رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لعبة النفوذ الكبرى: الأرجنتين بين المطرقة الأمريكية والسندان الصيني

 الرئيس الأرجنتيني
الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي والرئيس ترامب

في ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، تقف الأرجنتين بين قوتين تسعيان لتوسيع نفوذهما الاقتصادي عالميًا. ومع تزايد طلب بكين على السلع الزراعية والليثيوم، يمكن للبلاد استثمار هذا الاهتمام لتقوية صادراتها وجذب الاستثمارات الأجنبية، واستغلال تلك الفرصة النادرة لتعزيز حضورها الاقتصادي على الصعيد العالمي. 

وتظهر التقديرات أن تأثير هذا الصراع سيمتد إلى السنوات المقبلة، مع توقعات بفتح فرص جديدة أمام "بوينس آيرس" في مجالات الغذاء والليثيوم، مقابل مخاطر محتملة ترتبط بقدرتها على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية. 

وهنا تبرز تساؤلات عن مآلات هذا الصراع ومدى الاستفادة منه، وهل تصبح الفترة بين 2025 و2030 مرحلة مفصلية تحدد مستقبل الاقتصاد الأرجنتيني؟ سواء تعافٍ أو مزيد من التحديات.

تحولات هيكلية في الطلب العالمي

أدى تغير أنماط الاستهلاك في الاقتصادات الكبرى وفي مقدمتها الصين، إلى تحولات هيكلية لافتة في الطلب العالمي على المواد الغذائية. ومع اتساع الطبقة الوسطى الصينية وارتفاع مستويات الدخل، تتجه بكين إلى زيادة طلبها على المنتجات الزراعية الأساسية مثل فول الصويا والذرة واللحوم، ما يعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية للغذاء.

 الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي والرئيس الصيني شي جين بينغ
 الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي والرئيس الصيني شي جين بينغ

وتتحرك الصين بقوة نحو تنويع مصادر وارداتها، خصوصًا بعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، حيث تسعى لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكي والبحث عن موردين جدد يستطيعون تلبية احتياجاتها الضخمة. إذ دفع هذا التحول دولًا منتجة مثل الأرجنتين والبرازيل إلى توسيع قدراتها التصديرية لملء الفراغ الذي خلّفته السلع الأمريكية في السوق الصينية.

ويؤدي هذا التوجه إلى تغييرات واضحة في تدفقات التجارة الدولية، إذ ترتفع أسعار السلع الزراعية عالميًا مع زيادة الطلب الصيني، بينما تستفيد الدول المصدرة من تحسين ميزانها التجاري وتعزيز قدرتها الإنتاجية. كما ينعكس الطلب المتصاعد على الاستثمارات الزراعية والبنية اللوجستية في الدول المنتجة.

وعلى ما يبدو، فإن استمرار شراهة بكين في طلب الغذاء سيبقى عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل السوق العالمية، خاصة في ظل ارتفاع حاجتها للأعلاف والبروتين الحيواني. ومن المتوقع أن تتسع هذه التحولات خلال السنوات المقبلة مع ازدياد التنافس الدولي على تلبية الطلب الصيني المتنامي.

استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية
استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية

الليثيوم: ورقة القوة الجديدة

أصبح الليثيوم الذي يُصنّف كمعدن استراتيجي محور تنافس اقتصادي وجيوسياسي متزايد. لذلك يشهد سوق الليثيوم العالمي تحولًا لافتًا مع تصاعد الطلب على البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية والتقنيات الحديثة.

وتتصدر دول مثل الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا—المكونة لما يُعرف بمثلث الليثيوم—المشهد العالمي باعتبارها تملك أكبر الاحتياطات المؤكدة من هذا المورد الحيوي.

استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية
استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية

وتبرز الأرجنتين بشكل خاص كلاعب صاعد في هذا القطاع، إذ تستقطب استثمارات واسعة من شركات دولية تسعى لضمان إمدادات مستقرة من الليثيوم. وتتنافس شركات صينية وأمريكية وأوروبية على الدخول في مشاريع التعدين والإنتاج، في محاولة لتعزيز حضورها في واحدة من أكثر المناطق غنى بهذا المعدن.

هذا التنافس يعكس إدراك القوى الكبرى لأهمية الليثيوم في سباق التحول الطاقي العالمي. وتسعى الحكومة الأرجنتينية إلى الاستفادة من هذا الاهتمام الدولي عبر توسيع قدراتها الاستخراجية وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالليثيوم، بما في ذلك تصنيع البطاريات محليًا.

والحقيقة أن هذا المعدن تحول إلى "ورقة قوة" استراتيجية بيد الدول المالكة له، في ظل توقعات بزيادة الطلب العالمي عليه خلال العقد المقبل. ومن المرجح أن يستمر الليثيوم في لعب دور محوري في تشكيل العلاقات الاقتصادية بين الدول، مع تزايد الاعتماد على الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة التي تعتمد عليه بشكل أساسي.

اللعب على التوازن بين واشنطن وبكين

تتبع "بوينس آيرس" سياسة خارجية تعتمد على مبدأ اللعب على التوازن بين الولايات المتحدة والصين، في ظل التنافس المتصاعد بين القوتين على النفوذ الاقتصادي والسياسي عالميًا. وتبرز هذه الاستراتيجية كخيار عملي للدول التي ترغب في تجنب الاصطفاف المباشر، والاستفادة بدلًا من ذلك من الفرص التي يتيحها الطرفان.

استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية
استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية

وقد عززت الأرجنتين تعاونها الاقتصادي مع الصين خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والطاقة والتعدين، إلى جانب توسع صادراتها الزراعية نحو السوق الصينية، خاصة أن بكين تنظر إلى الأرجنتين كجزء مهم ضمن شبكتها الاقتصادية في أمريكا الجنوبية، تحديدًا في مجالات الغذاء والليثيوم.

وفي المقابل، تحافظ "بوينس آيرس" على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، لا سيما في الملفات المالية المرتبطة بصندوق النقد الدولي والاستثمارات التكنولوجية والزراعية الأمريكية. وتعمل واشنطن على تعزيز حضورها في المنطقة للحد من النفوذ الصيني، ما يدفعها إلى تقديم دعم اقتصادي وسياسي للحلفاء والشركاء التقليديين في نصف الكرة الغربي.

قدرة الأرجنتين على المناورة بين القوتين تمنحها هامشًا مهمًا لجذب التمويل والاستثمار، لكنها في الوقت نفسه تتطلب إدارة دقيقة لتجنب الضغوط السياسية. ومع استمرار التنافس بين واشنطن وبكين، يبدو أن هذا التوازن سيبقى عنصرًا أساسيًا في سياسة الأرجنتين الخارجية خلال السنوات المقبلة.

معدن الليثيوم بعد المعالجة 
معدن الليثيوم بعد المعالجة 

سيناريوهات.. أثر الصراع على الاقتصاد الأرجنتيني

تشير تقديرات اقتصادية إلى أنّ استمرار التوتر بين الولايات المتحدة والصين سيترك بصمة واضحة على الاقتصاد الأرجنتيني خلال الفترة بين 2025 و2030، مع ترجيح سيناريوهات مختلفة تعتمد على مسار الصراع العالمي وقدرة الأرجنتين على الحفاظ على توازن دقيق بين القوتين. فمن المحتمل أن تستفيد من تزايد الطلب الصيني على الغذاء والليثيوم، ما يمنحها فرصًا لتعزيز صادراتها الزراعية ومشاريع التعدين الحيوية.

غير أن هذه المكاسب تبقى مشروطة باستقرار العلاقات الدولية وعدم انزلاق الصراع نحو مستويات أعلى من المواجهة، إذ قد يؤدي أي اختلال في التوازن إلى ضغوط مباشرة على الاقتصاد الأرجنتيني، سواء من خلال تراجع الاستثمارات أو تقلّص الطلب على منتجاتها الاستراتيجية.

وفيما يتعلق بحجم المكاسب المتاحة خلال السنوات المقبلة، فستظل مرهونة بقدرة "بوينس آيرس" على المناورة بين الطرفين. وفي حال تمكنت الأرجنتين من الحفاظ على هذا التوازن واستثمار الاهتمام الدولي المتزايد بمواردها الطبيعية، فمن المنتظر أن تشهد البلاد تحسنًا تدريجيًا في مؤشرات النمو واحتياطيات النقد الأجنبي.

استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية
استخراج معدن الليثيوم في الأرجنتين - أرشيفية

أما في حال تصاعد الصراع واضطرت البلاد إلى الاصطفاف مع أحد الطرفين، فقد تواجه ضغوطًا مالية وتجارية كبيرة، ما يعيدها إلى دائرة عدم الاستقرار الاقتصادي.

ختامًا:

في المحصلة، تبدو الأرجنتين أمام لحظة فارقة قد تعيد تشكيل موقعها الاقتصادي والجيوسياسي خلال السنوات المقبلة، إذ يمنحها التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين نافذة نادرة لتعزيز حضورها في أسواق الغذاء والليثيوم، وهما قطاعان مرشحان للعب دور محوري في الاقتصاد العالمي حتى عام 2030. غير أن قدرة بوينس آيرس على تحويل هذه الفرص إلى مكاسب حقيقية ستظل رهينة بمهارتها في المناورة بين القوتين العظميين، والحفاظ على توازن دقيق يمنع انزلاقها إلى محاور الصراع. فبين فرص اقتصادية واعدة وتحديات جيوسياسية معقّدة، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة بما تملكه الأرجنتين من قدرة على إدارة علاقاتها الدولية، واستثمار مواردها الاستراتيجية، وتحقيق قدر من الاستقرار الداخلي يمكّنها من مواجهة التحولات العالمية بثقة وفاعلية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء