رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خارطة الطريق ضد الكرملين: استعدادات المفوضية الأوروبية لمعركة النفوذ

الحرب الباردة بين
الحرب الباردة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي - أرشيفية

وافق قادة الاتحاد الأوروبي على خطة الاستعداد الدفاعي 2030 التي أعدتها المفوضية الأوروبية، في خطوة وُصفت بأنها الأوسع منذ نهاية الحرب الباردة لتأهيل القارة عسكريًا في مواجهة أي تهديد خارجي، وعلى رأسه روسيا. وتأتي الخطة في توقيت تشهد فيه الجبهة الشرقية للاتحاد توترًا متزايدًا، ما دفع بروكسل إلى التحول من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء قدرة دفاعية متكاملة تشمل إعادة تسليح موسعة، وتطوير الصناعة العسكرية، ورفع جاهزية الجيوش الأوروبية لنشر قواتها بسرعة عبر الحدود.

ويعكس اعتماد هذه الخطة إدراكًا أوروبيًا متناميًا بأن الصراع مع موسكو لم يعد محصورًا في أوكرانيا، بل بات جزءًا من معادلة أمنية طويلة الأمد تهدد البنية الاستراتيجية للقارة. ومن خلال إطلاق هذا البرنامج، تسعى المفوضية إلى ترسيخ استقلالية القرار الأمني الأوروبي، وتعزيز منظومة الردع، وإرسال رسالة مفادها أن الاتحاد يتحضر لمرحلة جديدة يكون فيها قادرًا على حماية أراضيه بشكل جماعي دون انتظار المظلة الأمريكية.

الحرب الباردة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي - أرشيفية 
الحرب الباردة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي - أرشيفية 

تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة

كثفت المفوضية الأوروبية خلال الأسابيع الأخيرة تحركاتها الرامية إلى تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة داخل الاتحاد، عبر توسيع آليات المشتريات الجماعية وتخصيص اعتمادات إضافية لبرامج الذخائر والدفاع الجوي. وتؤكد بروكسل أن هذه الجهود تأتي استجابةً لتحذيرات متزايدة من احتمال امتداد التهديدات الروسية إلى حدود الاتحاد خلال الأعوام المقبلة.

وتعمل المفوضية على تسريع إنتاج الذخائر في المصانع الأوروبية، وضمان توافر خطوط توريد مستدامة تسمح بتزويد أوكرانيا بالعتاد اللازم دون التأثير على مخزونات دول الاتحاد. وتشمل الخطط اعتماد معايير أوروبية موحدة للتسليح وتطوير منصات مشتركة لأنظمة الدفاع الجوي، بما يتيح تماهيًا أفضل بين قدرات الجيوش الوطنية.

الحرب الباردة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي - أرشيفية 
الحرب الباردة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي - أرشيفية 

وتعكس التحركات الحالية إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لأهمية بناء سيادة دفاعية تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، في ظل مخاوف من تغيرات محتملة في السياسة الأمريكية. وتؤكد المفوضية أن تعزيز الصناعة العسكرية الأوروبية لم يعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل ضرورة استراتيجية لردع أي اختبار روسي محتمل لقدرة الاتحاد على حماية أراضيه.

تأمين الجبهة الشرقية

رفعت المفوضية مستوى التنسيق الأمني مع دول البلطيق وبولندا، في ظل تقارير استخباراتية تشير إلى احتمال لجوء روسيا خلال السنوات المقبلة إلى استفزازات عسكرية أو هجمات هجينة على الحدود الشرقية للاتحاد. وتعمل بروكسل على توفير تمويل عاجل لدعم البنية التحتية العسكرية القادرة على استيعاب تحركات قوات الناتو على الجبهة الشرقية.

ويتضمن البرنامج الأوروبي الجديد تحديث الطرق والموانئ وممرات السكك الحديدية المستخدمة لنقل المعدات العسكرية، إلى جانب تحسين القدرات اللوجستية في الممر المعروف بـ"سواكي غاب"، الذي يُعتبر أكثر النقاط حساسية بين بولندا وليتوانيا. كما تدرس المفوضية إنشاء آلية دائمة لإدارة الاستجابة السريعة لأي توترات على الحدود.

دول حلف الناتو - أرشيفية
دول حلف الناتو - أرشيفية

وتدعم بروكسل خطط تعزيز الدفاع الجوي في دول البلطيق وتوسيع أنظمة الإنذار المبكر، بالتنسيق مع قيادة الناتو، ويهدف هذا الجهد إلى سدّ الثغرات الأمنية التي كشفتها الحرب الأوكرانية، إضافة إلى منع روسيا من اختبار قدرة أوروبا على حماية حدودها الشرقية ومنع تكرار سيناريوهات شبيهة بالقرم أو دونباس.

خطة الطاقة لما بعد روسيا

تعتمد الخطة الأوروبية على إعادة صياغة سياسة الطاقة في الاتحاد بهدف إنهاء الاعتماد على الإمدادات الروسية بصورة دائمة، من خلال توسيع مشاريع الربط الكهربائي وتنويع مصادر الغاز. وتؤكد بروكسل أن تأمين الطاقة لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل جزءًا أساسيًا من الاستعداد الاستراتيجي لأي مواجهة محتملة مع موسكو.

الحرب الروسية الأوكرانية - أرشيفية
الحرب الروسية الأوكرانية - أرشيفية

ويتضمن البرنامج الأوروبي الجديد زيادة واردات الغاز من النرويج والجزائر وقطر، إلى جانب تسريع الاستثمار في محطات الغاز المسال التي تسمح بوصول واردات الولايات المتحدة وكندا بسهولة أكبر إلى الأسواق الأوروبية. كما تدعم المفوضية خطط التحول إلى الطاقة المتجددة لتقليل تأثير أي صدمات مستقبلية في العرض أو الأسعار.

ومن المحتمل أن يحرم ضمان استقلال الطاقة روسيا من أحد أهم أدوات الضغط الجيوسياسي على أوروبا، خصوصًا أن موسكو استخدمت إمدادات الغاز في السنوات الماضية لتعميق الانقسامات داخل الاتحاد. ويُتوقع أن تشكل هذه الخطة أحد أعمدة الردع الأوروبي في المرحلة المقبلة.

تقوية الداخل الأوروبي

تحركت المفوضية الأوروبية بالتنسيق مع حكومات الدول الأعضاء لتشديد القوانين المتعلقة بمكافحة التجسس وتمويل جماعات الضغط المرتبطة بروسيا، وتشير بروكسل إلى كشفها شبكات نفوذ تعمل داخل أوروبا للتأثير في الانتخابات والسياسات العامة في دول الاتحاد.

وتتجه المفوضية لإقرار لائحة جديدة تلزم المؤسسات الإعلامية والسياسية بالكشف عن مصادر التمويل الخارجي، إضافة إلى إنشاء سجل أوروبي موحد للوكلاء الأجانب. إذ تقول مصادر أوروبية إن الهدف هو سد الطريق أمام أي محاولة روسية لاستغلال الانقسامات الداخلية الأوروبية.

وتأتي هذه الإجراءات ضمن مسعى أوسع لتحصين الجبهة الداخلية للاتحاد قبل أي مواجهة محتملة مع موسكو، عبر رفع مستوى الوعي العام بعمليات التأثير التي تستهدف المجتمعات الأوروبية، وتعتبر بروكسل أن أمن الاتحاد يبدأ من الداخل، وأن بناء تماسك سياسي وإعلامي بات ضرورة لا تقل أهمية عن تعزيز القوة العسكرية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء