الهند بين باكستان وطالبان: إعادة تموضع في ساحة مضطربة
على الرغم من عدم اعتراف الهند بحكومة طالبان الأفغانية منذ صعودها إلى السلطة في أغسطس 2021، إلا أن العلاقات بين الجانبين تشهد انفتاحًا ملحوظًا خلال الآونة الأخيرة على عدة مستويات، سواء الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الملفات الإنسانية، وذلك في الوقت الذي تبحث فيه حكومة طالبان عن تعزيز علاقاتها الدولية للحصول على الاعتراف بشرعيتها.
ويبدو أن "نيودلهي" بدأت في ترتيب أولوياتها تجاه "كابول" عبر عدة إجراءات مثل إعادة فتح القنوات الدبلوماسية وتوسيع التعاون التجاري، ما يؤشر إلى أن الهند تمضي في تقاربها المحسوب مع طالبان لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يتلاقى مع رغبة طالبان التي تسعى إلى كسر عزلتها الدولية وتعزيز علاقاتها بما يخدم مصالحها ويمنحها القدرة على حل أزماتها.

مؤشرات التقارب
تتزايد مؤشرات التقارب بين الهند وأفغانستان خلال الأشهر الأخيرة، والتي تمثلت في فتح قنوات دبلوماسية وزيارات لقيادات في حكومة طالبان؛ ففي أكتوبر الماضي وصل وزير الخارجية الأفغاني أمين خان إلى الهند، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها زعيم كبير في حركة طالبان منذ عودتها إلى السلطة في عام 2021 بعد انسحاب القوات التي تقودها الولايات المتحدة وسقوط كابول.
وشهدت الزيارة التي استمرت 6 أيام إعلان الهند رفع مستوى بعثتها الفنية في كابول إلى مستوى سفارة، معلنةً عن سلسلة من المشاريع والمبادرات الإنسانية لتعزيز العلاقات مع أفغانستان. وصرح وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار، خلال إعلانه إعادة افتتاح السفارة رسميًا، بأن التعاون بين الجانبين يسهم في التنمية الوطنية لأفغانستان، فضلًا عن تعزيز الاستقرار الإقليمي وقدرته على الصمود.
ومثلت الزيارة انفراجة كبيرة في العلاقات بين الهند وأفغانستان؛ حيث صرح وزير الخارجية الأفغاني بأن الهند وافقت أيضًا على استقبال دبلوماسيين، وإن لم يكونوا على مستوى السفراء. ورغم أن هذه الترقية لا تمثل اعترافًا رسميًا بالنظام في كابول، إلا أنها تمثل دفعة قوية للعلاقات الدبلوماسية والجهود الجارية لتذليل العقبات أمام تعميق التعاون الاقتصادي، حيث إن الهند كانت قد أغلقت سفارتها في كابول بعد عودة طالبان إليها عام 2021، ولكن في يونيو 2022 أرسلت الحكومة فريقًا فنيًا إلى السفارة للإشراف بشكل رئيسي على توزيع المساعدات الإنسانية.

وخلال الزيارة حاولت الهند توظيف توتر العلاقات بين أفغانستان وباكستان؛ حيث أكد وزير الخارجية الهندي على مخاوف الهند بشأن الإرهاب عبر الحدود، بما في ذلك أنشطة الجماعات الإرهابية المتمركزة في باكستان والتي لها روابط محتملة في أفغانستان. وأكد له متقي أن طالبان لن تسمح لأي جماعة باستخدام البلاد ضد الآخرين. وفي بيان مشترك، أدان الجانبان جميع أعمال الإرهاب الصادرة عن دول المنطقة دون تسمية باكستان، وأكدا على أهمية تعزيز السلام والاستقرار والثقة المتبادلة في المنطقة.
إلى جانب فتح القنوات الدبلوماسية التي تؤسس لتواصل مستمر بين الجانبين وإعادة فتح السفارة، تم فتح قنوات إنسانية مباشرة تسمح بإرسال مرضى وطلاب، ما يسهم في تخفيف معاناة إنسانية ويعزز الشرعية الشعبية للعلاقة، وإبقاء التواصل من خلال عمل دبلوماسي غير رسمي، ما يؤسس لمرحلة جديدة من التفاعل والتواصل بين البلدين، كما يعزز مساعي الهند لخلق توازن في العلاقات مع أفغانستان دون اعتراف رسمي.

وفي إطار تعزيز الملف الإنساني، أعلن وزير الصناعة والتجارة نور الدين عزيزي أن الهند ستستأنف إصدار التأشيرات الطبية للمرضى الأفغان، وأنه تم التوصل إلى اتفاق مع المسؤولين الهنود بشأن هذه المسألة، كما أن السفارة الأفغانية في الهند ستلعب دورًا كبيرًا في تقديم التسهيلات في هذا الصدد، كما ستتولى السفارة الهندية في كابول تنفيذ البرامج أيضًا، وذلك بعدما أوقفت الهند في وقت سابق إصدار التأشيرات لمواطنيها بعد استعادة طالبان السيطرة على أفغانستان.
وتأتي خطوة إعادة إصدار الهند للتأشيرات الطبية في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بين باكستان وأفغانستان، وسياسة الإغلاق المتكرر للمعابر الحدودية من جانب إسلام آباد رغم اعتماد أفغانستان بشكل كبير على الجانب الباكستاني، حيث كان المئات من المواطنين الأفغان يسافرون بشكل يومي لتلقي العلاج، ما يعني أن إغلاق الحدود منذ أكثر من شهر يمثل أزمة؛ إذ إن المرضى لا يستطيعون عبور الحدود لتلقي العلاج، وهي الأزمة التي تحاول الهند توظيفها لصالحها.
أهداف التقارب
يهدف التقارب من جانب الهند إلى الاحتفاظ بنفوذها في أفغانستان، وذلك من خلال رسم حدود جديدة للعلاقة مع طالبان؛ فعلى الرغم من عدم الاعتراف الرسمي بشرعية حكومة طالبان، إلا أن نيودلهي ترى أنه يمكن فتح مسارات للعلاقة تستطيع من خلالها تحقيق مصالحها وتعزيز حضورها في الأراضي الأفغانية والاستفادة من هذه الساحة بدلًا من الفراغ الذي قد تملؤه قوى مناوئة أو منافسة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة مع باكستان ومساعي طالبان لتقليل الاعتماد عليها، وهو التطور الذي يدعم الخطوات الهندية لتعزيز نفوذها.
تتضمن الأهداف أيضًا أهدافًا لوجستية وتجارية؛ حيث إن الهند ترى أنه يمكن أن تكون أفغانستان جزءًا من مشروعها للربط مع دول آسيا الوسطى، وهو المشروع الذي تسعى الهند إلى تنفيذه منذ سنوات؛ حيث أطلقت سياسة "التواصل مع آسيا الوسطى" من العاصمة القرغيزية "بشكيك" في يونيو 2012، وأعلنت الهند عن سياستها على لسان وزير خارجيتها في ذلك التوقيت الذي أكد أن بلاده تنظر بجدية إلى المنطقة من خلال إطار سياسة التواصل مع آسيا الوسطى التي تعتمد على المشاركة السياسية والاقتصادية والشعبية الفعالة.
وقد ترى الهند أن الفرصة باتت سانحة الآن، خاصة في ظل انفتاح طالبان على دول آسيا الوسطى وتبدل المواقف لدى هذه الدول من طالبان مؤخرًا، والتي كان آخرها "طاجيكستان" بعد زيارة وفدها إلى كابول. وبالتالي فإن سياسة الانفتاح التي تتبعها الهند تجاه طالبان تأتي في إطار تبدل المواقف للتماهي مع السياسات التي تنتهجها منطقة آسيا الوسطى لتستطيع ترسيخ وتعزيز حضورها في الوقت الحالي، وهي السياسة التي تنتهجها منذ سنوات.

وما يعزز السياسة الهندية في توجهها إلى جمهوريات آسيا الوسطى، هو الدور الذي لعبته الهند في تطوير وتوسيع ميناء تشابهار الإيراني كممر لوجستي يربط الهند بأفغانستان ثم آسيا الوسطى، لتجاوز الاعتماد على باكستان، ولا يمكن اعتبار هذا الربط تجاريًا فقط؛ بل له قيمة استراتيجية، حيث يفتح أمام الهند منافذ صادرات وواردات آمنة إلى عمق القارة الآسيوية، ويمنحها قدرة أفضل على النفوذ الاقتصادي وربما النفوذ الجيوسياسي في هذه المنطقة.
في المقابل، تسعى حكومة طالبان أيضًا للانفتاح على الهند لتحقيق عدة أهداف يأتي على رأسها كسر العزلة الدولية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي؛ فبعد وصول طالبان إلى السلطة في 2021 انسحبت دول كثيرة وأغلقت سفاراتها في أفغانستان، وكانت الهند من بين هذه الدول، حيث استند الموقف الهندي إلى أن "طالبان" تضم داخلها بعض المجموعات التي لها صلات بتنظيمات معادية للهند. وكان هذا القرار مماثلًا لما حدث في 1996 حينما وصلت الحركة إلى السلطة في أفغانستان لأول مرة.
ويمثل تغيير الموقف الهندي تجاه طالبان فرصة تمنحها نافذة للتواصل مع دولة كبرى في جنوب آسيا، وأيضًا يمنح الحركة طابعًا شرعيًا حتى لو كانت العلاقة حتى الآن دون اعتراف رسمي، لكنها قد تكون خطوة لانتزاع هذا الاعتراف مستقبلًا. كما أن التوتر بين الحركة وباكستان يعزز مساعي طالبان تجاه الهند للبحث عن منافذ سياسية وتجارية وإنسانية، وإيجاد بدائل فورية بدلًا من الاعتماد الكامل على إسلام آباد.
كما أن تغيير الموقف الهندي من طالبان يمثل فرصة للحكومة الأفغانية في مواجهة مشاكلها الاقتصادية من خلال عودة الاستثمارات الهندية، خاصة في قطاعات البنية التحتية، النقل، وربما تنمية صناعية أو زراعية، وما يعزز ذلك هو الرغبة التي يبديها الجانبان في إعادة تفعيل القنوات الاقتصادية، ما يؤشر إلى رغبة مشتركة في الاستثمار، ما يعني تخفيف الأزمة الاقتصادية بالنسبة لطالبان، وفي المقابل تحقيق نفوذ طويل الأمد للهند وربط جغرافي في منطقة استراتيجية.

ختامًا:
يمكن القول إن التقارب بين الهند وطالبان يخدم مصالح الطرفين، وإن كان هذا التقارب محسوبًا من جانب نيودلهي التي لم تعترف رسميًا بحكومة طالبان، إلا أن مستوى الانفتاح الحالي يحقق للهند مصالحها، خاصة في مسألة النفوذ في أفغانستان وتقديم نفسها كبديل عن باكستان في ملفات متعددة، وتنفيذ مشروعها في الربط مع آسيا الوسطى من خلال الممرات اللوجستية. وفي المقابل، يتيح هذا التقارب لطالبان عدة مصالح تتمثل في إيجاد بدائل للمساعدات والخدمات الإنسانية وجذب الاستثمارات، وتوسيع دوائر العلاقات الدولية ما يعطي مؤشرًا على وجود شركاء إقليميين.



