رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الأسرى المنسيون من (عرب 48): معاناة بلا ظهير سياسي ولا صفقة تحرير

السجون الإسرائيلية
السجون الإسرائيلية - أرشيفية

ساهم اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في 9 أكتوبر 2025 في الإفراج عن ألفي معتقل فلسطيني في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، منهم 250 شخصًا من أصحاب المؤبدات العالية، والتي غالبًا ما يتم تسميتهم بـ"السجناء الأمنيين" في السجون الإسرائيلية.

وعلى غرار صفقة الإفراج عن السجناء الفلسطينيين اندفع العديد من أنصار الأحزاب اليمينية الإسرائيلية إلى المطالبة بالحصول على إفراج وعفو رئاسي من قبل الرئيس يتسحاق هرتسوغ للإفراج عن العديد من السجناء الأمنيين الإسرائيليين الذين صدر بحقهم العديد من المؤبدات على خلفية جرائم بشعة تم ارتكابها بحق الفلسطينيين، مثل قضية عامي بوبر الذي قتل 7 عمال فلسطينيين في عام 1990، وكذلك عميرام بن أوليئيل الذي قتل وحرق ثلاثة أشخاص من "عائلة الدوابشة" منهم طفل رضيع عمره 18 شهرًا، وأيضًا يوسف حاييم الذي قتل وحرق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير أثناء ذهابه لقضاء صلاة الفجر.

الرئيس الإسرائيلي  يتسحاق هرتسوغ
الرئيس الإسرائيلي  يتسحاق هرتسوغ

عادة ما يشير مصطلح "السجناء الأمنيون" في إسرائيل إلى ثلاث فئات: أولها وهي الفئة الرئيسية، الفلسطينيون من الضفة الغربية وقطاع غزة المدانون بارتكاب جرائم عنف ضد الإسرائيليين أو قادة المنظمات الفلسطينية مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وغيرهم من عناصر المقاومة التي وقعت في شباك الأسر الإسرائيلي، وقد ينضم إلى هذه الفئة أيضًا غير الفلسطينيين مثل اللبنانيين على غرار قضية سمير القنطار الذي قضى دهرًا في السجون الإسرائيلية.

السجون الإسرائيلية - أرشيفية
السجون الإسرائيلية - أرشيفية

أما الفئة الثانية فهم الإسرائيليون المتطرفون الذين تمت إدانتهم في جرائم قتل بشعة استهدفت فلسطينيين، ولم يجد القضاء الإسرائيلي سبيلاً للإفراج عنهم أو تخفيف عقوبتهم تخوفًا من هبة الرأي العام العالمي ضد إسرائيل. أما الفئة الثالثة، والتي نحن بصدد مناقشتها، فهم الفلسطينيون حاملو الجنسية الإسرائيلية، أي عرب 48، الذين يُحاكمون على خلفية قضايا أمنية إذ تمت إدانتهم بالانتماء إلى فصائل المقاومة أو القيام بأعمال تخريبية ضد الإسرائيليين. وهؤلاء الأسرى معضلتهم كبيرة للغاية، إذ ليس لديهم ظهير سياسي يتحدث نيابة عنهم، فعادة ما تعتبرهم إسرائيل مواطنين إسرائيليين يقضون عقوبتهم ولا يحق لأي جهة أخرى غير إسرائيلية أن تطالب بالعفو عنهم. كما أنه في حال تقدمت إحدى المنظمات الفلسطينية بطلب العفو عنهم فقد يكون هذا دليل إدانة لهم، كما أن المنظمات تعطي الأولوية دائمًا إلى فلسطينيي الضفة وغزة، وأخيرًا حالة الضعف التي عليها الأحزاب والتكتلات العربية في الداخل الإسرائيلي، والتي لا تقوى على مواجهة مثل تلك الأمور.

تساؤلات عرب 48

لا يزال عرب 48 في إسرائيل يتساءلون عن مصير أسراهم الذين يقضون في السجون الإسرائيلية منذ عقود طويلة. فوفقًا للكاتب العربي بكر الزعبي في مقالته على موقع +972 العبري، أوضح أن الأسرى الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائيلية محاصرون ومهمشون بسبب رفض السلطات الإسرائيلية الإفراج عنهم وغياب القيادة المعبرة عنهم.

المناضل الفلسطيني وليد دقة 
المناضل الفلسطيني وليد دقة 

ويشير الزعبي إلى أبرز الأسرى الفلسطينيين من عرب 48، وهو المناضل السابق وليد دقة الذي وافته المنية في 7 إبريل 2024 بعد مضاعفات طويلة مع المرض في السجون الإسرائيلية، والتي أمضى بها قرابة 37 عامًا تقريبًا، إذ تم اعتقاله في عام 1986 على خلفية اشتباه تورطه في منظمة سرية وراء مقتل جندي إسرائيلي لافي عام 1984.

لعب "دقة" دورًا هامًا في حياة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، إذ يعد من أبرز كُتاب الحركة الأسيرة، فقد صدر عنه العديد من الأعمال الأدبية والروائية والمقالات التي تعبر عن حياة الأسرى الفلسطينيين في داخل السجون الإسرائيلية. كما تحدى "دقة" السلطات الإسرائيلية، إذ نجح في عام 1999 وبعد نضال قانوني طويل في تحقيق حلمه بالزواج، وكان "دقة" أيضًا من أبرز مناضلي "حركة النطف المحررة" التي انتشرت في السجون الإسرائيلية، فبعد 21 عامًا من إتمام زواجه نجح "دقة" في تحرير وتهريب نطفته ليرزق في عام 2021 بابنته الوحيدة، ليشكل بذلك تحديًا للسلطات الإسرائيلية والمحكمة العليا الإسرائيلية التي أصدرت قرارها بعدم الاتصال المباشر بين الزوجين.

نواب عرب 48 في الكنيست - أرشيفية
نواب عرب 48 في الكنيست - أرشيفية

ونتيجة للسيرة النضالية الطويلة لدقة رفضت السلطات الإسرائيلية تسليم جثمانه الذي وافته المنية في إبريل 2024، ولا تزال الحملات الشعبية من فلسطينيي الداخل تطالب الحكومة الإسرائيلية بتسليم جثمان "دقة" لإعادة دفنه في بلدته باقة الغربية بلواء حيفا شمالي إسرائيل.

يؤكد الكاتب العربي بكر الزعبي بأن هناك 20 أسيرًا فلسطينيًا تم اعتقالهم قبل مفاوضات أوسلو ويقضون حاليًا أكثر من 35 عامًا في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، فيما يقضي العشرات فترات سجن قصيرة أو محتجزون رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، كما تحتجز تل أبيب 7 جثث لسجناء فلسطينيين من عرب 48، منهم جثمان وليد دقة الذي توفي جراء إصابته بمرض السرطان.

السجون الإسرائيلية - أرشيفية
السجون الإسرائيلية - أرشيفية

إحباط داخلي

دفعت عملية تبادل الأسرى الأخيرة إلى تصدير حالة إحباط شديد في أوساط عرب 48، إذ كان نفوذ الوسطاء الفلسطينيين ضئيلاً للغاية، وهو ما عبر عنه النائب باسل غطاس عضو الكنيست عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، حيث لم يستطع المفاوض الفلسطيني فرض أسماء بحجم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد "قائد حماس في الضفة الغربية" في صفقة تبادل الرهائن الأخيرة، وبالتالي تم استبعاد الأسرى الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية من عملية التبادل الأخيرة.

نكران فلسطيني

يؤكد غطاس في حواره مع موقع +972 بأنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها استبعاد الأسرى الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية من صفقات تبادل الأسرى، فسابقًا نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في تحييد ملف أسرى الداخل الفلسطينيين من عمليات تبادل صفقات الأسرى، لكنه اختار تحسين ظروف احتجازهم بدلًا من إطلاق سراحهم.

ويشير غطاس إلى أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات أوسلو 1993 لم تعبر عن تطلعات أسرى فلسطينيي 48، فلم يتم المطالبة بالإفراج عنهم، مستسلمين لطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين باعتبارهم مواطنين إسرائيليين لا يحق لأي جهة فلسطينية التفاوض بشأنهم.

السجون الإسرائيلية - أرشيفية
السجون الإسرائيلية - أرشيفية

التناقض في المعاملة

رغم اعتبار تل أبيب سجناء عرب 48 مواطنين إسرائيليين، إلا أنه في الحقيقة لا يُعامل السجناء الأمنيون العرب نفس المعاملة التي يتلقاها السجناء الأمنيون اليهود. فسجناء عرب 48 يعانون من عدم الزيارة وعدم وجود إعفاءات خاصة بهم مثلما يحدث مع السجناء اليهود. وكانت المرة الوحيدة التي أشير فيها إلى حقوق سجناء عرب 48 في عام 2014، حين تدخل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في صفقة إطلاق سراح 104 أسرى فلسطينيين على أربع دفعات، وكانت الدفعة الرابعة تضم أسرى فلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية، إلا أنه وفي الأمتار الأخيرة ألغت إسرائيل المرحلة الأخيرة من عمليات إطلاق سراح الأسرى، ولم تستطع أي قوة فلسطينية سواء داخل إسرائيل أو خارجها المطالبة بحقوق هؤلاء الأسرى، ومنهم الأحزاب العربية في الكنيست.

تبدد الآمال

في الهدنة الأولى التي تم السعي إليها في نهاية نوفمبر 2023 بين إسرائيل وحماس، تم تضمين العديد من الطالبات الفلسطينيات من حاملي الجنسية الإسرائيلية ضمن صفقة تبادل الأسرى والرهائن، إلا أن عائلات الطالبات ومحاميهم رفضوا تمامًا إدراجهن ضمن صفقة تبادل الأسرى المحتملة وقتها خشية إعادة محاكمتهن بتهمة الانتماء إلى حركة حماس. إلا أنه مؤخرًا استشعر محامو وعائلات الفتيات خيبة آمالهم وتبدد أحلامهم في الإفراج عن بناتهن الأسيرات.

السجون الإسرائيلية - أرشيفية
السجون الإسرائيلية - أرشيفية

وأخيرًا:

 يعاني سجناء عرب 48 الأمنيون من انعدام التمثيل السياسي والمجتمعي لهم، مما يثقل كاهل عائلاتهم في إدارة عملية الإفراج عنهم وتوكيل المحامين والتنسيق معهم لأجل تحقيق الإفراج عن ذويهم، ولا يقف في صفهم سوى بعض المبادرات المدنية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، خاصة في ظل انعدام الضغط السياسي الفعّال الذي يؤدي في النهاية إلى تحسين ظروفهم والإفراج عن بعضهم.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء