وثيقة ترامب للحرب الأوكرانية: تنازلات جغرافية مقابل ضمانات أمنية دولية
رغبةً في إنهاء الحرب الروسية_الأوكرانية التي بدأت 2022، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة سلام في وثيقة من 28 بندًا، تتمحور حول وقف فوري لإطلاق النار وترتيبات أمنية جديدة تضع قيودًا على قدرات كييف العسكرية وتعيد رسم علاقتها مع حلف الناتو.
وتشدد المسودة، -وهي ليست نهائية وفي الأغلب سيتم تعديل بعض بنودها-، على تثبيت حياد أوكرانيا عبر إدراج التزام بعدم الانضمام للناتو في دستورها، مقابل ضمانات أمنية موثوقة تُفعَّل في حال تعرضت لهجوم جديد، إضافة إلى إنشاء مجلس سلام دولي برئاسة ترامب للإشراف على تنفيذ الاتفاق.

بين تحفظات أوكرانيا على التنازلات الإقليمية، ومخاوف الاتحاد الأوروبي من تهميش دوره، وتحفظات روسيا على البنود التي لا تلبي مصالحها الأمنية، يبدو الطريق إلى تطبيق هذه الخطة معقدًا وملغومًا بالعقبات؛ فلم ترقَ الخطة حتى الآن إلى مستوى رضا أي من الأطراف المعنية، وتبقى التساؤلات عن إمكانية أن تتحول من مسودة مثيرة للجدل إلى اتفاق عملي، وهل ستنجح الضغوط الدولية والوساطات المحتملة في إيجاد أرضية مشتركة، أم أن الوثيقة ستبقى مجرد إطار نظري بلا أثر فعلي على أرض الواقع؟
خطة ترامب ومصير السيادة على الأرض
وتقترح المسودة التي صاغها الرئيس الأمريكي خطة معالجة ملف الأراضي المتنازع عليها من خلال الاعتراف بالأمر الواقع في القرم ودونيتسك ولوجانسك كأراضٍ واقعة فعليًا تحت السيطرة الروسية، مع تجميد خطوط القتال الحالية في خيرسون وزابوريجيا، وإنشاء منطقة عازلة في أجزاء من دونيتسك التي لا تزال تحت سيطرة كييف.
كما تضمنت خفض حجم الجيش الأوكراني إلى نحو 600 ألف جندي، وضمان بقاء البلاد خالية
من الأسلحة النووية، وإخضاع محطة زابوريجيا النووية لإشراف دولي مع تقاسم إنتاجها الكهربائي بين موسكو وكييف.
وبحسب وثيقة السلام سيشمل المحور الاقتصادي استخدام جزء من الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا، وإنشاء صندوق تنمية أوكرانيا، وفتح مسار تعاون اقتصادي بين واشنطن وموسكو في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
وتنص الوثيقة أيضًا على تبادل كامل للأسرى، ومعالجات إنسانية للمتضررين، وتنظيم انتخابات أوكرانية خلال 100 يوم من الاتفاق، إضافة إلى عفو قانوني شامل عن جميع الأطراف المشاركة في الحرب.

