هدنة على المحك: باكستان وأفغانستان بين شبح الانهيار ومحاولات التهدئة
يوجه وقف إطلاق النار بين باكستان وأفغانستان تحديات متعددة تمثل تهديدًا حقيقيًا للاستمرار، وذلك في ظل استمرار محفزات التوتر بين الجانبين، والتي يأتي على رأسها العمليات التي تنفذها جماعات إرهابية، وفي ظل تحميل باكستان المسؤولية لحكومة "طالبان" الأفغانية عن عدم السيطرة على هذه الجماعات.
واعتبرت الخارجية الباكستانية أن وقف إطلاق النار مع أفغانستان أصبح "هشًا"، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية طاهر أندرابي إن وقف إطلاق النار بين باكستان ونظام طالبان الأفغاني كان يهدف إلى منع الهجمات الإرهابية داخل باكستان، وليس بمثابة وقف إطلاق نار تقليدي، مشيرًا إلى أن وقف إطلاق النار مع أفغانستان "غير صامد".

محفزات فشل اتفاق وقف النار
تتصاعد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار في الوقت الذي تتجدد فيه الهجمات الإرهابية، التي ترى باكستان أن الجماعات التي تقوم بها تشنها من الأراضي الأفغانية، وأن حكومة طالبان الأفغانية توفر ملاذات آمنة لهذه الجماعات، وبالتالي فإن الحكومة الأفغانية تتحمل المسؤولية عن عدم صمود وقف إطلاق النار.
ولنفس السبب فشلت مفاوضات سابقة والتي وصلت إلى طريق مسدود، حيث لم ينجح الطرفان في الوصول إلى تفاهمات رغم الوساطة التركية، في ظل إلقاء كل طرف اللوم على الآخر في انهيار المحادثات التي تهدف إلى التهدئة وتخفيف التوترات الحدودية والحفاظ على وقف إطلاق النار الهش.
وجاءت المفاوضات التي انطلقت برعاية تركية قطرية بعد اشتعال الأوضاع على الحدود الأفغانية الباكستانية وتطورها إلى اشتباكات دامية بين الجانبين، وأسفرت عن مقتل العشرات من الجنود والمدنيين، وذلك إثر تنفيذ ضربات في العاصمة الأفغانية كابول بطائرات مسيرة، واتهمت طالبان الأفغانية الحكومة الباكستانية بالوقوف وراء هذه الضربات.
وجاء فشل المحادثات في إسطنبول بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في الدوحة في أكتوبر الماضي، ولم تتوصل الجولة الثانية من المفاوضات في إسطنبول الأسبوع الماضي إلى اتفاق طويل الأجل بسبب الخلاف حول الجماعات المسلحة المعادية لباكستان والتي تعمل داخل أفغانستان، وسط تأكيدات من جانب باكستان بأن الأزمة مع الجانب الأفغاني تتمثل في دعم الجماعات المعادية.

وتعتبر باكستان أن طالبان الأفغانية تستخدم محاولات الاتفاق والمفاوضات لمدّ أمد وقف إطلاق النار وليس لاتخاذ خطوات ملموسة من جانبها، حيث أكدت وزارة الخارجية الباكستانية، الأحد، أن حركة طالبان الأفغانية شاركت في المحادثات الأخيرة مع إسلام آباد فقط لتمديد وقف إطلاق النار المؤقت، دون اتخاذ خطوات ذات مغزى ضد الجماعات الإرهابية التي تعمل على الأراضي الأفغانية.
ويبدو من خلال البيانات المتبادلة بين باكستان وأفغانستان أن هناك أزمة ثقة من جانب باكستان في عزم حكومة طالبان الأفغانية على التوافق أو التهدئة، وفي بيان سابق للخارجية الباكستانية قالت باكستان إن أي متابع للمحادثات التي توسطت فيها الدولتان الشقيقتان تركيا وقطر يمكنه بسهولة أن يميز أن نظام طالبان كان مهتمًا فقط بإطالة أمد وقف إطلاق النار المؤقت، دون اتخاذ إجراءات ملموسة وقابلة للتحقق ضد عناصر طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان.

