من بلفور إلى فوينتس: كيف استخدم الجمهوريون "معاداة السامية" كسلاح سياسي؟
خلال خطابه الأخير في الكنيست الإسرائيلي في مناقشة "الأربعين توقيعًا"، وهي آلية تسمح للمعارضة الإسرائيلية بإلزام رئيس الحكومة بالمثول مرة واحدة شهريًا أمام الكنيست، دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن الدبلوماسية الإسرائيلية واصفًا إياها بتحقيق نجاحات مدوية، وفي المقابل ألقى باللوم على ما يسمى "معاداة السامية" في محاولة تشويه الصورة الإسرائيلية في الرأي العام العالمي.
خلال العامين الماضيين واجهت إسرائيل تحديات دبلوماسية كبرى إبان فترة الحرب على غزة، إذ قاطعت معظم الدول الأوروبية إسرائيل تجاريًا وفرضت الكثير من الدول الأوروبية وغيرها حظر تصدير الأسلحة ومواد الطاقة إلى تل أبيب، الأمر الذي أثقل كاهل الاقتصاد الإسرائيلي. وبلغ الأمر ذروته حينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قرارها بتوقيف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يواف غالانت، وتقدمت جنوب إفريقيا بدعوى أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي في هولندا تتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة إنسانية في قطاع غزة.

تدّعي تل أبيب أن الحملات الدبلوماسية والسياسية المضادة لها في أوروبا وأمريكا منبعها ما يسمى معاداة السامية، وهو مصطلح يشير بوضوح إلى التمييز والكراهية ضد اليهود. ويعود جذور المصطلح إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حين تصاعدت موجات الاضطهاد ضد التجمعات اليهودية في أوروبا الشرقية والغربية، والتي بلغت ذروتها قبيل الحرب العالمية الثانية وكانت سببًا فيما يسمى مذابح الهولوكوست.
الانقلاب التاريخي
ساهمت التيارات اليمينية المحافظة التي نشأت في أوروبا مطلع القرن العشرين في تأجيج معاداة السامية في المجتمعات الأوروبية. فعلى سبيل المثال، كان اللورد أرثر جيمس بلفور، زعيم حزب المحافظين البريطاني ورئيس الوزراء في الفترة من 1902 وحتى 1905 والذي شغل أيضًا منصب وزير الخارجية البريطاني خلال الفترة من عام 1916 وحتى 1919، من أشد معادي السامية في المجتمع البريطاني، وخلال تلك الفترة أصدر مرسومه ووعده الشهير ببناء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وكان بلفور قد اتخذ العديد من القرارات التي من شأنها معاقبة اليهود والتنفير منهم. فعلى سبيل المثال، إبان رئاسته للحكومة البريطانية عام 1905، سن قانون الأجانب في مجلس العموم البريطاني للحد من الهجرات اليهودية البولندية إلى إنجلترا، إذ كان يعاني اليهود في وارسو خلال تلك الفترة من اضطهادات واضطرابات مستمرة. وسبق أن وصم الهجرات اليهودية لبريطانيا في مطلع القرن العشرين بـ"الشرور التي لا شك فيها"، وذلك وفق ما ذكره الكاتب الفلسطيني جوزيف مسعد في مقالته المعنونة "كير ستارمر والتاريخ الحقيقي لمعاداة السامية في بريطانيا" المنشورة في موقع حركة المسار الفلسطيني الثوري البديل عام 2021.

ويضيف مسعد أن بلفور الذي أصدر وعده الشهير كان مؤمنًا بالتفوق العرقي الفريد للعرق الأنجلو–ساكسوني، وهو ما يتوازى مع الرؤية النازية التي كانت تنادي بتفوق العرق الآري واحتقار الأعراق الأخرى مثل اليهود. ويمكن تفسير وعد بلفور بأنه كان خطة مزدوجة البعدين لدى بلفور؛ بعدها الأول هو إبعاد اليهود عن بريطانيا والمجتمع البريطاني، والبعد الثاني الاستفادة من الأموال اليهودية في مساعدة الإمبراطورية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى.
وعلى درب حزب المحافظين البريطاني في معاداة السامية سار أيضًا حزب العمال الاشتراكي الألماني (المعروف بالحزب النازي)، بل بالغ في اضطهاد اليهود وإبعادهم عن ألمانيا، وتبنى خطة مشابهة لخطة بلفور لإقامة وطن قومي لليهود خارج الأراضي الأوروبية. فبينما اقترح بلفور فلسطين عام 1917، اقترح رئيس القسم اليهودي في وزارة الخارجية الألمانية فرايز راديماخر إعادة توطين اليهود في مدغشقر في يوليو 1940 مستفيدًا من خضوع فرنسا ومستعمراتها لألمانيا في خضم الحرب العالمية الثانية.
معاداة السامية في أوساط الأحزاب اليمينية الأوروبية والأمريكية، وأنه سلوك موروث في تلك الأحزاب. وفسرت المساعدات التي أتت من تلك الأحزاب لتدعيم إسرائيل وتسكين وتوطين اليهود في فلسطين على أنها تعاطف مع القضية اليهودية، إلا أنها في الحقيقة كانت محاولة من تلك القوى لدفع الشرور بعيدًا عنها، كما عبر رئيس حزب المحافظين البريطاني اللورد بلفور. وما إن انقضت الحاجة وتمكن اليهود من فلسطين، فلا حرج في أن تعود معاداة السامية في أوساط قوى اليمين في أوروبا وأمريكا والإعلان عنها صراحة.

يبدو أن الجماعات والتنظيمات اليهودية والصهيونية الأوروبية والأمريكية تناست أو تغافلت عمدًا مسألة معاداة السامية في أوساط الأحزاب اليمينية الأوروبية والأمريكية، وأنه سلوك موروث في تلك الأحزاب. وفسرت المساعدات التي أتت من تلك الأحزاب لتدعيم إسرائيل وتسكين وتوطين اليهود في فلسطين على أنها تعاطف مع القضية اليهودية، إلا أنها في الحقيقة كانت محاولة من تلك القوى لدفع الشرور بعيدًا عنها، كما عبر رئيس حزب المحافظين البريطاني اللورد بلفور. وما إن انقضت الحاجة وتمكن اليهود من فلسطين، فلا حرج في أن تعود معاداة السامية في أوساط قوى اليمين في أوروبا وأمريكا والإعلان عنها صراحة.
نقطة أخيرة ينبغي الإشارة إليها، وهي التفريق بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية؛ فمعاداة الصهيونية حركة اعتراض على التصرفات والأفعال الإسرائيلية بحق الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، أما معاداة السامية فهي حركة فكرية تقوم على التمييز العرقي والديني وانتقاص الأمم والأديان المغايرة وإبراز سمو الجنس الأبيض بأعراقه الأنجلو–ساكسونية والآرية.
وخلطت المنظمات اليهودية والإسرائيلية بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية؛ إذ عادة ما وُصِمَت اعتراضات القوى اليسارية الأوروبية على السياسات الإسرائيلية بأنها معاداة للسامية. وعليه، اتخذت الأحزاب اليمينية المحافظة في أوروبا وأمريكا تلك الحجة لوصم خصومهم السياسيين بمعاداة السامية. فعلى سبيل المثال، دأب الحزب الجمهوري الأمريكي على اتهام نظيره الديمقراطي بأنه مأوى لمعاداة السامية.
انقلاب الجمهوريين
على مدار التاريخ الإسرائيلي–الأمريكي اعتُبِر الحزب الجمهوري هو الوصي الأمين على المصالح الإسرائيلية في المجتمع الأمريكي، الأمر الذي دفع العديد من المراقبين إلى اعتبار أن الحزب الجمهوري هو الامتداد الطبيعي للصهيونية الإسرائيلية في المجتمع الأمريكي، متجاهلين في الوقت نفسه المقولات والمبادئ التي بنى عليها اليمين الأمريكي المتمثل في الحزب الجمهوري والتي تشي بشكل واضح بمعاداة السامية في أروقة الحزب.

كما أوضحنا سابقًا، فإن التأييد اليميني الأوروبي–الأمريكي لإسرائيل يأتي من باب دفع الشرور، وما إن تحقق الدعم الإسرائيلي فلا مانع من إبراز الأفكار المعادية للسامية في المجتمعات اليمينية المحافظة. ففي شهر نوفمبر 2025 استضاف المذيع الأمريكي تاكر كارلسون، والمقرب من الحزب الجمهوري، الناشط النازي الأمريكي واليميني المتطرف نيك فوينتس، الذي عُرف عنه انتقاده لليهود ومناداته بتفوق العرق الأبيض وضرورة الدخول في حرب مقدسة ضد اليهود، وأخيرًا إنكار الهولوكوست، فضلًا عن تمجيد شخصية الزعيم النازي أدولف هتلر.
شكلت استضافة نيك فوينتس بمثابة القنبلة السياسية التي كشفت عن حقيقة النوايا اليمينية الأمريكية، وأسقطت معها الحملات السابقة التي روّجها الحزب الجمهوري بأن الحزب الديمقراطي هو من يعادي السامية، حيث تركزت المقابلة حول انتقاد إسرائيل واعتمادها بشكل دائم على الدعم الأمريكي لها.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الاحتفاء بنيك فوينتس في أروقة الحزب الجمهوري. ففي عام 2022 دُعي لتناول العشاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتجع مارلاغو بولاية فلوريدا رفقة مغني الراب الأمريكي كاني ويست. وردًا على تلك الدعوة ادعى ترامب في البداية جهله بشخص فوينتس، وحاول أعضاء الحزب الجمهوري التقليل من الحدث واعتباره مجرد دعوة عشاء. ومن المثير أنه حينما سُئل ترامب عن فوينتس رفض الرئيس الأمريكي استنكار أفكاره ورفضها.
لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا
هذا هو الشعار الذي بنى عليه الحزب الجمهوري حملاته اليمينية خلال السنوات العشر الماضية، وساهم برنامج الحزب في تشجيع الحركات السياسية المشبعة بمعاداة السامية ودعمها، وذلك من أجل تعزيز مسيرة الحزب. كما ادعى برنامج الحزب تعرض أمريكا لمؤامرة عالمية يقودها اليهودي المجري–الأمريكي جورج سوروس والعديد من النخب المصاحبة له. وسبق أن هدد ترامب بملاحقة جورج سوروس عقب مقتل الناشط اليميني تشارلي كيرك في سبتمبر الماضي.
وينشط أعضاء الحزب الجمهوري في دعم الشخصيات المعادية للسامية. فمثلًا، عضو الكونجرس عن الحزب الجمهوري تيد كروز، والذي يبدي دعمه لإسرائيل في العلن، إلا أن تحركاته تشي بمعاداته للسامية؛ ففي حملته لسباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 داخل الحزب، عين الناشط المناهض للسامية تروي نيومان عضوًا في حملته الانتخابية، كما استعان به مرة أخرى خلال حملته الانتخابية لعضوية الكونجرس عام 2024.

وختامًا:
من المؤكد أن مقابلة كارلسون–فوينتس ستحمل دلالات كبيرة تتجاوز معاداة السامية، إذ ستكشف طبيعة التكوين الفكري والعقائدي للحزب الجمهوري الأمريكي والأحزاب اليمينية في أوروبا، كما ستنهي عقودًا من الإنكار التي مارستها الأحزاب اليمينية بأنها ليست معادية للسامية، وأن الأحزاب اليسارية فقط هي من تعادي السامية سواء في أوروبا أو أمريكا.
كما أنه من المحتمل أن يتم مستقبلًا فضّ الاشتباك بين مصطلحي معاداة السامية ـــ بوصفه مصطلحًا عنصريًا بغيضًا ـــ وبين مصطلح معاداة الصهيونية، الذي ينمّ عن اعتراض سياسي مشروع على السياسات الإسرائيلية الجائرة بحق الشعب الفلسطيني.