الاتحاد الأوروبي وصياغة السلام في أوكرانيا
رغم محاولات واشنطن تسويق الخطة كمسار سريع لإنهاء الحرب، يُظهر الموقف الأوروبي رغبة واضحة في الحفاظ على تماسك الجبهة الغربية، ورفض أي حلول قد تؤدي إلى إضعاف أوكرانيا سياسيًا أو عسكريًا.
من الملامح الأولية للمسودة يبدو أن خطة السلام منحازة لروسيا بعض الشيء؛ لذلك أعلن الاتحاد الأوروبي عن تحفظات واضحة تجاه المسودة التي طرحها ترامب، مؤكدًا أن أي اتفاق لا يمكن أن يتم من دون مشاركة كييف والتنسيق الكامل مع بروكسل، معتبرًا تجاوز أوكرانيا في رسم ملامح تسوية سياسية أمرًا "غير مقبول"، وأن نجاح أي مبادرة يتطلب إشراك الأطراف المتضررة مباشرة في صياغة شروط السلام.
وأثارت الوثيقة مخاوف من البنود التي تتضمن تنازلات إقليمية تُفرض على أوكرانيا؛ فوحدة الأراضي الأوكرانية خط أحمر لا يمكن تجاوزه. كما قالت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد، كايا كالس، إن أي خطة سلام يجب أن تنص على سلام عادل ودائم يحترم سيادة أوكرانيا ولا يكافئ العدوان.
وتخشى بروكسل من أن يؤدي تجميد خطوط القتال أو الاعتراف الواقعي بسيطرة روسيا على أراضٍ أوكرانية إلى خلق سابقة خطيرة في الأمن الأوروبي.
وفي مقابل التحفظات على الخطة الأمريكية، ألمحت عدة دول أوروبية إلى استعدادها لزيادة الدعم العسكري والمالي لكييف في حال عدم التوصل إلى تسوية مقبولة. كما تدرس عواصم أوروبية مقترحات لوضع "مبادرة سلام أوروبية" مشتركة تُطرح بالتنسيق مع أوكرانيا، بهدف تقديم بديل يضمن احترام القانون الدولي ويحافظ على أمن القارة على المدى الطويل.
موقف روسي حذر
أبدت موسكو رد فعل حذرًا تجاه خطة السلام، مؤكدة أنها لم تتلقَّ أي إشعار رسمي بأن كييف مستعدة للتفاوض على أساس الوثيقة. وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن روسيا تتابع المقترح لكنها لا تعتبره مطروحًا للتنفيذ قبل وجود موافقة أوكرانية واضحة، مشيرًا إلى أن بلاده منفتحة على مناقشة أي مبادرة جدية وواقعية.
وفي الوقت ذاته، أعلن الكرملين أنه منفتح على الحوار مع واشنطن بشأن سبل إنهاء الحرب، معتبرًا أن إدارة ترامب ما زالت تبدي التزامًا بمسار التسوية، لكن المسودة الأميركية لا تلبي كل مطالب موسكو، خصوصًا ما يتعلق بالاعتراف الكامل بالسيادة الروسية على المناطق التي تسيطر عليها، وبضمانات طويلة الأمد تمنع توسع الناتو.

كما شددت موسكو على أنها لن تقبل بأي خطة تُبقي جذور الصراع دون معالجة، مؤكدة ضرورة التوصل إلى اتفاقات قانونية ملزمة تمنع تكرار المواجهة وتضمن مصالحها الأمنية. وترى روسيا أن أي تسوية سلام يجب أن تتجاوز وقف إطلاق النار المؤقت إلى حلول “دائمة” تعالج القضايا الحدودية والأمنية التي تعتبرها أساسية لاستقرار المنطقة.
حلول وسط ممكنة
رغم التباعد الكبير بين المواقف الروسية والأوكرانية، وما تحمله خطة ترامب من نقاط خلافية، تبقى إمكانية الوصول إلى حلول وسط قائمة إذا توافرت إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المعنية. ويمكن أن تشمل هذه الحلول ترتيبات أمنية متوازنة تضمن سلامة أوكرانيا دون استفزاز مصالح روسيا، إضافة إلى صياغة تسوية مرحلية حول المناطق المتنازع عليها تُدار دوليًا إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي.
كما قد يشكل تعزيز الإشراف الدولي على المفاعلات النووية، وتطوير برامج إعادة الإعمار المشتركة، مدخلًا لإعادة بناء الثقة وتخفيف مخاوف الطرفين.
في نهاية المطاف، تبدو فرص النجاح رهينة بتلاقي الضغوط الدولية مع حسابات الأطراف المتحاربة، وبقدرة الوسطاء على إنتاج إطار يوازن بين السيادة الأوكرانية والضمانات الأمنية الروسية.
ورغم صعوبة اللحظة السياسية، فإن نافذة التسوية لا تزال مفتوحة، شرط أن يدرك الجميع أن البديل عن الحلول الوسط هو استمرار حرب تستنزف الجميع بلا استثناء.



