًا دبلوماسيًا، لكن بتحليل مشاهد العلاقات الخارجية الإسرائيلية نجد أن تل أبيب احتفظت بمرونة شديدة في علاقاتها الدولية، وتمكنت من الاحتفاظ بالحد الأدنى من العلاقات الدبلوماسية القوية.

فعلى سبيل المثال، لم تنقطع علاقاتها بالدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، بل شهدت تعاونًا متبادلًا خلال فترة الحرب؛ فواشنطن كانت الداعم الأول لسياسات تل أبيب، أما موسكو فلم تتدخل في وقف وردع الاعتداءات الإسرائيلية على إيران، والتي تُعد من أبرز الحلفاء والمتعاونين مع موسكو في المنطقة، وأخيرًا احتفظت تل أبيب بعلاقات قوية ومتينة مع كل من ألمانيا والهند، وهما من أكبر الشركاء العسكريين لتل أبيب.

نتنياهو وأردوغان
نتنياهو وأردوغان

عودة تدريجية للدبلوماسية الإسرائيلية

بانقضاء الحرب في قطاع غزة انقضت الأسباب الداعية لفرض حصار دبلوماسي على إسرائيل، وذلك وفق نظر العديد من القوى الأوروبية، مثل القرار الألماني الصادر باستعادة تبادل تصدير السلاح مع إسرائيل في نوفمبر الماضي، وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من إصدار برلين قرارها بحظر جزئي لتجارة السلاح مع إسرائيل في أغسطس 2025. وبادرت برلين بعودة علاقتها التجارية العسكرية بتل أبيب باستيراد منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية «آرو 3»، والتي تُعد الأعلى قيمة ضمن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.

وبالإضافة إلى عودة العلاقات التجارية العسكرية، قام المستشار الألماني فريدريش ميرتس بزيارة تل أبيب مؤخرًا، الأمر الذي أعطى دفعة سياسية قوية للائتلاف الحاكم في تل أبيب، وتصوير قدرته على سرعة استعادة العلاقات الدبلوماسية لبلاده مع الدول الكبرى. وعشية لقاء المستشار الألماني، تلقى نتنياهو اتصالًا من نظيره الهندي ناريندرا مودي، وحرص الإعلام الإسرائيلي على إبراز تلك المكالمة ونشر تغريدات مودي التي كتبها باللغة العبرية والإنجليزية، والتي تحدث فيها عن علاقته بإسرائيل ورئيس وزرائها.

وأخيرًا، في سلسلة استعادة وتعزيز إسرائيل لعلاقاتها الدبلوماسية، لبّى نتنياهو دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيارة واشنطن، ومن المقرر أن تكون الزيارة في 29 ديسمبر المقبل، على أن تستمر الزيارة ثمانية أيام. وتُعد تلك الزيارة هي الخامسة لنتنياهو منذ عودة ترامب للحكم في يناير 2025، واللقاء السادس بينهما، إذ التقى الطرفان في القدس خلال خطاب ترامب أمام الكنيست الإسرائيلي.

وعلى مستوى أدنى من العلاقات الدبلوماسية، تواصل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مع وزير خارجية بوليفيا فرناندو أرامايو، وتم الاتفاق على إصدار بيان مشترك يفيد بعودة العلاقات بين البلدين، والتي تدهورت مع فوز المرشح اليساري إيفو موراليس عام 2006، إلا أن الأمور عادت مرة أخرى مع تولي الرئيس الحالي رودريجو رئاسة البلاد في أكتوبر 2025.

نتنياهو وسارة ورئيس وزراء الهند 
نتنياهو وسارة ورئيس وزراء الهند 

وتعلّق تل أبيب آمالها على نتائج الانتخابات في كل من تشيلي والبرازيل وكولومبيا؛ فمن المقرر إجراء الانتخابات في تشيلي هذا الأسبوع، والتي تشهد تقدم المرشح اليميني خوسيه أنطونيو كاست على مرشحي اليسار. كما تنظر تل أبيب بعين الاعتبار إلى الانتخابات البرازيلية في عام 2026، والتي قد تأتي بمرشحين أكثر ميلًا لليمين، مما يساهم في عودة العلاقات بين الطرفين من ناحية، وزيادة فرض العقوبات على الأنشطة الإيرانية في أمريكا اللاتينية، خاصة تحركات حزب الله. كما تتمنى تل أبيب إزاحة الماركسي اليساري غوستافو بيترو من رئاسة كولومبيا في انتخابات 2026.

كسر الجمود مع القاهرة

ما يمكن تأكيده هو انعدام العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط؛ فنتيجة الحرب الأخيرة دفعت العديد من الدول العربية إلى تجميد اتفاقيات إبراهيم على خلفية الاعتداءات على غزة. أما العلاقات المصرية الإسرائيلية فقد وصلت إلى أدنى مستوياتها الدبلوماسية منذ نشأتها عقب اتفاقية السلام عام 1979، إذ أدت الرغبة الإسرائيلية في تهجير سكان قطاع غزة ودفعهم إلى سيناء إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بين تل أبيب والقاهرة، وقطعها تمامًا، وإبقاؤها فقط في ملف التنسيق الأمني بين الطرفين.

مؤخرًا، تدور تكهنات حول رغبة إسرائيلية في استعادة علاقتها بالقاهرة دبلوماسيًا؛ فعلى سبيل المثال، أفادت صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية بأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بصدد زيارة واشنطن خلال الفترة المقبلة ولقاء الرئيس دونالد ترامب، خاصة بعد إلغاء زيارته السابقة، والتي كان من المقرر لها في ربيع 2025، بسبب رغبة واشنطن في ذلك الوقت تهجير سكان غزة إلى سيناء وتحويل غزة إلى منتجع سياحي.

الرئيس عبد الفتاح السيسي - أرشيفية
الرئيس عبد الفتاح السيسي - أرشيفية

وأشارت الصحيفة الإماراتية الناطقة بالإنجليزية إلى احتمالية تزامن زيارة الرئيس المصري مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، إذ تأمل واشنطن في عقد اجتماع ثلاثي بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية، وهو ما قد يعزز الموقف السياسي والدبلوماسي لإسرائيل في المنطقة.

وتدور التكهنات حول أبرز القضايا المطروحة للنقاش خلال القمة المصرية الأمريكية المزمعة خلال الفترة المقبلة، والتي من المحتمل أن تشمل قضايا مثل المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ورغبة القاهرة في تعديل أجزاء من اتفاقية السلام عام 1979، إذ ترى ضرورة تخفيف بعض القيود الواردة في الاتفاقية، خاصة عدد الأفراد ونوع الأسلحة المقرر نشرها في المنطقة (ج) المتاخمة للحدود مع إسرائيل، وذلك خاصة بعد قيام مصر بتعزيز تواجدها في تلك المنطقة في مايو الماضي، على خلفية الاتجاهات الإسرائيلية وقتها بضرورة تهجير سكان غزة إلى سيناء.

هذا بالإضافة إلى مناقشة مسألة التعاون مع مصر في مسألة تسييل الغاز الطبيعي وإعادة تصديره إلى أوروبا، والتي من المحتمل، وفقًا للمصادر الإسرائيلية، أن تجني القاهرة 35 مليار دولار جراء تلك الصفقة.

وتشير المصادر الإسرائيلية، مثل صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، إلى رغبة تل أبيب في استعادة علاقتها مع القاهرة لكسر الحصار الإقليمي لها، على أن تكون صفقة الغاز هي رأس الحربة في استعادة التوازن في العلاقات. واستنادًا إلى "تايمز أوف إسرائيل"، التي ادعت أن نتنياهو يخطط لمقابلة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، في محاولة لكسر الجمود الدبلوماسي بين البلدين.

وختامًا:

 تضع تل أبيب حاليًا نصب عينيها مسألة استعادة علاقاتها الدبلوماسية الإقليمية، خاصة مع الدول المؤثرة إقليميًا، وفي المقدمة مصر، التي نجحت خلال الفترة الماضية في فرض رؤيتها للحل السياسي في قطاع غزة، واستضافة مؤتمر شرم الشيخ للسلام، ورعاية اتفاق وقف إطلاق النار، واستعدادها للمشاركة في المرحلة الثانية من اتفاق غزة.

وفي المقابل، تطرح القاهرة رؤيتها الوطنية المتمثلة في الحفاظ على سيادة واستقلال سيناء، وإبقائها بعيدة عن أية مخططات إسرائيلية مستقبلية في توطين الغزيين بها، كما حدث في الشهور السابقة. لذا ستربط القاهرة أية ترتيبات دبلوماسية لاحقة مع إسرائيل بمسألة تعديل اتفاقية السلام، والسماح بتعزيز الحضور العسكري في المنطقة (ج) ليكون رادعًا لأية محاولات إسرائيلية مستقبلية لترحيل سكان غزة.

وتعلم القاهرة أيضًا أنه يتم استغلال ملف المياه في الضغط على مواقفها في المنطقة، لذا، لو تمت زيارة الرئيس المصري لواشنطن خلال الفترة المقبلة، سيتم إعادة طرح مسألة إدارة سد النهضة للنقاش مع الإدارة الأمريكية، وبيان الموقف المصري من تلك القضية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء