رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

النفوذ الإقليمي والميلشيات: معركة السيادة العراقية في حصر السلاح

العشائر المسلحة في
العشائر المسلحة في العراق - أرشيفية

ظلت مسألة حصر السلاح بيد الدولة في العراق تمثل عائقًا كبيرًا أمام الدولة العراقية التي تعتبر هذه القضية أساس فرض سيادتها، خاصة وأن بقاء "السلاح غير المنضبط" بين الفصائل المسلحة والميلشيات خارج سيطرة مؤسسات الدولة في العراق يمثل تهديدات مباشرة للأمن والاستقرار والهوية الوطنية.

ومؤخرًا جدد المبعوث الأمريكي للعراق مارك سافانا الدعوة للمضي قدمًا في حصر السلاح بيد الدولة، معتبرًا أن بقائه بيد الجماعات الخارجة عن سلطة القانون أصبح أمرًا لا مكان له في العراق، وأن العراق حقق تقدّمًا ملموسًا خلال السنوات الأخيرة، مشددًا على ضرورة الحفاظ على هذا الزخم مع اقترابه من مرحلة مفصلية في مسيرته الديمقراطية، وهي الرؤية التي تتفق مع رؤية رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، لكن في المقابل تعترض الميلشيات المسلحة على هذه الرؤية.

كتائب حزب الله في العراق - أرشيفية
كتائب حزب الله في العراق - أرشيفية

الرؤية الرسمية وجهود الدولة

تعود رؤية الحكومة العراقية إلى عام 2017، إذ أقر البرلمان العراقي قانون الأسلحة رقم 51، وكان الهدف الرئيس منه هو "حصر السلاح" بيد الدولة عبر تشديد العقوبات لتصل إلى الإعدام في حال استخدم السلاح للإخلال بالأمن العام أو دعم أي تمرد مسلح ضد الدولة. وينص القانون على حصر الأسلحة على عقوبة السجن لكل من هرب أسلحة أو أجزاءها أو عتادها والاتجار بها، وتكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد إذا ارتكبت الجريمة بقصد إشاعة الإرهاب أو الإخلال بالأمن العام أو دعم أي تمرد مسلح ضد الدولة.

وتنطلق الرؤية الرسمية للحكومة العراقية بشأن ضرورة "حصر السلاح" بيد الدولة من استقرار الوضع الأمني حاليًا في الأراضي العراقية، إضافة إلى أن وجود السلاح بيد العشائر أو الجماعات المسلحة يمثل تهديدًا أمنيا ويهدد سيادة الدولة، ولذلك فقد أطلقت الحكومة العراقية مبادرات عدة للسيطرة على السلاح المنفلت.

وتضمنت المبادرات الحكومية إطلاق حملات لتسجيل الأسلحة في كل المحافظات، ففي عام 2023 افتتحت وزارة الداخلية العراقية مكاتب لتسجيل الأسلحة ومعرفة كمياتها ومصادرها ومالكيها وفيم تُستخدم، كخطوة أولى للقضاء على الظاهرة التي انتشرت بعد الاستحواذ على كميات كبيرة من سلاح الوحدات العسكرية منذ عام 2003 أثناء الغزو الأمريكي للعراق وحل الجيش، وتهريب السلاح عبر الحدود المفتوحة.

كتائب الحشد الشعبي في العراق - أرشيفية
كتائب الحشد الشعبي في العراق - أرشيفية

ورغم أن خطوة تسجيل السلاح لم تحقق المرجو منها، إلا أنها تكشف عن رؤية وخطة حكومية لفرض سيادة الدولة، خاصة بعد ما تبعها من تصريحات حكومية تشدد على ضرورة المضي قدمًا في هذا الإطار، حيث قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إن تحسن الوضع الأمني في بلاده يُزيل أي مبرر لوجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، مشددًا على أن تطبيق مثل هذه الإجراءات "لا يستهدف أي جماعة أو فرد معين".

كتائب الحشد الشعبي في العراق - أرشيفية
كتائب الحشد الشعبي في العراق - أرشيفية

وتحاول الحكومة العراقية إضافة شرعية أكبر على خطة نزع السلاح غير المنضبط، بالتأكيد على وجود توافق سياسي من كافة الأطياف على تنفيذ الفكرة، وهو ما يعني أن أي خروج عنها يمثل خروجا عن الإجماع الوطني، وهي الرسالة التي أكد عليها السوداني أثناء حضوره تجمع عشائري في أغسطس الماضي، حيث شدد على أن وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، وتعزيز سيادة القانون، ومحاربة الفساد "مطالب تطالب بها المرجعيات الدينية والمجتمع المدني، ولا يمكن المساومة عليها".

