الجماعة الإسلامية اللبنانية في مرمى واشنطن: "قوة الفجر" تواجه قرار ترامب
يثير الحديث عن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصنيف "الجماعة الإسلامية"(جماعة الإخوان) في لبنان تنظيمًا محظورًا، تساؤلات حول تأثير خطوة كهذه على مستقبل التنظيم وحضوره السياسي والاجتماعي، إذ لفت ترامب إلى أن فرع جماعة الإخوان في لبنان قدّم الدعم لحركة حماس في غزة؛ لذلك سيضع هذا الإجراء الجماعة أمام تحديات غير مسبوقة على المستويين الداخلي والخارجي، نظرًا لارتباطه المباشر بالعقوبات المالية والسياسية التي عادة ما ترافق قرارات الحظر الأمريكية.
ومن المتوقع أن ينعكس أي تصنيف أمريكي سلبًا على الوضع المالي للجماعة، عبر تضييق الخناق على التحويلات والدعم الخارجي وعمليات التمويل الخاصة بالمؤسسات التربوية والخيرية المرتبطة بها، كما قد تواجه مؤسساتها صعوبة في التعامل مع المصارف اللبنانية التي تلتزم عادة بالمعايير المالية الأمريكية تجنبًا للعقوبات.

نرصد تأثير القرار على الجماعة الإسلامية سياسيًا واجتماعيًا، وعلاقتها بحزب الله اللبناني، وكيف ستتكيف الجماعة مع القرارات الأمريكية.
نشأة الجماعة الإسلامية في لبنان ومسارها العسكري
ترجع نشأة الجماعة الإسلامية في لبنان إلى عام 1964، حين أعلن عدد من الدعاة المتأثرين بفكر الإخوان عن تأسيس تنظيم دعوي–اجتماعي جديد في صيدا ومناطق أخرى، وتمكنت الجماعة، بقيادة شخصيات بارزة مثل فتحي يكن، من بناء حضور داخل الجامعات والمؤسسات التربوية والاجتماعية، لتصبح أحد المكونات السياسية السنية الفاعلة في الساحة اللبنانية.

وخلال الحرب الأهلية واجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، اتجهت الجماعة إلى خيار المقاومة من خلال تشكيل جناح عسكري حمل اسم "قوة الفجر"، واقتصر نشاط هذه القوة على استهداف القوات الإسرائيلية في الجنوب وصيدا، من دون الانخراط في مواجهات واسعة مع القوى اللبنانية الأخرى، ما جعل دورها العسكري محصورًا في إطار مقاومة الاحتلال.
ومع انحسار الحرب وتطبيق اتفاق الطائف، أنهت الجماعة فعليًا أي نشاط مسلح، واتجهت إلى العمل السياسي العلني والمشاركة في الحياة الديمقراطية. وقد ثبّتت منذ التسعينيات التزامها بالعمل السلمي، مركّزة على النشاط الدعوي والتربوي والخدمات الاجتماعية عبر شبكة من المؤسسات، إلا إنها عادت للعمل المسلح عقب عملية "طوفان الأقصى"، وشاركت بجانب حزب الله في عمليته المسلحة ضد "الكيان الصهيوني".

الترخيص الرسمي ودوره في المشاركة السياسية للجماعة
حصلت الجماعة الإسلامية في لبنان على الترخيص الرسمي من وزارة الداخلية عام 1964، بعد أن كانت قد بدأت نشاطها الدعوي والتنظيمي في أوائل الستينيات في مدينة صيدا ومناطق أخرى، وأتى الترخيص ليمنح الجماعة صفة قانونية كجمعية تعمل في الإطار الديني والاجتماعي، قبل أن تتطور لاحقاً إلى كيان سياسي منظَّم.
وقد شكّل الاعتراف الرسمي خطوة مفصلية سمحت للجماعة بتأسيس مؤسسات تربوية وخيرية، وتوسيع حضورها داخل الجامعات والهيئات الطلابية. كما فتح الباب أمام مشاركتها في الحياة العامة ضمن القوانين اللبنانية.
ومع مرور السنوات، استندت الجماعة إلى هذا الترخيص لتفعيل مشاركتها السياسية عبر الانتخابات النيابية والبلدية، وتسجيل جمعيات ومؤسسات مرتبطة بها تعمل في مجالات التعليم والخدمات والرعاية الاجتماعية. وظل التنظيم يعمل ضمن الإطار القانوني المعتمد للجمعيات الدينية والسياسية في لبنان.
العلاقة المتقلبة بين الجماعة وحزب الله.. خلفية تاريخية
تُظهر العلاقة بين الجماعة الإسلامية في لبنان وحزب الله الشيعي قدرًا من التعاون في الملفات المرتبطة بمواجهة إسرائيل، وقد برز هذا التقارب خصوصًا في مراحل سابقة من الصراع مع الاحتلال، حيث سجّل الطرفان مواقف متقاربة تتعلق بدعم نهج المقاومة والعمل الميداني في الجنوب.

لكن، وبالرغم من مظاهر التعاون، تبقى الفجوة بين الطرفين واسعة على المستويين الفكري والسياسي، فالجماعة الإسلامية تنتمي إلى مدرسة الإخوان ذات البعد السني العابر للحدود، بينما يستند حزب الله إلى مرجعية دينية وسياسية شيعية مرتبطة بطهران. هذا التباين ينعكس على مقاربات كل طرف للقضايا اللبنانية والإقليمية.
كما ازداد التباعد بين الجانبين بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011، إذ تبنت الجماعة الإسلامية موقفًا داعمًا للثورة السورية، في حين دخل "حزب الله" بشكل مباشر إلى القتال إلى جانب النظام. هذا التناقض حوّل العلاقة إلى مرحلة من البرود والتوتر السياسي، بعدما كانت تتسم بهامش من المرونة.
حاليًا، تتسم العلاقة بطابع براجماتي يغلب عليه الحذر والهدوء، فبينما لا يوجد تنسيق سياسي منتظم، يحرص الطرفان على تجنب الصدام داخل الساحة اللبنانية، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة حين تفرض الضرورة ذلك. ونتيجة لهذه المعادلة، تبقى العلاقة بينهما باردة لكنها مستقرة ضمن حدود التوازنات الداخلية.
رقابة أمنية مستمرة ضمن الإطار العام
تخضع الجماعة الإسلامية، بصفتها أحد المكونات السياسية ذات الخلفية الإسلامية السنية في لبنان، إلى متابعة أمنية دورية شأنها شأن الأحزاب والتنظيمات الفاعلة في الساحة اللبنانية، إذ تأتي هذه المتابعة في سياق حرص الأجهزة الأمنية على مراقبة أي نشاط سياسي أو اجتماعي يمكن أن تكون له انعكاسات على الاستقرار الداخلي.

وعلى الرغم من الاختلافات السياسية بين الجماعة وبعض الأطراف الرسمية، يتم الحفاظ على قنوات تواصل بين كوادرها والجهات الأمنية عند الضرورة، ويهدف هذا التواصل إلى تسهيل العمل الاجتماعي للجماعة في المناطق التي تنشط فيها، إضافة إلى معالجة أي ملفات تتعلق بالجمعيات الخيرية والمؤسسات التربوية المرتبطة بها.
علاوة على ذلك، تُولي الأجهزة الأمنية اهتمامًا خاصًا بالتدقيق في مصادر التمويل والأنشطة الميدانية التي تتولاها الجماعة الإسلامية، ولا سيما تلك ذات الطابع الدعوي والخدماتي، ويعتبر هذا الاهتمام ضمن إطار الإجراءات الحكومية التي شملت مختلف الجمعيات الدينية بعد السنوات التي تلت الأزمات الأمنية في المنطقة.
ورغم الفترات التي شهدت توترًا سياسيًا مع بعض القوى، يتسم التعامل الأمني مع الجماعة الإسلامية بالهدوء النسبي وعدم التصعيد، فالأجهزة المعنية تعتمد مقاربة تهدف إلى تثبيت الاستقرار وتجنّب أي احتكاك مباشر، فيما تلتزم الجماعة بقواعد العمل السياسي العلني المعمول بها في لبنان.
سيناريوهات ما بعد التصنيف الأمريكي
يثير الحديث عن احتمال حظر الجماعة الإسلامية مجموعة من السيناريوهات التي قد تشكّل مسارًا للأحداث، فمن الممكن أن تتحول الجماعة إلى العمل الأهلي غير السياسي من خلال إعادة تنظيم مؤسساتها الدعوية والخيرية تحت مسميات جديدة، بما يسمح لها بالاستمرار في نشاطها الاجتماعي من دون صدام مباشر مع الدولة، وقد تلجأ في هذه الحالة إلى تعزيز حضورها المحلي عبر الشخصيات المستقلة القريبة منها.

على المستوى السياسي، قد يؤدي الحظر إلى انحسار حضور الجماعة في الساحة اللبنانية، لا سيما في علاقاتها مع الأحزاب والقوى المحلية التي قد تتحفظ على التعاون معها تحت ضغط البيئة الدولية. وقد تجد الجماعة نفسها مضطرة إلى إعادة تموضع سياسي يركّز على الخطاب الداخلي والعمل الأهلي لتقليل آثار العزلة الخارجية.
ورغم ذلك، يرجّح أن تسعى الجماعة إلى التعامل الهادئ مع أي قرار أمريكي من خلال التأكيد على تاريخها السياسي، وسعيها إلى تجنب أي نشاط عسكري منذ التسعينيات. كما قد تعمد إلى تفعيل قنواتها الشعبية والاجتماعية لتعويض أي فراغ ناجم عن القيود الخارجية، مع التركيز على البيئة المحلية التي تشكّل ركيزة حضورها التقليدي.



