رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عام على سقوط الأسد: نجاحات هشة وتحديات طائفية تهدد مسار التحول السياسي

احتفال السوريين بالذكرى
احتفال السوريين بالذكرى الأولى لسقوط الأسد

تعيش سوريا اليوم أجواء احتفالية بالذكرى الأولى لسقوط نظام "حزب البعث" بقيادة الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وتولي هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع السلطة في دمشق بعد سلسلة معارك قصيرة الأجل. ففي أقل من أسبوعين تقريبًا انحدر مقاتلو "هيئة تحرير الشام" من محافظة إدلب الشمالية جنوبًا باتجاه المدن السورية، وخلال أيام قليلة معدودات نجحوا في إسقاط المدن السورية الكبرى واحدة تلو الأخرى مثل حلب وحمص وحماة وأخيرًا دمشق.

مرّ التمرد أو الثورة السورية بالعديد من العثرات منذ الانطلاقة الأولى في فبراير 2011 بمدينة درعا الجنوبية، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى تحول التمرد السوري إلى أحداث أكثر درامية ودموية في التاريخ السوري. فعلى مدار 14 عامًا تقريبًا عانى الشعب السوري من القتل على الهوية الدينية والسياسية والتشريد وتجربة مرارة اللجوء خارج وداخل بلادهم.

التمدد الإسرائيلي في سوريا - أرشيفية
التمدد الإسرائيلي في سوريا - أرشيفية

لم يكن من المتوقع أن يسقط "نظام البعث" في بضعة أيام قليلة بعدما ظل متماسكًا وقويًا أمام ضربات الجماعات المتطرفة والمتمردة المسلحة، وهو ما يثير الجدل حول كيفية سقوط "نظام الأسد" بتلك الصورة السريعة والمريعة. ولعل الإجابة التي تقترب من حالة القناعة هي حالة الضعف التي أصابت حلفاء الأسد، خاصة إيران وحزب الله، فكلاهما مُني بهزائم قاتلة على يد إسرائيل خلال حرب الإثني عشر يومًا وما بعدها. فحزب الله نتيجة ضرب قواعده في جنوب لبنان ومقتل أمينه العام حسن نصر الله لجأ إلى سحب معظم قواته من الجانب السوري ودفعها إلى سهل البقاع اللبناني ثم إلى مناطق جنوب لبنان لمواجهة الحرب الضارية مع إسرائيل.

في الثامن من ديسمبر 2024 اعتلى قائد "هيئة تحرير الشام" أبو محمد الجولاني سابقًا، أحمد الشرع حاليًا، كرسيّ السلطة في جبل قاسيون ليفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة في التاريخ السوري، منهياً ستة عقود متتالية من حكم "حزب البعث" العربي الاشتراكي.

لم يجد الشرع ذو الخلفية الإسلامية الجهادية أية مقاومة تُذكر من قبل المجتمع الدولي، بل على العكس ساهمت الجهود الدولية في تثبيت نظام الشرع. فسارعت كل من تركيا ودول الخليج العربي إلى تقديم العون للنظام الجديد من كافة النواحي، خاصة الدبلوماسية. فعلى سبيل المثال سهّلت المملكة العربية السعودية ترتيب لقاء بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2025 بالعاصمة الرياض، وهو ما أسفر عن رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن سوريا ورفع اسم الرئيس السوري ووزرائه من قوائم الإرهاب في مطلع نوفمبر الماضي، وأخيرًا زيارة الشرع للبيت الأبيض ليصبح أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض في التاريخ.

الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع
الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع

إنجازات الشرع

حققت الحكومة السورية المؤقتة خلال العام المنصرم العديد من الإنجازات السياسية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وإن كانت على المستوى الخارجي أكثر وضوحًا وتأثيرًا. ويمكن تلخيص تلك الإنجازات في النقاط التالية:

أولًا: كسر العزلة الدولية

عانت دمشق، حتى قبل بدء الأزمة السورية في عام 2011، من حالة عزلة دولية كبيرة نتيجة تبني سياسات لم ترق للمجتمع الدولي، أبرزها الدعم اللامتناهي لنظام الملالي في إيران. لذا استغل الشرع صعوده السياسي في بناء علاقات قوية مع القوى العالمية، خاصة الولايات المتحدة، وتوّج ذلك بزيارته لواشنطن في 10 نوفمبر 2025.

ثانيًا: تراجع العنف

وصل العنف إلى أدنى مستوياته في عام 2025، إذ اختفت ظاهرة البراميل المتفجرة وتوارى تنظيم "داعش" إلى الوراء وتفككت معظم خلاياه الرئيسية في سوريا - إلى حد ما-. وفي المقابل برز نوع جديد من العنف في البلاد وهو "العنف الطائفي" في مناطق السويداء والساحل السوري في اللاذقية.

ثالثًا: تحسن الأوضاع الاقتصادية بشكل نسبي

ساهم الدعم الخليجي، خاصة السعودي والقطري، فضلًا عن رفع العقوبات الأمريكية، في تحقيق تحسن بسيط في الأوضاع الاقتصادية السورية، تجلّى في عودة خدمة التيار الكهربائي بانتظام في المراكز الحضرية الرئيسية فقط، لكنها عادت بأسعار مرتفعة. ويتجلى التحسن الاقتصادي في تقارير صندوق النقد الدولي الذي أكد أن الوضع في سوريا بات مستقرًا ويُظهر بوادر انتعاش اقتصادي قادم.

قوات الأمن الداخلي في سوريا - أرشيفية
قوات الأمن الداخلي في سوريا - أرشيفية

رابعًا: تعزيز الحريات

شهدت سوريا، خاصة دمشق، حالة سياسية لم تعرفها المدينة الشامية منذ نصف قرن تقريبًا، وهي حالة الانفتاح السياسي العام الذي يتركز في حريات التعبير وتكوين الجمعيات السياسية والأهلية وحرية إبداء الرأي دون خوف من تعقب المخابرات الجوية.

خامسًا: عودة الاستثمارات السورية

ساهمت حالة الاستقرار السياسي خلال العام الأخير في عودة الاستثمارات الشخصية السورية الصغيرة. فرويدًا رويدًا عادت حركة الإنشاءات في المدن السورية، وبدأت حملات مدنية مجتمعية من أجل تدوير الأنقاض التي تُقدّر بـ 40 مليون طن. كما بدأت العديد من العائلات السورية إعادة بناء مساكنها المتهدمة.

سادسًا: استعادة القطاع العام السوري

بانهيار نظام الأسد توقّع الكثيرون انهيار القطاع العام السوري وتسريح موظفيه، إلا أن المساعدات الخليجية، خاصة القطرية والسعودية، مكّنت الحكومة الحالية من استعادة القطاع العام ودفع رواتب موظفيه، مما ساهم في تعزيز استقرار الدولة حتى الآن.

تحديات عالقة

بعد استعراض إنجازات الحكومة السورية خلال العام المنقضي، فإنه مؤخرًا برزت العديد من التحديات والمعوقات التي من شأنها تهديد الاستقرار السوري، والذي ما يزال هشًا للغاية. فما تزال الحكومة الحالية تفتقر إلى الخبرات اللازمة لإدارة الوضع الانتقالي، وقد تتسبب بعض الأخطاء في انهيار النظام السياسي أو دخول الأزمة السورية في نفق جديد. ومن أبرز تلك التحديات:

أولًا: زيادة حدة التوترات الطائفية

بلغت التوترات الطائفية في سوريا ذروتها خلال العام الحالي، إذ لقي تقريبًا 3400 مواطن سوري حتفهم جراء أعمال عنف مرتبطة بالنزعات الطائفية. ففي مدينة حمص تجري أحداث عنف متبادلة بين الطائفة العلوية والسنية، ويتكرر الأمر بصورة دائمة في محافظة اللاذقية، وكذلك في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد. وفي الجنوب يزداد التوتر بين الحكومة في دمشق والمكون الدرزي في محافظة السويداء الجنوبية.

احتفال السوريين بسقوط الأسد 
احتفال السوريين بسقوط الأسد 

ثانيًا: مراكز القوى الناشئة

خلال وجود "هيئة تحرير الشام" في إدلب شكّلت الهيئة حكومة مصغرة من الموظفين والعمال. وبعد دخول دمشق انتقل مسؤولو إدلب إلى العاصمة مشكلين مراكز قوى سياسية ناشئة، الأمر الذي خلق سلطتين محليتين الآن في دمشق: إحداهما رسمية موروثة عن النظام السابق، والأخرى واردة من إدلب جاءت مع النظام الحالي. وتحاول مجموعة إدلب فرض سيطرتها الإدارية على الأمور في دمشق وإدارة العملية الاقتصادية السورية.

ثالثًا: فساد إدلب الناشئ

ساهم انتقال عناصر إدلب إلى دمشق في ازدياد صدام ثقافي بين الإدليبين والدمشقيين. فـ"الإدليون" يتميزون بالتشدد الديني والصرامة في تطبيق الشرائع الدينية، أما "الدمشقيون" فهم على الحالة الليبرالية العلمانية الموروثة منذ عقود. وهو ما دعا العديد من العناصر الوافدة من إدلب إلى السعي للحصول على امتيازات شخصية وإعفاءات مالية مثل إعفائهم من دفع غرامات المرور. وتجلّى هذا في نفوذ جمال الشرع شقيق الرئيس السوري، والذي تم إغلاق مكتبه بعد ورود شكاوى كثيرة عن استغلاله لمنصب شقيقه لتحقيق مكاسب شخصية.

قوات الأمن الداخلي في سوريا - أرشيفية
قوات الأمن الداخلي في سوريا - أرشيفية

رابعًا: تركيز السلطة

تجري حاليًا محاولات لتشكيل هيئة سياسية جامعة في دمشق تقوم مقام الحزب الحاكم. ويبرز في هذا الاتجاه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي نجح في تكوين دائرة سياسية مغلقة تتولى معظم السلطة السياسية في البلاد. ونجح الشيباني في الاستيلاء على معظم أروقة وزارة الخارجية ونشر رجاله في مواقع متعددة. أما الرئيس الشرع فعمل على ترقية إخوته، فتولى أخوه حازم الشرع مسؤولية الاستثمار في البلاد، بينما يتولى ماهر الشرع منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية.

بشار الأسد - أرشيفية
بشار الأسد - أرشيفية

خامسًا: ضعف الجهاز البيروقراطي

عند دخول أحمد الشرع لدمشق في 8 ديسمبر الماضي صرّح بأن الوضع في دمشق متدنٍ من الناحية الخدمية عكس الوضع في إدلب. وعلى نفس المنوال اشتكى عناصر "هيئة تحرير الشام" فور دخولهم دمشق من انعدام الخبرات البيروقراطية في العديد من المراكز السياسية والإدارية. فعلى سبيل المثال تم إغلاق مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الخارجية منذ خمس سنوات، كما أن العديد من الإدارات أصبحت مهجورة خلال الفترة الأخيرة. وفي محاولة للتغلب على هذا الأمر طرحت الحكومة برنامجًا لاستقطاب الكفاءات السورية المغتربة للعودة للعمل من جديد في سوريا.

سادسًا: تباطؤ عملية إعادة الإعمار

قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بحوالي 216 مليار دولار، وما تم توفيره حتى الآن حوالي 3.2 مليار دولار معظمها جاء من خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة. كما تعاني شركات المقاولات من عدم توفر معدات البناء والمواد اللازمة، فضلًا عن ندرة العمال وارتفاع أجورهم. وقد يؤدي تباطؤ عملية إعادة الإعمار إلى تباطؤ في عودة اللاجئين.

قوات الأمن الداخلي في سوريا - أرشيفية
قوات الأمن الداخلي في سوريا - أرشيفية

سابعًا: التوسع الإسرائيلي في الجنوب

منذ 8 ديسمبر الماضي توسعت إسرائيل في جنوب سوريا واستعادت احتلالها لمنطقة جبل الشيخ، منشئة أكثر من عشر مواقع عسكرية على سفوح وتلال الجبل. وتستغل تل أبيب تواجدها في مراكز متقدمة داخل سوريا لشن غارات بين الحين والآخر على مواقع في الداخل السوري بدعوى حماية الأمن القومي الإسرائيلي من هجمات محتملة، كما حدث في عملية بيت جن مؤخرًا.

وأخيرًا:

ينبغي على الحكومة السورية الحالية توسيع نطاق كوادرها البشرية خارج مجموعة إدلب، وتعيين التكنوقراط المهرة في إدارة الهيئات والوزارات، وبناء جيل جديد من الخبراء والفنيين القادرين على المساعدة في إعادة إعمار البلاد. كما ينبغي التوصل إلى صيغة تفاهمية تحافظ على النسيج المجتمعي السوري ونبذ الخلافات الطائفية التي قد تؤدي إلى إشعال الحرب الأهلية السورية مرة أخرى.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء