سرديات إثيوبية مضللة: كيف تصنع أديس أبابا روايتها الخاصة عن سد النهضة؟
تعد منطقة القرن الإفريقي أكثر مناطق العالم اضطرابًا من الناحية السياسية والأمنية، فمعظم دوله تعيش في حالة اضطراب أمني شديد؛ فالصومال تعاني منذ عقود من حالة فشل الدولة المركزية وانتشار العصابات والجماعات المتطرفة، والتي يأتي على رأسها ما يسمى حركة "شباب المجاهدين" التي تعد أبرز التنظيمات الأصولية المسلحة في منطقة شرق إفريقيا.
ومثلما هو الحال في الصومال لا تختلف دول الجوار كثيرًا؛ فإثيوبيا على سبيل المثال تعاني من اضطرابات أمنية على خلفية حرب أهلية سابقة بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وجماعة "التيجراي" في شمال شرق البلاد، ورغم حالة التفكك والهشاشة التي تعانيها دول المنطقة إلا أن دوله لا تنفك في إثارة المزيد من الاضطرابات الأمنية في دول الجوار، فأديس أبابا وتحت رغبتها الملحة في كسر عزلتها الجغرافية تسعى إلى الوصول إلى ساحل البحر الأحمر، الأمر الذي دفع إلى المزيد من التوترات مع جارتيها إريتريا والصومال.
وإلى جانب الأزمات السابقة تبرز أزمة أخرى قديمة متجددة وهي أزمة سد النهضة الإثيوبي، والتي تشترك فيها إثيوبيا والسودان ومصر، فلم تستطع الدول الثلاث التوصل إلى صيغ توافقية حول كيفية تشغيل السد وتقسيم المياه بشكل عادل ومنصف بين الجميع، فلا تزال الاتهامات متبادلة بين الجانبين؛ أي المصري والإثيوبي، حول تلك القضية.

تتعدد التحليلات والدراسات المتناولة لتلك القضايا السابقة مثل هشاشة الدول وانتشار التنظيمات المتطرفة وقضية سد النهضة، إلا أنه مؤخرًا صدرت تقارير وتحليلات تحاول الربط بين قضيتي "سد النهضة"، وبين تحركات حركة "شباب المجاهدين"، إذ تحاول تلك التحليلات إيجاد علاقة ارتباطية بين الطرفين في محاولة مبطنة لتحميل أطراف النزاع في قضية "سد النهضة" مسئولية تعاظم أنشطة حركة "شباب المجاهدين" في الصومال.
إسفين مائي
في تحليل صادر عن موقع The National Interest حمل عنوان: "كيف يُهدد النزاع على مياه النيل جهود مكافحة الإرهاب" — How the Nile Water Dispute Threatens Counter-Terrorism Efforts — للكاتبين دانيال سويفت وسوزان سو، اتهم التقرير كلا الأطراف الفاعلة في الأزمة في زيادة نشاط حركة الشباب في الصومال وتقويض الجهود الإقليمية والدولية في مكافحة الحركة، وأفاد التقرير أن تلك المساهمة تأتي بطريقة غير مباشرة.
يحاول الكاتبان في هذا التحليل الربط بين الجهود الإقليمية في مكافحة الإرهاب وبين قضية سد النهضة، إذ يمثل القرن الإفريقي مفترق طرق جيوسياسي متقلب حيث تلتقي طموحات الحصول على المياه العذبة مع طموحات أخرى مثل تعزيز الوصول إلى الطاقة الكهربائية والوصول إلى الموانئ وأيضًا العمليات العسكرية على الجماعات الإرهابية، وهو في النهاية قد يؤثر على الأمن القومي الأمريكي.

حركة الشباب والأمن القومي الأمريكي
حاول الكاتبان تضخيم قدرات "حركة الشباب الصومالية" باعتبارها تحديًا رئيسًا للأمن القومي الأمريكي، فسابقًا صنفت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2008 حركة الشباب كمنظمة إرهابية، وعليه قامت القيادة الأمريكية في إفريقيا "الإفريكوم" بالعديد من العمليات العسكرية ضد معاقل الحركة في الصومال.
وللتدليل على تهديد حركة الشباب للأمن القومي الأمريكي يستدل الكاتبان على قصة المواطن الكيني شولو عبدي عبد الله، الذي التحق بمدرسة طيران في الفلبين للتدريب على قيادة الطائرات المدنية في ديسمبر 2020، ويدعي مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية أن عبد الله كان يخطط لاختطاف إحدى الطائرات وإسقاطها على غرار هجمات 11 سبتمبر، وتم ترحيل المتهم إلى أمريكا والذي تمت إدانته في فبراير الماضي.
ومن هنا يطالب التحليل بأهمية تسريع وتيرة التدخل الأمريكي السياسي بين دول المنطقة لوقف التوترات الأمنية والسياسية بين جميع الدول لأجل توحيد جهود مكافحة الإرهاب والقضاء على تهديدات حركة الشباب.

تعثر الجهود الدولية
لمواجهة تحركات "حركة الشباب" قامت الأمم المتحدة بتشكيل قوة دولية تضم مصر وإثيوبيا ودولًا أخرى لمواجهة تمدد الحركة الإرهابية، لكن يرى التحليل الأمريكي أن النزاعات الإقليمية حول المياه بين شركاء حفظ السلام في الصومال تقوض قدرة القوات المتحالفة على التعاون المثمر في مواجهة التهديدات الإرهابية.
حاولا الكاتبان – في حالة من التحامل الغير مبرر- القاء مسؤولية نشاط ونمو حركة شباب المجاهدين على الأطراف المشتركة في أزمة "سد النهضة" الذي افتتحته إثيوبيا بتكلفة 5 مليارات دولار ويسيطر على أكبر روافد نهر النيل.
يدعي الكاتبان أن بناء سد النهضة أنهى قرنًا من الاتفاقيات التي تمت في الحقبة الاستعمارية والتي كانت تصب في صالح كل من مصر والسودان، ويبدو أن الكاتبين لم يراجعا الحقبات التاريخية التي تم فيها التوقيع على اتفاقيات المياه ولا حتى التاريخ الاستعماري في الدول الإفريقية، خاصة إثيوبيا التي لا تمتلك ماضيًا استعماريًا قويًا؛ فتقريبًا تم احتلال إثيوبيا أربع أو خمس سنوات فقط من عام 1936 وحتى عام 1941 من قبل إيطاليا، وهي الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية، وأنه خلال تلك الفترة لم يتم التوقيع على أية اتفاقيات أو تفاهمات تخص مياه النيل.
جميع الاتفاقيات الخاصة بمياه النيل وتقاسمها تمت في ظل إدارة إثيوبية مستقلة؛ فاتفاقية 1902 واتفاقية 1929 وأخيرًا اتفاقية 1959، كلها تم التوقيع عليها في ظل حالة الاستقلال السياسي التي كانت عليها إثيوبيا في تلك التواريخ، ويتضح من ذلك أن الكاتبين اعتمدا بشكل كبير على السردية الإثيوبية الخاصة بمياه النيل وادعاء المظلومية التاريخية بأن الاتفاقيات وقعت في عهد الحقبة الاستعمارية، وتجاهلا مسألة أن إثيوبيا من الدول الإفريقية النادرة التي لم تُحتَلّ سوى سنوات معدودة من قبل قوة أوروبية ضعيفة كإيطاليا.
تمويل سد النهضة
واستمرارًا في استلهام السردية الإثيوبية يحاول الكاتبان تحويل عملية بناء السد إلى ملحمة وطنية إثيوبية في مواجهة تدخلات القاهرة، واتهامها بتعطيل بناء السد عبر وقف التمويل الدولي، فضلا عن قيامها باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لأجل وقف الخطط الإثيوبية.

ويتماهى الكاتبان مع السردية الإثيوبية في أن بناء السد تم بالجهود الذاتية الإثيوبية دون الاعتماد على القروض الدولية مثل إجبار البنوك الإثيوبية على تمويل السد، والجباية المحلية، وتقليل الاستثمارات الخاصة في القطاعات الأخرى.
أغفل الكاتبان، عن عمد، تصريحات الرئيس الأمريكي في شهري يونيو ويوليو 2025 حين اتهم بلاده، (أي الولايات المتحدة)، بالمساهمة في تمويل سد النهضة بطريقة غير مباشرة عبر تقديم مساعدات عاجلة سنوية إلى إثيوبيا تقدر بـ1.5 مليار دولار سنويًا، ولعل الكاتبين يشيران بوضوح إلى تمكن الدبلوماسية المصرية في عام 2014 من استصدار قرار أوروبي صيني روسي بوقف أية قروض مباشرة لسد النهضة.
لكنهما لم يشيرا إلى القروض غير المباشرة كالدعم الأمريكي المقدر سنويًا بمليار ونصف، ولم يشيرا إلى الدعم الصيني غير المباشر لبناء سد النهضة، فالعديد من الشركات الصينية كانت تعمل في مجال بناء السد، كما تم تقديم قروض استثمارية في العديد من المشروعات المرتبطة بالسد كمشاريع الكهرباء على سبيل المثال، وجدير بالذكر بأن بكين قدمت في عام 2013 قرضًا قيمته 1.2 مليار دولار لتمويل السد مباشرة، وذلك قبل قرارها الأخير في 2014 بوقف عملية تمويل السد.
وجدير بالذكر أن تكلفة بناء سد النهضة بلغت حوالي 5 مليارات دولار، في حين أن الموازنة الإثيوبية في عام 2025 بلغت حوالي 971 مليار بر إثيوبي، أي بما يعادل تقريبًا 6.260 مليار دولار أمريكي، أي أنه توجد استحالة تمويل السد عبر الجهود الذاتية وتمويل البنوك الوطنية الإثيوبية، فمعظم أعمال السد تم بناؤها عبر القروض الصينية والأمريكية وإن كانت بطريقة غير مباشرة، مثلما أوضحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

الخلافات المصرية الإثيوبية وأثرها على حركة الشباب
يواصل الكاتبان اجتزاء الواقع وتبني السرديات الإثيوبية، وهذه المرة في الصومال حيث جهود مكافحة الإرهاب في الصومال، وتحديدًا بعثة الاستقرار الدولية التابعة للاتحاد الإفريقي (أوسوم)، والتي أعلنت مصر مشاركتها في تلك العملية في ديسمبر 2024، وهو ما رحب به الجانب الصومالي نفسه.
إلا أن أديس أبابا، وفي محاولتها لشيطنة الدور المصري في القرن الإفريقي، تدعي أنها نشر قواتها في مقديشيو بهدف منع إثيوبيا من الوصول إلى المنافذ والموانئ البحرية، حيث إنها دولة حبيسة تحتاج إلى بناء أسطول تجاري واستغلال موانئ دول الجوار من أجل تعزيز الاقتصاد الإثيوبي، وعلى خطى السردية الإثيوبية سار كاتبا التحليل الأخير في ادعاء أن مشاركة مصر في القوة الدولية لتحقيق الاستقرار والسلام في إثيوبيا من شأنه إضعاف قدرات مكافحة الإرهاب وتنامي قدرات حركة الشباب التي تشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي.
كما بالغ الكاتبان في شيطنة الدور المصري في القرن الإفريقي، إذ تم الادعاء أن المناورات المشتركة بين الجيشين المصري والسوداني في عام 2022 والتي حملت عنوان "حراس النيل" ما هي إلا محاولة لتهديد الجانب الإثيوبي ووقف الخطط الإثيوبية لتنمية البلاد.

التدخل الأمريكي
يرى الكاتبان أن نمو "حركة الشباب الصومالية" من شأنه تهديد الأمن القومي الأمريكي، إلا أن واشنطن تتعامل بتساهل كبير مع معوقات جهود مكافحة الإرهاب، ويقصد هنا التوترات الخاصة بسد النهضة، لذا ينبغي أن تضغط الولايات المتحدة من أجل إيجاد اتفاقية ملزمة لتقاسم المياه بين دول نهر النيل، وينبغي ربط تلك الاتفاقية بحرية وصول إثيوبيا إلى الموانئ الصومالية، ويجب ربط المساعدات الأمريكية بالالتزام بالشروط في تلك الاتفاقية، كما ينبغي الاستمرار في تحقيق الانتشار الأمني في الصومال وألا تكون الصومال مسرحًا للعمليات بالوكالة بين القاهرة وأديس أبابا.
وختامًا:
ينبغي القول إنه رغم نجاحات الدبلوماسية المصرية في التعريف بمخاطر سد النهضة وهضمه للحقوق المصرية في مياه نهر النيل، إلا أن السرديات الإثيوبية المتعلقة بعلاقتها مع بالدور المصري في القرن الإفريقي ما زالت هي الرائجة والسائدة إلى اليوم، فالمقال الذي تم استعراضه في السطور الماضية يبين تلك الحقيقة، ألا وهي غياب السردية المصرية الخاصة بأزمة نهر النيل والدور المصري في القرن الأفريقي في الأوساط العلمية والبحثية في أوروبا وأمريكا، وهو ما ينبغي أن تكون هناك جهود ذاتية سواء من الحكومة المصرية والمؤسسات الإعلامية والبحثية المصرية في إعادة طرح السردية المصرية في المحافل الدولية، وأن يكون لنا الريادة والسيادة في طرح قضيتنا على المجتمع الدولي، وألا نتحول إلى دور رد الفعل.