ورغم النفي المستمر من جانب أفغانستان للاتهامات الباكستانية إلا أن إسلام آباد تواصل تحميل طالبان الأفغانية مسؤولية حماية الجماعات الإرهابية التي تهدد أمنها، ووفق بيانات رسمية باكستانية فإنّ الإرهابيين الفارّين من باكستان بعد عملية "ضرب العدو" عام ٢٠١٥ قد وفّرت لهم طالبان ملاذًا آمنًا مقابل دعمهم السابق. وأشارت وزارة الخارجية إلى أنّ "هؤلاء الإرهابيين وعائلاتهم يؤويهم نظام طالبان الآن ردًّا على ولائهم".
تمثل الضغوط الداخلية في باكستان محفزًا آخر لفشل اتفاق وقف إطلاق النار، ففي ظل الضغوط الداخلية في باكستان سواء أكانت ضغوطًا أمنية أو اقتصادية أو سياسية يجعل التوازن صعبًا، كما أنه يحفز ردود الأفعال الباكستانية في حال شن أي هجوم إرهابي من الأراضي الأفغانية، التي قد تثير رد فعل قويًا من باكستان، وقد يُفضي إلى إفشال الاتفاق.

الأمر الآخر هو عدم القدرة الفعلية لدى "طالبان الأفغانية" على إحكام السيطرة بشكل كامل على الجماعات المتطرفة التي تعمل على أراضيها، وهو الأمر الذي قد يشعل الأوضاع في أي وقت، خاصة في ظل قدرة هذه الجماعات على شن هجمات داخل الأراضي الباكستانية، في ظل وقوع عدد من الهجمات خلال الأيام الأخيرة.
محفزات الحفاظ على وقف إطلاق النار
على الرغم من التصعيد الحالي بين باكستان وأفغانستان والتلويح بفشل الاتفاق، ووجود المحفزات والدوافع التي قد تساهم في فشل وقف إطلاق النار، إلا أن هناك أيضًا عدة دوافع تدفع الجانبين إلى الحفاظ عليه قدر الإمكان، فمن الجانب الباكستاني تسعى إسلام آباد إلى تحقيق استقرار داخلي ومنع الهجمات على أراضيها، وهو ما يجعلها تضع الحفاظ على وقف إطلاق النار على رأس أولوياتها.
تمثل رغبة الوسطاء أيضًا في استمرار وقف إطلاق النار أحد المحفزات للحفاظ عليه، في ظل اهتمام قطر وتركيا بالتوصل لاتفاق بين الجانبين، وهو الأمر الذي يدفعهما إلى محاولات تقريب وجهات النظر بين الجانبين، والضغط عليهما لتقديم ضمانات تحافظ على الاتفاق مستقبلًا وخفض سقف التوتر المستمر، وإن كان أي اتفاق مستقبلي بين الجانبين من الراجح أنه سيشهد خروقات جزئية.

كما أن المصالح المشتركة بين الجانبين تمثل أحد المحفزات للوصول إلى اتفاق للحفاظ على وقف إطلاق النار، خاصة في ظل التشابكات الاقتصادية والإنسانية والخدمية بين الجانبين، ما يعزز الحاجة إلى استمرار فتح المعابر الحدودية التي تعرضت لإغلاقات متكررة في ظل التوترات الأخيرة والتي كان لها انعكاسات سلبية على اقتصاد البلدين، وهي فاتورة لا يستطيع الجانبان تحملها لفترات طويلة.
وعلى الرغم من تلويح باكستان الأخير باحتمالية فشل وقف إطلاق النار، إلا أن ذلك يأتي في إطار الضغوط للوصول إلى حلول، حيث سبق لباكستان التأكيد على أنها لا تسعى إلى مزيد من تصعيد الأعمال العدائية مع أفغانستان لكنها تتوقع من حكام طالبان في البلاد معالجة المخاوف الأمنية من خلال اتخاذ إجراءات ضد المسلحين الذين يعملون انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، ما يعني أن حل المعضلة سيؤدي إلى الاستقرار بين الجانبين.

ختامًا:
يمكن القول إنه في ظل التوترات الحالية من المستبعد صمود وقف إطلاق النار بشكل دائم إذا لم يتم اتخاذ خطوات فعلية من جانب طالبان الأفغانية ومحاولة احتواء الجماعات المتطرفة التي لا زالت تنفذ هجمات على الأراضي الباكستانية، إلا أن ذلك لا يعني الانهيار الكامل لوقف إطلاق النار أو التصعيد المفتوح، في ظل حاجة الطرفين للتهدئة، وفي الوقت نفسه اهتمام أطراف دولية بالوصول إلى توافقات بين الجانبين ومنع التصعيد والمساعي المستمرة لوقف إطلاق النار.



