رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحالف الضرورة.. دوافع إيران وباكستان لتعزيز الأمن الحدودي

 مسعود بزشكيان وشهباز
مسعود بزشكيان وشهباز شريف

تفرض الاعتبارات الأمنية نفسها على العلاقات الإيرانية الباكستانية، خاصة في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات إقليمية متسارعة، ما يجعل الاستقرار الحدودي ضرورة مشتركة سواء للطرف الإيراني أو الطرف الباكستاني، وليس مجرد خيار دبلوماسي، وذلك في الوقت الذي تشهد فيه إيران وباكستان تهديدات أمنية متشابهة وتحديات داخلية تفرضها التوترات على الحدود.

ومؤخرًا دعا أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى تعزيز آلية الأمن المشتركة بين طهران وإسلام آباد لمكافحة الإرهاب، مشيدًا بآليات باكستان ضد الإرهاب، قائلاً إن البلدين ملتزمان باتخاذ إجراءات مشتركة ضد الإرهاب، مشيرًا إلى أن الآلية المشتركة بين جيشي البلدين من شأنها أن تُمكن من القيام بعمليات أكثر فعالية ضد الإرهاب عبر الحدود.

ورغم اهتمام زيارة لاريجاني بالجانب الأمني، فإنها أيضًا تطرقت إلى جوانب أخرى من التعاون المشترك، حيث عقد لاريجاني اجتماعات مع رئيس الوزراء شهباز شريف ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، أكد الجانبان التزامهما بتعميق العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في القضايا الإقليمية والدولية، كما التقى رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في المقر العام للجيش.

رئيس أركان الجيش الإيراني اللواء عبد الرحيم موسوي
رئيس أركان الجيش الإيراني اللواء عبد الرحيم موسوي

وتأتي خطوة السعي للتعاون بين إيران وباكستان لضبط المشهد الحدودي للقدرة على التعامل مع تحديات متشابكة تشمل الحواضن القبلية العابرة للحدود وأنشطة الجماعات المسلحة والبيئة الأمنية الهشة سواء في سيستان أو بلوشستان، إضافة إلى مسارات التهريب، وهو ما يدفع إلى التنسيق الاستراتيجي لبناء منظومة أمنية مشتركة ومستدامة، لتعزيز قدرة البلدين على مواجهة التهديدات المتنامية.

التهديدات الأمنية على الحدود

تمثل التهديدات الأمنية على الحدود الإيرانية الباكستانية أحد أبرز التحديات التي تواجه البلدين، ولطالما واجهت الحدود الممتدة لنحو 900 كيلومتر بين البلدين تهديدات أمنية من جماعات محظورة، مثل "جيش العدل" وجيش "تحرير بلوشستان". وقد أدت قضايا مستمرة، منها الإرهاب والتهريب والاتهامات المتبادلة بإيواء المتشددين، إلى توتر العلاقات بين الحين والآخر.  

وتسببت التهديدات الأمنية بين البلدين في تصعيد عسكري في أوقات سابقة، ففي يناير 2024 تصاعدت التوترات بين إيران وباكستان بعد تبادل الهجمات في عمق البلدين، حيث استهدفت إيران بهجوم صاروخي تنظيم "جيش العدل" في باكستان، بينما ردت باكستان بضربات استهدفت إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني، ما أوقع حصيلة قتلى بالمنطقة الحدودية في إيران من 7 إلى 9 أشخاص.

رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير 
رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير 

وتسببت الجماعات الانفصالية المسلحة في توترات دائمة بين البلدين، ويأتي على رأس هذه الجماعات جماعة "جيش العدل" التي أعلنت أكثر من مرة مسؤوليتها عن تنفيذ عمليات على الأراضي الإيرانية، كان أبرزها في 2017 بعدما أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجوم في مدينة ميرجاوه بمحافظة سيستان وبلوشستان، أسفر عن سقوط 10 من حرس الحدود الإيرانيين، وحملت إيران الحكومة الباكستانية المسؤولية النهائية عن الهجوم.

وفي عام 2018 أعلنت جماعة "جيش العدل" مسؤوليتها عن اختطاف 12 من أفراد الأمن الإيرانيين، بينهم ضباط استخبارات من "الحرس الثوري" على الحدود الجنوبية الشرقية مع باكستان، وساعدت قوات الأمن الباكستانية طهران على استعادة خمسة على الأقل من بين 12 مختطفًا، وذلك بالإضافة إلى جماعة جند الله المنحلة (المرتبطة بتنظيم القاعدة)، والتي هاجمت إيران عدة مرات. 

ويبدو أن هناك تحركات مكثفة من جانب البلدين لتعزيز التعاون في ملف أمن الحدود لتحقيق الاستقرار والازدهار، حيث إن دعوة علي لاريجاني سبقتها اتصالات أخرى بين مسؤولي البلدين لتحقيق تقدم في الملف نفسه، ففي أغسطس الماضي أكد رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ونظيره الإيراني اللواء عبد الرحيم موسوي استعدادهما للقضاء على الإرهاب من أجل تأمين حدود البلدين.

دلالات التوقيت

تأتي هذه التحركات في الوقت الذي تمثل فيه الجماعات الانفصالية صداعًا في رأس البلدين، خاصة إيران التي تخشى أن تستغل هذه الجماعات الأزمات الحالية التي تعيشها إيران للتصعيد، خاصة في ظل تزايد نشاط هذه الجماعات. ووفق تقارير إيرانية أبدت طهران استعدادها للقضاء على الإرهاب وتأمين حدودها مع باكستان، في ظل تزايد تحركات الجماعات الإرهابية عبر الحدود، ما دفع إيران للدعوة لبذل جهود مشتركة للقضاء على الإرهاب.

جيش العدل - أرشيفية
جيش العدل - أرشيفية

ومن جانبها تسعى باكستان إلى تخفيف التوتر على حدودها مع إيران وتأمين هذه الجبهة، وذلك في الوقت الذي تواجه فيه باكستان جبهات أخرى مشتعلة في ظل الصراع الحالي الذي تعيشه إسلام آباد مع كابول ونيودلهي، حيث جدد رئيس أركان الجيش الباكستاني الدعوة لتأمين الحدود المشتركة، قائلاً إن الجانبين يجب أن يعملا بشكل مشترك على تحويل الحدود الباكستانية الإيرانية إلى حدود صداقة وأخوة وتنمية اقتصادية.

ويبدو أن التحولات اللافتة في العلاقات بين البلدين ترجع إلى حالة التوتر المتزايد التي تعيشها المنطقة، حيث وجدت إيران وباكستان توافقًا في طموحاتهما تجاه التهديدات الأمنية الإقليمية والحفاظ على تحقيق الأمن في جنوب آسيا، وهو الأمر الذي يهدد استقرار الجانبين ويدفعهما إلى التعاون والتكامل في ظل الاتفاق في ملفات مشتركة ومحاولة تنحية الخلافات أو القضاء على أسباب الخلاف.

وفي الوقت الذي تسعى فيه باكستان إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي مع الولايات المتحدة الأمريكية، والزيارات رفيعة المستوى التي أجراها رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير إلى واشطن والالتقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي التحركات التي تستفيد منها إيران في ظل إمكانية تدخل باكستان لحلحلة الأزمة بين إيران وواشنطن وفتح قنوات اتصال بين الجانبين، وهو ما يمكن أن ينعكس بشكل إيجابي على أي مفاوضات أو تفاهمات مستقبلية.

جيش العدل 
جيش العدل 

جاءت المواقف المشتركة أيضًا لتكون بمثابة دافع لتعزيز العلاقات بين البلدين، حيث انضمت باكستان إلى دول إسلامية أخرى في منظمة "التعاون الإسلامي" لإدانة هجمات إسرائيل على إيران وحربها في غزة، وذلك في ظل المواقف المتقاربة للبلدين من إسرائيل وغياب العلاقات الدبلوماسية بين إيران وباكستان من جهة، وتل أبيب من جهة أخرى، وهي الأرضية المشتركة التي تعزز تعاون البلدين لتحقيق الاستقرار، خاصة في ظل المهددات المشتركة التي تمثل ضغطًا على الداخل في كلا البلدين.

وفي حال نجاح التعاون الأمني فسيمتد بطبيعة الحال إلى التعاون الاقتصادي، خاصة في ظل حاجة البلدين إلى إنعاش الاقتصاد من خلال المشاريع التجارية أو مشاريع البنى التحتية، وهو ما تناوله "لاريجاني" أثناء زيارته الأخيرة، حيث تناول مشروع خط أنابيب غاز يصل إلى حدود باكستان، مؤكدًا أن إيران أنشأت خط أنابيب الغاز حتى الحدود مع باكستان، وهو مشروع قائم منذ سنوات بين البلدين، وأضاف: لقد أوفينا بتعهداتنا، لكن هناك عراقيل وتدخلات حالت دون إتمام المشروع، ولولاها لكان الغاز الإيراني اليوم في خدمة الشعب الباكستاني، وأعرب عن أمله في حل المشكلات العالقة أمام مشروع خط الأنابيب قريبًا، ما يعني أن التعاون قد ينعكس على العديد من المجالات.

ختامًا:

 يمكن القول إن التحركات الإيرانية الباكستانية لتعزيز التعاون في ملف الأمن الحدودي، تأتي في سياق تغير ديناميكي مدفوع بالتهديدات الأمنية المتزايدة وفي ظل رغبة مشتركة في إدارة التهديدات الأمنية، ما يفتح الباب أمام توطيد العلاقات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، لكن تظل هذه المساعي تواجه تحديات على رأسها النشاط المتزايد للجماعات الانفصالية التي تنتمي إلى أيديولوجيات مختلفة، إضافة إلى أن نجاح هذا التعاون يحتاج إلى تعزيز الثقة بين البلدين وتبادل المعلومات الاستخباراتية واحتواء التوترات العرقية والخلافات الإقليمية.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء