رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اتفاقية قانون البحار: الإطار القانوني لتنظيم الحدود البحرية في شرق المتوسط

إيجبتكِ

في مايو 2019 نشطت تركيا في التنقيب على الغاز الطبيعي قبالة السواحل الغربية لجزيرة قبرص، زاعمة أن تلك المنطقة تقع في إطار الجرف القاري الخاص بها، وفي المقابل تؤكد كل من قبرص واليونان أن النشاطات التنقيبية التركية تأتي مخالفة للقانون الدولي لأنها تتم في إطار المناطق الاقتصادية الخالصة لقبرص. كما تقدمت اليونان برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة مفادها أن الادعاءات التركية حول جرفها القاري غير صحيحة بالمرة.

جغرافية معقدة

يتكون البحر المتوسط من قسمين رئيسين: أحدهما شرقي والآخر غربي، يفصل بينهما خط المياه الضحلة الممتدة بين جزيرة صقلية الإيطالية وتونس، أي أنه طبقًا لهذا التقسيم يتكون القسم الشرقي من دول: تونس، ليبيا، مصر، فلسطين، إسرائيل، لبنان، سوريا، تركيا، قبرص، اليونان، إيطاليا، وبريطانيا.

خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط
خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط

أي أن شرق المتوسط عبارة عن "جيب – تتوسطه جزيرة"  تشارك فيه اثنتا عشرة دولة تتداخل وتتلاصق حدودها البحرية، خاصة حدود المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. ويتضح تداخل الحدود البحرية بشكل كبير كلما اتجهنا إلى السواحل الآسيوية للبحر المتوسط، فأقصى اتساع في البحر المتوسط بين السواحل الجنوبية لكرواتيا والسواحل الليبية يبلغ حوالي 500 ميل بحري (أي 800 كم)، في حين يبلغ اتساع البحر المتوسط بين السواحل المصرية (الأسكندرية على سبيل المثال) والسواحل التركية (أنطاليا على سبيل المثال) حوالي 369 ميلًا بحريًا (أي 637 كم)، تتوسطهما جزيرة قبرص وبعض الجزر اليونانية.

في حال افتراض أن شرق المتوسط يتكون فقط بين دولتين هما مصر وتركيا، فإن المسافة المقدرة بحوالي 369 ميلًا بحريًا ستكون محل تداخل، فإذا استُثنيت مسافة 12 ميلًا بحريًا لكل دولة كمياه إقليمية، يتبقى لنا مسافة 345 ميلًا بحريًا، وهي مسافة لن تكفي لتقسيم منطقتين اقتصاديتين خالصتين لكل دولة (المقدرة قانونًا بـ 200 ميل بحري لكل دولة).

خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط
خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط

ماذا قالت اتفاقية البحار؟

اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة عام 1982 حددت في موادها حقوق والتزامات الدول تجاه البحار والمحيطات، كما حددت آليات تقسيم الحدود بين الدول المتقابلة أو المتلاصقة سواحلها. في البداية قسمت الاتفاقية البحار إلى خمس أقسام رئيسية: المياه الداخلية، المياه الإقليمية، المناطق الاقتصادية الخالصة، الجرف القاري، أعالي البحار أو المياه الدولية.

خط الأساس كأساس لترسيم الحدود البحرية

حددت اتفاقية الأمم المتحدة في مادتها الخامسة ما يسمى خط الأساس المستخدم لقياس عرض البحر الإقليمي، ويتم تحديده من خلال الحد الأدنى للجزر على امتداد الساحل، أي أن أدنى نقطة يصل إليها الجزر تكون بداية البحر الإقليمي، وهو ما يخلق لنا منطقة تسمى المياه الداخلية التي حددتها المادة الثامنة من الاتفاقية على أنها المساحات المائية المحصورة بين خط الأساس وبين بر الدولة، وعادةً ما تحتضن المياه الداخلية منشآت الدولة التي يتم إقامتها على البحار، كالموانئ ومحطات تكرير البترول وغيرها.

وبتحديد "خط الأساس" يتم تحديد عرض "البحر الإقليمي"، الذي لا تتجاوز مساحته طبقًا للمادة الثالثة من الاتفاقية 12 ميلًا بحريًا مقاسًا من خط الأساس. كما حددت الاتفاقية في مادتها 15 أنه في حال وجود سواحل متلاصقة أو متقابلة، لا يجوز أن تمد بحرها الإقليمي إلى أبعد من خط الوسط بين الطرفين.

خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط
خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط

"المناطق الاقتصادية الخالصة" 

فجرت دائرة المسوح الجيولوجية الأمريكية مفاجأة بتقريرها الصادر في مارس 2010 المعنون "تقييم موارد النفط والغاز غير المكتشفة في إقليم حوض شرق البحر المتوسط"، حيث أشار إلى أن احتياطي الغاز المتوقع في المنطقة حوالي 122 تريليون قدم مكعب، ومن المحتمل أن يصل إلى 227 تريليون قدم مكعب كأقصى تقدير.

