رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محاكمة حركة أنتيفا وعصابة المطرقة: ألمانيا تواجه تصاعد العنف السياسي

 عصابة المطرقة..
عصابة المطرقة.. أحد أجنحة حركة أنتيفا أوست

تستعد المحاكم الألمانية لمعاقبة مجموعة من الأفراد المشتبه بانتمائهم إلى ما يُعرف إعلاميًا بـ"عصابة المطرقة" المنتمية إلى اليسار المتطرف، وسط اهتمام إعلامي وسياسي واسع نظرًا لارتباط القضية بعمليات عنف منسوبة إلى جماعات راديكالية، ومن المقرر أن تنظر المحكمة في سلسلة اتهامات تتراوح بين الاعتداءات الجسدية والتخريب المنظّم، وهي قضايا تقول السلطات إنها تعود إلى عمليات منسقة استهدفت خصومًا سياسيين ومؤسسات محلية.

حركة أنتيفا أوست 
حركة أنتيفا أوست 

وتأتي هذه المحاكمة بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة تصنيف حركة "أنتيفا أوست"، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الأوروبية حول تداعيات التشدد في التعامل مع الجماعات اليسارية المتطرفة؛ في إجراء ألقى بظلاله على مسار القضية ورفع مستوى المتابعة الدولية لملف الجماعات المتشددة في ألمانيا.

 

وتزامن التصعيد الأمريكي مع مراسم تأبين الناشط المحافظ الأميركي تشارلي كيرك، حيث ربطت تقارير إعلامية بين الحدثين باعتبارهما جزءًا من موجة أوسع من التوتر السياسي الحاد في الولايات المتحدة، والذي يمتد أثره إلى أوروبا عبر قضايا العنف السياسي والتطرف.

حركة أنتيفا أوست 
حركة أنتيفا أوست 

خريطة التيارات اليسارية المتطرفة في ألمانيا

تتوزّع التيارات اليسارية المتطرفة في ألمانيا على مجموعة من الاتجاهات ذات الخلفيات الفكرية المختلفة، يجمعها السعي إلى إحداث تغيير جذري في النظام السياسي والاقتصادي القائم. وعلى الرغم من اختلاف أساليبها، فإن هذه التيارات تشترك في رفضها للنظام الديمقراطي البرلماني، وتبنّيها تصورات اشتراكية أو لادولتية تتجاوز الإطار السياسي التقليدي.

ويبرز في مقدمة هذه التيارات الجناح الشيوعي–الماركسي، الذي يرى أن الرأسمالية لا يمكن إصلاحها من الداخل، بل يجب استبدالها بنظام اشتراكي ثوري. وتتحرك المجموعات المنتمية لهذا التيار ضمن هياكل منظَّمة نسبيًا، وتتبع خطابًا أيديولوجيًا صارمًا يستند إلى النظريات الماركسية واللينينية.

حركة أنتيفا أوست 
حركة أنتيفا أوست 

أما التيارات الأناركية، أو ما يُعرف بالفوضوية، فتتبنى موقفًا أكثر تشددًا تجاه الدولة كفكرة، رافضة أي سلطة مركزية. وتتميز هذه المجموعات بطابع شبكي ولا مركزي، وتشارك غالبًا في احتجاجات ضد الشرطة والعولمة والليبرالية الاقتصادية، مع تركيز على أشكال المقاومة المباشرة.

وفي المقابل، تشكل مجموعات "أنتيفا" إحدى أبرز الواجهات اليسارية المتطرفة وأكثرها حضورًا في الشارع الألماني. فرغم عدم وجود هيكل تنظيمي موحد لها، إلا أن تأثيرها واضح في الاحتجاجات المناهضة للعنصرية واليمين المتطرف. وتتنوع أساليبها بين العمل السلمي والنشاط الراديكالي الذي قد يشمل مواجهات مباشرة مع خصومها السياسيين أو الشرطة.

الموقف الرسمي لبرلين تجاه التطرف اليساري

يمثل التطرف اليساري أحد التهديدات التي تخضع للمراقبة الأمنية المكثفة داخل البلاد، وتشير تقارير الاستخبارات الداخلية إلى أن هذا التيار يشمل مجموعات وشبكات ترفض النظام الديمقراطي البرلماني وتسعى إلى تغييره بوسائل راديكالية، بعضها ينزلق إلى استخدام العنف ضد المؤسسات أو الخصوم السياسيين.

حركة أنتيفا أوست 
حركة أنتيفا أوست 

وتستند الأجهزة الأمنية في موقفها إلى وقائع سابقة رصدتها خلال السنوات الأخيرة، أبرزها الارتفاع في عدد الجرائم ذات الدوافع اليسارية المتطرفة، إذ سجل التقرير الاتحادي لعام 2023 ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم العنف المرتبطة بهذا التيار، وهو ما عزز توجه السلطات نحو تشديد الرقابة والتعامل الحازم مع أي نشاط يُشتبه بأنه يهدد النظام الدستوري.

وتنظر المحاكم الألمانية سلسلة من القضايا التي تعكس خطورة بعض المجموعات الراديكالية، من بينها محاكمة عناصر ينتمون إلى شبكات يسارية متطرفة تورطوا في اعتداءات استهدفت أفرادًا يُشتبه بانتمائهم لليمين المتطرف أو قوات الشرطة، وتعتبر هذه المحاكمات جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحد من التصعيد في الشارع ومنع تحول المواجهات السياسية إلى دائرة عنف مستمر.

حركة أنتيفا أوست 
حركة أنتيفا أوست 

وفي موازاة ذلك، ترفض الحكومة الألمانية أي ربط بين اليسار الديمقراطي المشروع والتطرف اليساري العنيف، مؤكدة أن المتابعة الأمنية تستهدف فقط التيارات التي تتبنى خطابًا مناهضًا للنظام الديمقراطي أو تلجأ إلى القوة، وتشدد السلطات على أن الحفاظ على النظام الديمقراطي الحر يقتضي مواجهة جميع أشكال التطرف، سواء جاءت من اليمين أو اليسار، بهدف حماية الاستقرار السياسي وسيادة القانون.

مجالات نشاط اليسار المتطرف في ألمانيا

تركز الجماعات اليسارية المتطرفة نشاطها أساسًا على الاحتجاجات المناهضة للرأسمالية والعولمة، إذ تُعد التجمعات الاقتصادية الكبرى والتظاهرات العمالية في الأول من مايو ساحات رئيسية لتحركاتها، وغالبًا ما تشهد هذه الفعاليات حضور مجموعات راديكالية تعمل على توجيه رسائل سياسية ضد سياسات السوق الحر والمؤسسات المالية الدولية.

حركة أنتيفا أوست 
حركة أنتيفا أوست 

كما تنشط هذه المجموعات في الحملات المناهضة لليمين المتطرف، خاصة في المدن الكبرى مثل برلين وهامبورغ ولايبزيغ، حيث تركز فعالياتها على مواجهة العنصرية وكراهية الأجانب، وفي بعض الحالات، تتطور تلك المواجهات إلى اشتباكات مباشرة مع مجموعات يمينية أو مع الشرطة، خصوصًا خلال المسيرات التي تُنظم ردًا على مظاهرات اليمين.

ويمتد نشاط اليسار المتطرف أيضًا إلى ما يُعرف بحركات الإسكان البديل والمراكز الثقافية المستقلة، وهي مبادرات تقوم على احتلال مبانٍ مهجورة وتحويلها إلى فضاءات اجتماعية أو سياسية. وتعتبر هذه المواقع نقاط تجمع للنشاط الثقافي والسياسي غير الرسمي، لكنها شهدت في بعض الأحيان تدخلات أمنية لإخلائها بعد تسجيل أعمال تخريب أو اشتباكات محلية.

وتشارك هذه المجموعات كذلك في حملات بيئية وتحررية ذات طابع راديكالي، خاصة تلك التي تنتقد مشروعات البنية التحتية الكبرى أو سياسات الطاقة. ورغم أن جزءًا من هذه التحركات يأتي في إطار احتجاجات سلمية، فإن الأجهزة الأمنية تشير في تقاريرها إلى أن بعض الفصائل اليسارية المتطرفة توظف هذه القضايا لتوسيع نفوذها أو لتبرير عمليات تخريب تستهدف منشآت أو شركات مرتبطة بالمشروعات المثيرة للجدل.

حركة أنتيفا أوست 
حركة أنتيفا أوست 

ختامًا:

 فإن مستقبل اليسار في ألمانيا وأوروبا ليس ثابتًا، بل يتأرجح بين استعادة النفوذ أو الانكماش أو التحول إلى قوى احتجاجية أمام صعود اليمين. ويعتمد المسار النهائي على قدرة أحزاب اليسار على تجديد خطابها، ومواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، والتكيف مع التحولات السريعة في الرأي العام الأوروبي.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء