روسيا وإيران وأذربيجان: اتفاق ثلاثي يعيد رسم جغرافيا التجارة في أوراسيا
في سياق التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة في منطقة أوراسيا، شهدت العاصمة الأذرية باكو توقيع اتفاقية ثلاثية بين روسيا وأذربيجان وإيران لتطوير المسار الغربي من الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، حيث وقع الرؤساء التنفيذيون لشركات السكك الحديدية في الدول الثلاث مذكرة تفاهم بهدف اعتماد أسعار ثابتة لنقل البضائع وتوسيع خدمات النقل واللوجستيات.
وتأتي هذه الخطوة في ظل مساعي الدول الثلاث إلى تعزيز مكانة الممر "الشمال - الجنوب" كممر بديل للمسارات التقليدية وربطه بشبكات التجارة العالمية، وربط روسيا وأوروبا الشمالية بـالخليج والهند وجنوب آسيا، خاصة المسار الغربي الذي يشمل روسيا وأذربيجان وإيران "وهو المسار الذي يمثل موضوع الاتفاق الجديد"، والذي يوفر مميزات عديدة للدول المشاركة في الاتفاق.
مراحل إنشاء الممر
ممر النقل الدولي "شمال - جنوب" (INSTC) هو ممر نقل متعدد الوسائط بطول 7200 كيلومتر، يربط مومباي، الهند، وموسكو، روسيا، عبر إيران، عبر السكك الحديدية والسفن والطرق، ويهدف إنشاؤه إلى جذب شحنات الترانزيت من الهند وإيران ودول الخليج الأخرى إلى روسيا عبر بحر قزوين، وكذلك إلى شمال وغرب أوروبا.

ويربط ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب الهند بآسيا الوسطى وروسيا، ولديه القدرة على التوسع حتى منطقة البلطيق ودول الشمال الأوروبي والقطب الشمالي، مما يزيد من نطاق التجارة بشكل كبير، كما أن لديه القدرة على تحويل اقتصادات الدول الواقعة على طول الممر إلى مراكز متخصصة في التصنيع والخدمات اللوجستية والنقل.
ويتألف الممر "الشمال – الجنوب" داخل إيران من ثلاثة مسارات رئيسية، حيث يربط المسار الشرقي تركمانستان ودول آسيا الوسطى، كما يربط المسار المركزي روسيا ودولًا أخرى عبر بحر قزوين؛ ويربط المسار الغربي أذربيجان وجورجيا وروسيا وأوروبا الشرقية.
وتمثل الاتفاقية الحكومية الدولية التي وقعت في سبتمبر عام 2000، بين روسيا وإيران والهند، الإطارَ الأساسي لممر النقل بين الشمال والجنوب، وهي الاتفاقية التي صادقت عليها عدة دول، والتي تضم روسيا وإيران وتركيا وأذربيجان وبيلاروسيا وبلغاريا والهند وكازاخستان وقيرغيزستان وعمان وطاجيكستان وأوكرانيا.
وجاءت الاتفاقية بهدف إعادة رسم الممرات الدولية، حيث يتمثل الهدف الرئيسي من الممر في تقليص مدة نقل البضائع المتجهة من الهند إلى روسيا، وكذلك إلى شمال وغرب أوروبا، بشكل ملحوظ، ووفق تقديرات فإن المسار الحالي يستغرق أكثر من ستة أسابيع، لكن من المتوقع أن يختصر ممر الشمال والجنوب هذه المدة إلى ثلاثة أسابيع فقط.

وقد شهد تشغيل الممر عدة مراحل، ففي مارس 2019، بدأ تشغيل خط سكة حديد "قزوين-رشت" بطول 175 كيلومترًا، ليربط شبكة سكك حديد أذربيجان بالبنية التحتية الإيرانية ضمن هذا الممر، كما من المقرر إنشاء خط سكة حديد رشت-أستارا على الأراضي الإيرانية، وفي مايو 2023، وقّعت روسيا وإيران اتفاقيةً لبناء خط سكة حديد "رشت-أستارا" في محافظة جيلان شمال إيران. سيضم هذا الخط، الذي يبلغ طوله 163 كيلومترًا، تسع محطات.
أهمية الممر الجيوسياسية
يأتي الاتفاق بين روسيا وأذربيجان وإيران، في سياق الرغبة المشتركة لبناء شبكة تعاون لوجستية متماسكة، وهو ما قد يعزز مواقع النفوذ الروسي الإيراني في أوراسيا بعيدًا عن الضغوط الغربية، وفي ظل التطورات الجارية كالعقوبات على روسيا والقيود المفروضة على خطوط الشحن والتوترات في البحر الأحمر، مما يجعل هذا الاتفاق أكثر إلحاحًا من ذي قبل.
كما يمثل توسيع المسار الغربي للممر في الاتفاقية الثلاثية الجديدة محاولة عملية لتسريع تحويل الممر إلى بديل واقعي لمسارات الشحن الحالية، بما يعزز مكانة الأطراف الثلاثة ويمنحهم مساحة مناورة اقتصادية أكبر، وذلك في إطار إعادة رسم مسارات التجارة الدولية ليكون الممر بديلًا عمليًا للنقل بين الشمال "روسيا - أوروبا" والجنوب "خليج فارس – جنوب آسيا"، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع قيمة الممرات التقليدية.

ولا يقتصر تطوير الممر "شمال - جنوب" على التعاون اللوجستي لكنه يمتد إلى إعادة التموضع داخل قلب الصراع الجيوسياسي الأوراسي، وهو ما يمثل رسالة إلى الغرب والأسواق العالمية بأن روسيا وإيران قادرتان على تأمين بدائل استراتيجية في النقل الدولي رغم الضغوط والعقوبات المفروضة عليهما، إضافة إلى الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه أذربيجان في شبكة ضخ التجارة العابرة للقارات.
وبالنظر إلى الأهمية التي يمثلها الممر للدول الثلاث، فإنه يمثل مخرجًا لروسيا وإيران للهروب من العزلة الاقتصادية والحصار البحري والموانئ الخاضعة للمراقبة الغربية، بينما تمثل أذربيجان حلقة وصل مستقرة نسبيًا بين شمال القوقاز وجنوبه، وهو ما يعطي الاتفاقية بعدًا يتجاوز التفاهم الاقتصادي ليمتد إلى المصالح الجيوسياسية التي تحقق لكل طرف تثبيت موقعه داخل التحالفات الجديدة في أوراسيا.
الأهمية الاقتصادية للممر
وفق أهداف الاتفاقية المعلنة، فإن مذكرة التفاهم تغطي مجالات مهمة مثل تحديد أسعار ثابتة لنقل البضائع على طول الطريق الغربي للممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، وتحديد أسعار موحدة تنافسية، وتوسيع الخدمات اللوجستية، وبموجب هذه المذكرة، أعادت الدول الثلاث تأكيد التزامها بالتعاون الثنائي والمتعدد الأطراف المستقر والمفيد للطرفين، وحددت هدف تحويل الطريق الغربي للممر الشمالي الجنوبي إلى مسار عبور إقليمي نشط.

وانطلاقًا من هذه الرؤية فإن ممر "شمال - جنوب" يتجاوز وظيفته كطريق نقل إلى كونه أداة لكسر الحواجز التجارية وإعادة تشكيل تدفقات السلع وتوحيد التعرفة وخلق بيئة أسعار مستقرة، حيث إن فكرة إنشاء الممر التي بدأت في عام 2000 بين روسيا وإيران والهند كانت تستهدف خفض تكاليف النقل بنسبة تصل إلى 30% وتقصير زمن رحلات النقل التي تمر عبر الممرات التقليدية.
ويساهم الممر أيضًا في زيادة حجم الشحن والنقل التجاري، حيث تسعى أذربيجان إلى رفع حجم نقل البضائع على هذا الممر إلى 5 ملايين طن بحلول 2028، مع إمكانية مستقبلية للزيادة إلى 15 مليون طن سنويًا، ووفق تصريحات لوزير التنمية الرقمية والنقل في أذربيجان فإن عددًا من المشاريع يجري تنفيذها في أذربيجان لتطوير الممرات الدولية، وأن أذربيجان وروسيا وقعتا العام الماضي اتفاقية للتعاون في تطوير النقل العابر في إطار ممر النقل الدولي "شمال - جنوب".
كما يوفر الممر فرصًا لوجستية واستثمارية، حيث إن توسيع البنية التحتية والتي تشمل "خطوط السكك الحديدية والمحطات والموانئ" وزيادة تدفق البضائع، يوفر العديد من الفرص للاستثمارات في النقل، التخزين، الموانئ، وخدمات ما بعد الشحن، إضافة إلى تعزيز التجارة الصناعية والزراعية بين الشمال والجنوب، ووفق تقارير أذرية فقد شهدت البنية التحتية على طول ممر النقل والخدمات اللوجستية الذي يمر عبر أذربيجان تحديثًا شاملاً، مما يجعل البلاد حلقة وصل محورية بين المناطق الشمالية والجنوبية من القارة الأوراسية.
ختامًا:
يمكن القول، إن الاتفاق الثلاثي الأخير بين روسيا وإيران وأذربيجان، يأتي في إطار السعي لإعادة تشكيل شبكات النقل في أوراسيا، وليس مجرد خطوة لوجستية لتطوير المسار الغربي من الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، حيث أصبح يمثل أهمية جيوسياسية واقتصادية كبرى لما يمثله من تعويض لتراجع الطرق التقليدية وتوفير البدائل الآمنة للتجارة في ظل تصاعد التوترات العالمية، وهو ما يمنح الدول المشاركة في الاتفاق "إيران - روسيا" القدرة على مواجهة الضغوط والعقوبات المفروضة عليهما وكسر العزلة الدولية، ويبقى مستقبل الممر مرهونًا بقدرة الدول المشاركة على استكمال مشروعات البنية التحتية المتعثرة وتنسيق السياسات الجمركية وتحويل التعاون الحالي إلى شراكة مستدامة.