وتسعى الحكومة العراقية إلى دفع العشائر والقبائل إلى المشاركة بشكل فعّال في تنفيذ الخطوة الحكومية، خاصة وأنها طرف فاعل في انتشار الظاهرة، لما تملكه العشائر والقبائل من أسلحة خارج إطار الدولة، حيث دعا السوداني شيوخ القبائل والعشائر إلى دعم الحكومة في تنفيذ خطتها، قائلًا: إنه في ظل بيئة مستقرة لا مبرر لتواجد السلاح خارج مؤسسات الدولة، وعلى القبائل دعم سلطة القانون والقضاء.

الجيش العراقي - أرشيفية
الجيش العراقي - أرشيفية

تحاول الحكومة العراقية أيضًا قطع الطريق أمام أي طرف يحاول عرقلة الخطة، خاصة الميلشيات التي تتمسك بالسلاح تحت مزاعم المعارضة، من خلال تصدير الإجماع الوطني حول الخطة، حيث يؤكد السوداني أن الأحزاب السياسية العراقية توصلت إلى "إجماع وطني موحد" لإنهاء وجود كل الأسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة، معتبرًا أنه مطلب للجميع وسيكون هناك برنامج واضح لإنهاء أي سلاح خارج مؤسسات الدولة.

تحديات وعقبات أمام خطة الحكومة

رغم الجهود التي تبذلها الحكومة العراقية لتنفيذ خطتها بشأن "السلاح غير المنضبط"، إلا أن هناك العديد من التحديات والعقبات أمام التنفيذ، والتي يأتي على رأسها وجود مليشيات فاعلة ومسلّحة تُرفض التخلي عن سلاحها، وتحاول شرعنة حيازتها للسلاح مثل "حزب الله العراقي"، حيث قال المتحدث العسكري باسم الحزب، جعفر الحسيني، إن السلاح سيبقى بأيدي مقاتلي الحزب، معتبرًا أنه سلاح شرعي ومنضبط.

كتائب حزب الله في العراق - أرشيفية
كتائب حزب الله في العراق - أرشيفية

تمثل الأطراف الإقليمية الداعمة للميلشيات المسلحة أحد التحديات أيضًا، حيث إن هذه الأطراف تحرص على بقاء الميلشيات التابعة لها محتفظة بسلاحها للاحتفاظ بنفوذها، وتأتي إيران على رأس هذه الأطراف، حيث تسير طهران على النقيض من رغبات الحكومة العراقية، ففي الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على محاولة حصر الأسلحة تزود إيران الميليشيات بالأسلحة الثقيلة والتي قد تصل إلى الصواريخ البالستية متوسطة المدى، في محاولة للاحتفاظ بنفوذها في العراق.

الجيش العراقي - أرشيفية
الجيش العراقي - أرشيفية

تضع الحكومة العراقية أيضًا في حساباتها احتمالية اندلاع الفوضى أو الصدام مع الكيانات المسلحة في حال الضغوط المتزايدة أو محاولة نزع السلاح بالقوة من الكيانات والميلشيات المسلحة، في ظل رفض هذه الميلشيات التي تعتبر احتفاظها بالسلاح جزءًا من المقاومة. لذلك تحاول الحكومة صناعة رأي عام مناهض لانفلات السلاح ومساند لها في معركتها، إضافة إلى التوافق السياسي للضغط على الكيانات المسلحة تجنبًا للصدام.

العشائر المسلحة في العراق - أرشيفية
العشائر المسلحة في العراق - أرشيفية

ضعف مؤسسات الدولة أيضًا يمثل أحد أهم التحديات أمام تنفيذ خطة الحكومة، إضافة إلى الحسابات والمصالح السياسية التي تتمثل في بقاء السلاح غير المنضبط، فبعض القوى السياسية قد تستفيد من بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة، وذلك كأداة من أدوات الضغط أو النفوذ في الصراع الداخلي، ما يعني أن حصر السلاح يتطلب تغيير موازين القوى والنفوذ، وهو أمر صعب تحقيقه في المدى القريب.

ختامًا:

 يمكن القول إن خطة "حصر السلاح" بيد مؤسسات الدولة العراقية هي معركة سيادة في المقام الأول ولا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا فقط، حيث تسعى الحكومة إلى إعادة بناء الدولة نفسها وفرض السيادة على كافة أراضيها لمنع استخدام السلاح خارج إرادة الدولة أو تحويله لأدوات نفوذ لأطراف إقليمية أو دولية، وبالتالي فإن هذه الخطة بمثابة معركة مع أطراف داخلية وخارجية من مصلحتها إفشال خطة الحكومة ووضع العديد من العراقيل أمام تنفيذها للاحتفاظ بموازين القوى والتأثير على القرار العراقي، وهي أبرز التحديات في مواجهة "السلاح غير المنضبط".

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء