الأمن الأوروبي بعد واشنطن: كيف تغيرت قواعد اللعبة لصالح برلين؟
على خلفية تراجع الدعم المالي الأمريكي خلال السنة الأخيرة في الحرب الأوكرانية الروسية، انتقل مركز الثقل في دعم كييف تدريجيًا من واشنطن إلى العواصم الأوروبية. يظهر هذا التحول أنه أعاد رسم ملامح المشهد الجيوسياسي، إذ باتت دول أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا، تتحمل جزءًا أكبر من مسؤولية الحفاظ على استقرار القارة ومنع انهيار القدرات الدفاعية الأوكرانية.

أثار قرار الائتلاف الحاكم في ألمانيا تخصيص تمويل إضافي بقيمة 3 مليارات يورو لمساعدة أوكرانيا الجدل حول مفاوضات ماراثونية حول مشروع موازنة عام 2026، التي استمرت حتى وافق المشرعون في الائتلاف الحاكم المكوّن من التحالف المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي على زيادة المساعدات لأوكرانيا إلى 11.5 مليار يورو، ليبلغ الدعم الألماني لكييف أعلى مستوى له منذ الغزو الروسي في عام 2022.
ويعكس هذا الوضع إدراكًا متزايدًا في أوروبا بأن الحرب على حدودها المباشرة تُعد تهديدًا للأمن الأوروبي قبل أن تكون ملفًا خارجيًا يمكن الاعتماد فيه على الولايات المتحدة.

انتقال مركز الثقل من واشنطن إلى أوروبا
عززت الدول الأوروبية حضورها السياسي والعسكري في الملف الأوكراني، كنوع من ملء الفراغ الذي خلّفته واشنطن، إذ برزت ألمانيا بصورة خاصة من خلال رفع مخصصات الدعم العسكري، فيما اتجهت دول أخرى إلى تكثيف الإمدادات الدفاعية والمساعدات الاقتصادية. ويؤكد هذا الدور المتنامي أن أوروبا بدأت تنظر بجدية إلى ضرورة بناء قدرة ذاتية لإدارة أزماتها الإقليمية دون انتظار تحركات أمريكية قد تتأثر بالاستقطاب السياسي الداخلي في واشنطن.

في السياق ذاته، أعاد تراجع الدعم الأمريكي فتح نقاشات أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول مستقبل الأمن الأوروبي وبناء منظومات دفاعية مستقلة. فالدول الأوروبية تدرك الآن أن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مضمونًا، خاصة في ظل التحولات السياسية المتسارعة في الداخل الأمريكي، وعكفت أوروبا على تسريع الجهود الرامية إلى تطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية وتوحيد استراتيجيات الأمن في مواجهة التهديدات المشتركة.
وتشير هذه المقدمات إلى مرحلة جديدة تتبلور فيها أوروبا كلاعب أمني أول في القارة، بدعم أوكرانيا كاختبار رئيسي لمدى قدرتها على تحمل المسؤولية. ففي الوقت الذي تستفيد فيه روسيا من تراجع المساعدات الأمريكية لإحراز مكاسب سياسية ونفسية، تعمل أوروبا على سد الفجوة لضمان بقاء أوكرانيا صامدة، ولإثبات قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه الاستراتيجية في عصر تتراجع فيه مظلة الضمانات الأمريكية التقليدية.
ألمانيا من لاعب اقتصادي إلى الدور الأمني
بعد سنوات من التحفظ العسكري، تتحول برلين من التركيز التقليدي على قوتها الاقتصادية إلى لعب دور أمني متقدم في الساحة الدولية، إذ دفعت الحرب في أوكرانيا برلين إلى إعادة النظر في سياستها الدفاعية وزيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير، في خطوة تعكس رغبة واضحة في تحمل مسؤولية أكبر تجاه أمن القارة. وتضمنت هذه التحركات تزويد كييف بأسلحة متطورة وتعزيز جاهزية الجيش الألماني، بما يجعل ألمانيا واحدة من أبرز الداعمين لأوكرانيا خلال المرحلة الحالية.

هذا الدعم تجاوز الإمداد العسكري المباشر ليصل إلى إعادة صياغة العقيدة الأمنية الألمانية، التي تعتمد الآن على سياسة دفاعية أكثر انفتاحًا وفاعلية. وقد برز ذلك في قرارات الحكومة برفع ميزانيات الدفاع وتخصيص موارد إضافية لتمويل مبادرات أمنية داخل أوروبا، كما تعمل برلين على تطوير صناعاتها الدفاعية وتوسيع التعاون العسكري داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل قطيعة واضحة مع نهجها السابق الذي ركز لعقود على الاقتصاد والدبلوماسية بدلًا من القدرات العسكرية.
ومؤخرًا، تقود ألمانيا التحول الأوروبي عبر الدفع نحو بناء استقلالية أمنية أكبر، وتفعيل دور الاتحاد الأوروبي في إدارة أزماته، وتبرز في هذا السياق دعوات ألمانية لزيادة التكامل الدفاعي داخل القارة، وتكثيف التعاون بين جيوش الدول الأوروبية، وإطلاق مشاريع تسليح مشتركة تسمح بتقليل الاعتماد على القدرات العسكرية الأمريكية. ومع استمرار الحرب على حدود أوروبا، يبدو أن الدور الألماني المتنامي بات ضرورة استراتيجية، يهدف إلى حماية القارة وإثبات قدرتها على مواجهة التحديات دون الاتكال الكامل على واشنطن.
دلالات التحولات الغربية على أوكرانيا وروسيا
تشير التطورات الأخيرة في مواقف الدول الغربية إلى مرحلة حساسة بالنسبة لأوكرانيا، التي تجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد، إذ باتت كييف تعتمد بشكل أكبر على المساعدات الأوروبية، التي رغم أهميتها قد لا تعوض بالكامل بعض القدرات النوعية التي كانت توفرها الولايات المتحدة. ومع ذلك، يؤكد المسؤولون الأوكرانيون أن استمرار الدعم الأوروبي يضمن الحد الأدنى من توازن المعركة، ويسمح للجيش الأوكراني بالحفاظ على خطوطه الدفاعية ومواصلة جهوده الميدانية.

على الجانب الأوكراني، تأتي هذه التحولات في لحظة تحتاج فيها كييف إلى تعزيز كبير في التسليح والذخائر، ما يدفعها لتسريع مشاريع تطوير صناعاتها الدفاعية الداخلية، وتعمل أوكرانيا على توسيع شراكاتها العسكرية مع دول أوروبية لتأمين الإمدادات الحيوية وتعويض أي نقص محتمل.
كما تُظهر القيادة الأوكرانية حرصًا على الحفاظ على زخم الدعم الدولي عبر مبادرات دبلوماسية نشطة، والضغط للحصول على معدات دفاع جوي وأنظمة مدفعية متقدمة لمواجهة الهجمات الروسية المستمرة.
أما بالنسبة لروسيا، فقد استقبلت موسكو تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا بوصفه فرصة سياسية وإعلامية تسعى لاستثمارها في تعزيز روايتها الداخلية والخارجية؛ فغياب بعض المساعدات الأمريكية يُعتبر، من وجهة النظر الروسية، مؤشرًا على تراجع التماسك داخل المعسكر الغربي، وهو ما تستخدمه موسكو لتأكيد أن الاستنزاف الطويل بدأ يؤتي ثماره. وترافق ذلك مع زيادة النشاط العسكري الروسي على الجبهات المختلفة في محاولة لاستغلال أي ضعف محتمل في القدرات الأوكرانية خلال فترة التحول في مصادر الدعم.
ختامًا:
يمثل الدعم الأوروبي المتزايد، وخاصة الألماني، التزامًا طويل الأمد قد يحد من قدرة موسكو على فرض أمر واقع عسكري. ومع دخول أوروبا مرحلة جديدة من تعزيز استقلاليتها الدفاعية، تبدو الحرب أمام منعطف جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوى، ما يجعل أوكرانيا وروسيا على حد سواء في مواجهة بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في بداية الصراع.



