القرن الإفريقي: قراءة في دوافع وصعود الطموحات الوطنية
تسود نظرة استعمارية موجّهة إلى الدول الإفريقية، مفادها أنها دولٌ مستقبِلة للأحداث السياسية، وأنها متلقٍ سلبي لطموحات وتطلعات الدول الكبرى والإقليمية. فالعديد من الكتابات والسياسات تنظر إلى تلك الدول باعتبارها حديقة خلفية يمكن الاستثمار فيها وتحقيق تطلعات الدول الكبرى والإقليمية، فهذه التطلعات تعد متغيرًا رئيسًا يُقاس عليه مستقبل تلك الدول.
تسود تلك النظرة بوضوح شديد في حالة دول القرن الإفريقي، خاصة الصومال وجيبوتي وإثيوبيا، فعادة ما يتم النظر إلى تلك الدول، خصوصًا الصومال، على أنها ساحة سياسية فارغة تمامًا يمكن لأي دولة التحرك فيها بأريحية شديدة دون وجود عوائق معطِّلة.

ومما يعزز تلك النظرة هو الحضور المتنامي للعديد من القوى الإقليمية والكبرى في إقليم القرن الإفريقي. فعلى سبيل المثال، تنشط الدول الخليجية مثل قطر والإمارات والسعودية في منطقة القرن الإفريقي؛ فالدوحة - على سبيل المثال - تمتلك حضورًا قويًا في مقديشو، أما الإمارات فحضورها الرئيسي في هرجيسيا وبربرة في أرض الصومال وإقليم دهلك بإريتريا، بينما تعمل السعودية على بناء علاقات متوازنة بين جميع الدول، خاصة إثيوبيا وإريتريا، وقد سبق أن تدخلت على خط المصالحة بين الدولتين في عام 2018 بتوقيع اتفاق سلام بينهما.
بالإضافة إلى دول الخليج، تنشط تركيا في الصومال وتمتلك قاعدة عسكرية فيه، هذا إلى جانب الوجود التقليدي لقوى مثل فرنسا والولايات المتحدة والصين في جيبوتي وغيرها من دول الإقليم.
بالاستعراض السابق، يتضح لنا - خلال الفقرتين الماضيتين - أن دول القرن الإفريقي عبارة عن حديقة استعمارية تم تقسيمها بين الدول الإقليمية والدولية الكبرى، على غرار نتائج مؤتمر برلين 1884–1885، والذي قسّم أفريقيا بين الدول الاستعمارية التقليدية دون أخذ مصالح الشعوب الأفريقية القائمة في الاعتبار.
فعالية إفريقية
يجب تحقيق الإدراك الشامل في معاملاتنا مع الدول الإفريقية والتخلص تمامًا من فكرة أنها مجرد دول مستقبلة مطيعة للطموحات الخارجية، فتلك الدول تمتلك طموحات سياسية واقتصادية تعمل على تحقيقها بفعالية من خلال العديد من الأدوات، وإن بدت بسيطة للغاية. كما أن الدول الإفريقية تستغل طموحاتها الخاصة لتحقيق التوافق مع طموحات الدول الكبرى، إذ يجب أن تتلاقى الطموحات الداخلية مع الطموحات الخارجية.

الطموحات الصومالية
تمتلك الصومال طموحًا سياسيًا يتمثل في بناء دولته الهشة سياسيًا والفقيرة اقتصاديًا. وبناءً على طموحاته، يحاول الصومال بناء علاقات متوازنة مع كل من تركيا وقطر والصين وكذلك الولايات المتحدة، محققًا التنوع في مجال العلاقات الخارجية حتى لا يكون أسيرًا لسياسات دولة واحدة.
وقد بلغت قوة مقديشو ذروتها في معارضتها للاتفاقية بين أديس أبابا وإقليم أرض الصومال لتوفير منفذ بحري لإثيوبيا، إذ نجحت الضغوط السياسية الصومالية في تجميد تلك الاتفاقية، وهو ما يؤكد أن الصومال فاعل في العلاقات الدولية وليس فقط مستقبلًا للأحداث السياسية وتطلعات الدول الأخرى.

أرض الصومال والكفاح لأجل الاستقلال
تُعد تجربة أرض الصومال من أبرز التجارب السياسية في القرن الإفريقي، ففي سياق محاولة الإقليم اكتساب الاعتراف الدولي به كدولة مستقلة، لم يقف مكتوف الأيدي أمام بعض السياسات العالمية التي تعاملت معه باعتباره أرضًا فارغة.
فمثلًا، لم يستجب الإقليم للخطط الأمريكية في عام 2025 الرامية إلى نقل الفلسطينيين إليه، كما يسعى إلى تنويع علاقاته الإقليمية والدولية؛ ومؤخرًا برز التعاون بينه وبين دول مثل الإمارات وإثيوبيا والولايات المتحدة.

ومن أبرز الأمثلة الدالة على أن الإقليم له دور فاعل في الحياة السياسية الدولية وليس مجرد مستقبل، موقفه من قضية "صين واحدة"، وهي القضية التي تتهرب منها العديد من الدول الإفريقية والآسيوية وحتى الأوروبية والأمريكية. فأرض الصومال يعترف باستقلال تايوان، مما يشكل تحديًا غير مسبوق للسياسة الخارجية الصينية، التي تضع سياسة "صين واحدة" نصب عينها كعامل رئيس في علاقاتها الدولية. لذا لا تحظى تايوان باعتراف سياسي من معظم دول العالم خشية الغضب الصيني.

لماذا يجب تغيير نظرتنا إلى دول القرن الإفريقي؟
يجب فهم أن رغبات وطموحات تلك الدول نابعة في الأساس من رحم المعاناة التي تعانيها من الفقر والديون الخارجية والهشاشة السياسية والصراعات المستمرة. لذا ترغب هذه الدول في الخروج من أزماتها الداخلية بتنويع علاقاتها الخارجية.
ويجب علينا - نحن كدول خارج منطقة القرن الإفريقي - تغيير منظومة فكرنا تجاه هذه الدول للأسباب التالية:
1) تحقيق فهم أفضل لدوافع الصراع والتنافس والتعاون في دول القرن الإفريقي، وبالتالي استقراء العوامل التي ستشكل مستقبل المنطقة، فالإدراك الجيد هو الخطوة الأولى في عملية وضع سياسات تعالج الواقع بشكل كافٍ ومرضٍ.
2) تجنب الاستمرار في الإدراك المعيب لدوافع وطموحات الدول الإفريقية، لأن ذلك يساهم في زيادة التفسيرات الخاطئة، مما يؤدي إلى وضع سياسات فاشلة لا تتوافق مع رغبات الدول الإفريقية، ومن ثم يتم إفشالها في نهاية المطاف.
ختامًا:
رغم ما تعانيه دول القرن الإفريقي من تحديات بنيوية عميقة تتراوح بين الفقر والهشاشة السياسية والصراعات الممتدة، لم تعد ذلك الفضاء المستباح أو الساحة الخالية التي تتحرك فيها القوى الإقليمية والدولية بلا قيود. فقد أثبتت هذه الدول، وفي مقدمتها الصومال وأرض الصومال وإثيوبيا، أنها تمتلك إرادة سياسية وطموحات وطنية تسعى من خلالها إلى إعادة صياغة موقعها في النظامين الإقليمي والدولي.
فالتحركات المتوازنة التي تنتهجها تلك الدول، والقدرة على المناورة بين القوى المؤثرة، والرفض الواضح لبعض الإملاءات الخارجية، كلها مؤشرات تؤكد أن شعوب القرن الإفريقي بدأت تستعيد تدريجيًا زمام المبادرة، وأن عملية توظيف التناقضات الدولية باتت أداة بيدها وليست سيفًا مسلطًا عليها فقط.
إن إعادة النظر في التصورات التقليدية حول المنطقة لم تعد رفاهية فكرية، بل ضرورة استراتيجية لفهم ديناميات القرن الإفريقي وتقدير مستقبل التفاعلات فيه. فالتعامل مع هذه الدول بوصفها "فاعلة" وليست "متلقية" فقط، هو المدخل الصحيح نحو بناء شراكات واقعية ومستدامة تحترم مصالح شعوب المنطقة وتكسر الإرث الاستعماري الذي طالما كبّلها.
وفي النهاية، يظل إدراك الطموحات الحقيقية لدول القرن الإفريقي خطوة أساسية في صياغة سياسات أكثر حكمة وفاعلية، وسيظل مستقبل هذا الإقليم مرتبطًا بقدرته على تحويل تحدياته الداخلية إلى فرص، وعلى فرض إرادته في عالم يزداد تنافسًا وتعقيدًا.