حددت دائرة المسوح الجيولوجية الأمريكية أن منطقة اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط تتخذ شكل مثلث يتجه للغرب، قاعدته متمثلة في الخط الواصل بين صدع طرطوس شمالًا حتى دلتا النيل وسيناء جنوبًا، أما رأس المثلث فمتمثل في جبل إراتوستينيس.

من الخرائط نجد أن الاحتياطات غير المكتشفة من الغاز الطبيعي تتركز بشكل أساسي في المناطق الاقتصادية الخالصة ومناطق الجرف القاري المتداخلة لدول الجهة الشرقية لحوض شرق المتوسط، خاصة بين مصر وقبرص وتركيا وفلسطين وإسرائيل وسوريا ولبنان وأخيرًا اليونان.

خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط
خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط

ساهمت بنود اتفاقية قانون البحار في تأجيج الخلاف القانوني بين دول المنطقة حول حدود المناطق الاقتصادية الخالصة، فالمادة 57 حددت المنطقة الاقتصادية بـ 200 ميل بحري، لكن في حال وجود سواحل متقابلة أو متلاصقة، أرجعت ترسيم حدود المناطق الاقتصادية الخالصة إلى الاتفاق (المادة 74) على أساس القانون الدولي، وهذا يختلف عن الآلية المتبعة في تعيين الحدود المتقابلة والمتلاصقة في البحر الإقليمي "خط الوسط". ومن هنا تسعى كل دول شرق المتوسط إلى توسيع حدود منطقتها الاقتصادية إلى أبعد حد ممكن للاستحواذ على أكبر قدر من احتياطات الغاز الطبيعي غير المكتشف، حيث لا يوجد إجماع بين دول حوض شرق المتوسط على ترسيم الحدود البحرية.

"الجرف القاري" محاولة لفرض السيطرة على ثروات شرق المتوسط

يؤكد وزير خارجية تركيا، في العديد من المناسبات أن عمليات التنقيب التي تجريها بلاده في شرق المتوسط قانونية، وأنها تقع في منطقة الجرف القاري الخاص بتركيا، وهو ما يفتح الباب أمام جدل حول تعريف الجرف القاري وحدوده البحرية، ودلالات استخدام تركيا لمفهوم الجرف القاري بدلًا من استخدام مفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة.

ما هو الجرف القاري؟

عرفت اتفاقية البحار في المادة 76 الجرف القاري لأي دولة على أنه باطن الأرض المغمورة بالمياه التي تمتد إلى ما وراء بحرها الإقليمي في جميع أنحاء الامتداد الإقليمي لتلك الدولة (أي أنه الامتداد البري للدولة المغمور بالمياه)، وحددت الاتفاقية أنه لا يجوز مد الجرف القاري لأي دولة عن 350 ميلًا بحريًا مقاسًا من خط الأساس. وهو ما يعني إمكانية فرض الدولة سيادتها إلى أبعد من 200 ميل بحري (حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة)، وبالتالي توسيع قدرات الدولة الاستخراجية من ثروات البحر. ومن ثم، نجد أن تركيا تحاول استخدام مفهوم الجرف القاري في تبرير عمليات التنقيب الخاصة بها لأجل السيطرة على أكبر مسافة ممكنة في شرق المتوسط طالما أنها لم تعتدِ على المياه الإقليمية لأي دولة من الدول.

خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط
خرائط تقسيم الغاز في شرق المتوسط

كما ساهمت اتفاقية قانون البحار في تعقيد أزمة ترسيم الجرف القاري في شرق المتوسط، إذ أحالت الترسيم، كما ورد في المادة 83، إلى آلية الاتفاق على أساس القانون الدولي، ولم تضع خط الوسط كآلية منصفة في ترسيم حدود الجرف القاري لأي دولتين متقابلتين.

ختامًا:

يمكن القول إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمثل إطارًا قانونيًا مهمًا لتنظيم العلاقات البحرية بين دول شرق المتوسط، لكنها في الوقت ذاته لم تمنع نشوء النزاعات والخلافات حول الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. فالتداخل الجغرافي والحدود المتلاصقة بين الدول، إلى جانب الثروات الطبيعية غير المكتشفة من الغاز والنفط، جعلت المنطقة ساحة صراع قانوني وسياسي مستمر.

كما يظهر من التحليل أن دول شرق المتوسط تحاول توسيع مناطق نفوذها الاقتصادية عبر استغلال الثغرات القانونية أو إعادة تفسير البنود المتعلقة بالجرف القاري والمياه الاقتصادية، فيما تحرص دول أخرى على الدفاع عن حقوقها وفق آليات الاتفاقية. وبذلك، فإن التوازن بين التعاون القانوني والدبلوماسي من جهة، والتنافس على الموارد البحرية من جهة أخرى، يظل العامل الحاسم في تحديد مستقبل الاستقرار والأمن الإقليمي في شرق المتوسط.

وفي النهاية، تبرز الحاجة الملحة إلى حوار متعدد الأطراف قائم على القانون الدولي، يضمن تقاسم الموارد البحرية بشكل عادل ويحد من تصاعد النزاعات، ما يجعل من اتفاقية البحار أداة فعالة لتحقيق الاستقرار وليس مصدرًا للنزاع.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء