القاهرة وإسلام آباد.. تعاون متصاعد في ظل تحولات إقليمية معقدة
جاء الاتفاق على خارطة طريق للتعاون بين مصر وباكستان خلال الفترة المقبلة ليبرهن على التطور الملحوظ للعلاقات بين البلدين خلال الفترة الأخيرة، وذلك في ظل التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، حيث يشهد كل من الشرق الأوسط وجنوب آسيا العديد من التحديات التي تستدعي التنسيق بشكل أوسع بين الدول المؤثرة إقليميا لمواجهة التحديات التي تهدد استقرار المنطقة والأزمات التي تستدعي المزيد من التعاون.
وجاءت زيارة وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي والتي استغرقت يومين في إطار هذه التطورات، سواء على مستوى التنسيق السياسي أو التعاون الاقتصادي أو الأمني والتعاون الدفاعي، وتطوير آليات مؤسسية للحوار الثنائي، وبذلك يمكن النظر إلى الزيارة باعتباره بداية لانطلاق تعاون أكثر استدامة بين البلدين.

وفق بيان وزارة الخارجية الباكستانية، جاءت زيارة "عبد العاطي" بدعوة من السيناتور محمد إسحاق دار، نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان، وتم عقد لقاءات على مستوى الوفود واستعرض الجانبان مختلف جوانب العلاقات الثنائية بين باكستان ومصر، بما في ذلك العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية والدفاعية، والتعاون الثقافي والتعليمي، والتعاون في قطاع الصحة، بما في ذلك دعم مصر للجهود الوطنية الباكستانية للقضاء على التهاب الكبد الوبائي "سي".
أهداف الزيارة
يتبين من خلال الملفات التي دار حولها النقاش في لقاءات وزير الخارجية المصري مع المسؤولين الباكستانيين، فإن هناك العديد من الأهداف التي تضمنتها الزيارة، وعلى رأسها التشاور السياسي في قضايا المنطقة والتطورات الجارية في الشرق الأوسط وعلى رأسها قضية "غزة".
وتصدر ملف "غزة" المشاورات السياسية، حيث أكد وزير الخارجية المصري على أهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، وكذلك المضي قدما في المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام، وضرورة تمكين قوة حفظ السلام الدولية من تنفيذ مهمتها في تثبيت وقف إطلاق النار، واستعرض الاستعدادات الجارية للمؤتمر الدولي لإعادة الإعمار، وأكد رفضه القاطع لأية محاولات لتهجير الفلسطينيين بالقوة.
وحظيت مساعي التعاون التجاري والاستثماري باهتمام الجانبين، وذلك خلال لقاء وزير الخارجية المصري مع قيادات الغرف التجارية والصناعية الباكستانية والمديرين التنفيذيين للشركات العاملة في مصر، سعياً لتوسيع التجارة والاستثمار الثنائي، وذلك من خلال دعوة الشركات الباكستانية للاستثمار في مصر، وبحث آليات لتوسيع التبادل التجاري وإقامة شراكات في الطاقة، الموانئ.
وبدا تركيز الوزير المصري على أهمية آفاق التعاون مع باكستان في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، مشددًا على أهمية زيادة حجم التبادل التجاري بين مصر وباكستان بما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها البلدان، مع فرص زيادة الصادرات المصرية إلى باكستان في قطاعات مثل الزراعة والأدوية والمنتجات الغذائية والأسمدة والسلع الهندسية.

كما أن تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، جاء ضمن اهتمامات الزيارة التي تضمنت حوارات حول مكافحة الإرهاب، إضافة إلى تبادل الخبرات الأمنية والتدريب، وتنسيق مواقف فيما يخص السلام والاستقرار الإقليمي، حيث التقى وزير الخارجية رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير لبحث التعاون الدفاعي والأمني، وأكدا أهمية استمرار التعاون رفيع المستوى بين القوات المسلحة في البلدين.
آفاق التعاون بين البلدين
تظهر زيارة وزير الخارجية المصري إلى باكستان والملفات التي تم تناولها أن هناك روابط مشتركة يمكن البناء عليها وتطويرها وتحقيق الاستفادة لكلا الطرفين، وذلك من خلال توسيع الشراكات والتعاون متعدد المحاور، ويبدو أنه تم أسس هذا التعاون المستقبلي من خلال بناء آليات للتنسيق الثنائي والتخطيط المشترك، حيث اتفق الجانبان على صياغة خارطة طريق للتعاون خلال الفترة المقبلة، واستدامة التشاور السياسي والاقتصادي عبر لجان أو منتديات دائمة.
وفي الملف الاقتصادي تبدو آفاق التعاون واعدة لكلا الجانبين، ويمكنها تحقيق مصالح متبادلة في العديد من المجالات التي أوضحها الوزير في لقاءاته ومشاوراته، والتي تتضمن التعاون في مجالات الطاقة والصناعات الدوائية والغذائية وتكنولوجيا المعلومات، حيث تعد مصر بوابة اقتصادية رئيسية لأفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى ما تمتلكه من بنية تحتية متطورة في مجالات النقل والطاقة والموانئ.
في المقابل، فإن باكستان تمتلك قاعدة صناعية كبيرة، إضافة إلى القطاع التكنولوجي الذي يتطور بوتيرة متسارعة، وفي ظل تلك الإمكانات التي يمتلكها الطرفان يصبح من الممكن تحقيق التكامل الذي ينعكس إيجاب على كليهما، وذلك من خلال تدشين مشروعات مشتركة موجهة للتصدير والاستثمار في مناطق اقتصادية جديدة، وهو ما سيعزز التجارة الإقليمية.

وفي هذا الإطار، فإن الطاقة واللوجستيات وقطاع الموانئ تعد مجالات ذات جدوى مشترَكة، وهو ما ركز عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقاءاته مع مسؤولي شركات باكستانية والتأكيد على التعاون في مجالي الطاقة والنقل البحري، والاستفادة من الإصلاحات في مناخ الاستثمار والفرص الواعدة في قطاعات متعددة.
أيضًا تبدو فرص التعاون في المجال الاقتصادي من خلال ما دعا إليه الوزير والتأكيد على إمكانية التعاون في توطين الصناعات ذات الأولوية، بما في ذلك الكيماويات والأدوية والأجهزة الطبية والبرمجيات والخدمات الرقمية، وتسليط الضوء على الأهمية الاقتصادية لقناة السويس، التي توفر مزايا استثمارية وإعفاءات ضريبية وجمركية للمستثمرين الأجانب.
وتبرز أيضًا أهمية الدفاع الأمني والدفاعي خلال الفترة الحالية التي تشهد تحولات متسارعة في المنطقة، ما يعزز الحاجة إلى التعاون في هذا المجال لتعزيز الاستقرار، كما أن العلاقات الثنائية تمتلك فرصة حقيقية للانتقال من التنسيق الظرفي إلى شراكة منضبطة تقوم على تبادل الخبرات والتدريب والتقنيات، وهو الأمر الذي كان إحدى اهتمامات زيارة وزير الخارجية المصري إلى باكستان.
جاء لقاء وزير الخارجية مع رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ضمن الاهتمام المشترك بهذا الملف، ففي الوقت الذي تمتلك فيه الدولتان مؤسسات عسكرية قوية وتشابه تجاربهما في عمليات مكافحة الإرهاب يمكنهما من الاستفادة المتبادلة في إدارة الحدود ومواجهات الجماعات الإرهابية، إضافة إلى إمكانية بحث تنفيذ مشروعات صناعية دفاعية مشتركة.
تُعد قضايا البحث العلمي والتحول الرقمي أحد الملفات التي يمكن أن يحقق فيها الطرفان تعاونا ناجحا، وذلك من خلال تطوير البرامج البحثية والدراسية بين الجامعات الباكستانية والمصرية، إضافة إلى الأمن السيبراني الذي أصبح يمثل أهمية كبرى في حماية الأمن القومي للدول، وفي الوقت الذي تمتلك فيه باكستان قجرات واعدة في قطاع البرمجيات تقابلها جهود مصرية متقدمة في تشييد بنية رقمية حديثة، وهو ماقد يؤدي إلى التكامل بين البلدين في هذا الإطار.
ختاما:
يمكن القول، إن زيارة وزير الخارجية المصري إلى باكستان تأتي في ظل دوافع استراتيجية للطرفين لتعزيز العلاقات، فمن الجانب المصري يأتي على رأس هذه الدوافع سياسة تنويع الشركاء وتعزيز الحضور في جنوب آسيا فضلا عن التعاون الاقتصادي والأمني، في المقابل فإن دوافع باكستان تتمثل في تنويع شراكاتها الإقليمية في الشرق الأوسط والاستفادة من موقع مصر ودورها السياسي المؤشر وفتح اسواق جديدة لصناعاتها.
ومن خلال الملفات التي تم بحثها خلال الزيارة يبدو إمكانية توظيف الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلدان سواء في المجالات الصناعية أو اللوجستية، ما يوفر فرص حقيقية للتكامل والوصول لشراكات طويلة المدى وليس مجرد تفاهمات ظرفية، وهو ما قد يحقق مصالح الطرفين ويعود بالنفع على الأمن الإقليمي.



