العيون الخمس: كيف تحوّل التنصّت العسكري إلى أكبر شبكة استخبارات غربية؟
جددت التوترات بين بريطانيا والولايات المتحدة بخصوص التبادل الاستخباراتي، الحديث عن مستقبل "تحالف العيون الخمس" الذي يُصنَّف كأحد أكثر التكتلات الاستخباراتية تأثيرًا في العالم، مستندًا إلى تاريخ يمتد إلى الحرب العالمية الثانية، بعد أن أصبح يتجاوز دوره التقليدي كشبكة تجسسية مغلقة.
مع التحولات التكنولوجية والأزمات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، تحوّل التحالف إلى لاعب رئيسي في إدارة تدفقات البيانات العالمية، وصياغة المعايير التقنية، وتنسيق السياسات الاقتصادية والأمنية بين دوله الأنجلو–ساكسونية، وبينما تتزايد التحديات الرقمية والجيوسياسية، يبرز سؤال جوهري: هل ما زال التحالف جهازاً استخباراتياً أم أصبح بنية حكم خفية للعالم الرقمي؟
خلفية تاريخية.. من التنصت إلى الاستخبارات
بدأت فكرة التحالف أثناء الحرب العالمية الثانية، حين تعاونت الولايات المتحدة وبريطانيا في اعتراض الاتصالات العسكرية الألمانية واليابانية، قبل أن تتحول تلك الشراكة إلى اتفاق رسمي باسم اتفاقية "يوكيزا" عام 1946، والذي تطور تدريجيًا ليضم كندا وأستراليا ونيوزيلندا، ما خلق أكبر شبكة تنصت وتحليل إشارات في العالم خلال الحرب الباردة، وكانت سرية التعامل والإشارة للتحالف كبيرة لدرجة أن المعاهدة التي أنشأته لم تكن معروفة أو متاحة للعديد من السياسيين والمشرعين في الدول الخمس، ولم يتم إزاحة الستار عن الاتفاقية إلا في يونيو 2010.

توسعت البنية التقنية للتحالف، وتحول إلى جهاز مراقبة عابر للحدود ينسق بين الدول الخمس في جمع وتحليل المعلومات؛ بالاستفادة من تطور قدرات الأقمار الصناعية والاتصالات الرقمية في السبعينيات.
وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دخل التحالف مرحلة تحديث شاملة اعتمدت على الذكاء الاصطناعي، والتحليل الرقمي وتوحيد قواعد البيانات، ما ضاعف من قدراته في مراقبة الاتصالات والإنترنت حول العالم. وأدت التسريبات التي نشرها إدوارد سنودن عام 2013 إلى إظهار حجم عمليات التحالف، بما في ذلك التجسس على قادة دول حليفة، ما أثار جدلًا واسعًا حول طبيعته غير الخاضعة للرقابة.
وبعد صعود الصين أصبحت التكنولوجيا ساحة صراع دولي، إذ اكتسب التحالف دورًا جديدًا يتجاوز التجسس التقليدي، ليصبح منصة لتنسيق السياسات التقنية والمعايير الأمنية والرقمية بين الدول الأنجلو–ساكسونية. حيث تقدم الدول الخمس نفسها باعتبارها الدرع الغربي الأول في مواجهة ما تعتبره تهديدات هجينة تشمل القرصنة والتضليل والتجسس التجاري، ما يجعل التحالف لاعبًا مركزيًا في تشكيل مستقبل الإنترنت والبيانات العالمية.
إعادة هندسة النظام الدولي عبر البيانات
وفق معطيات حديثة، لم يعد "العيون الخمس" مجرد أداة تنصت، بل تحوّل تدريجيًا إلى بنية تحتية للحكم العالمي تتحكم في تدفقات البيانات، ويستند هذا التحول إلى السيطرة المشتركة للدول الخمس على نقاط عبور الإنترنت وأنظمة الكابلات البحرية، ما يمنحها قدرة شبه حصرية على مراقبة حركة المعلومات العالمية. ويتيح هذا النفوذ وضع معايير أمنية تُفرض فعليًا على شركات التكنولوجيا العالمية، حتى خارج حدود الدول الخمس.
وتشير ممارسات التحالف إلى أن دوره أصبح يتجاوز الاستخبارات، عبر تحديد قواعد اللعبة في الفضاء الرقمي العالمي، بما يشمل التشفير والخصوصية والسحابة والذكاء الاصطناعي؛ ما يعني أننا أمام نظام موازٍ للحوكمة لا يخضع للمؤسسات الدولية التقليدية، ويعزز ما يُعرف بـ"القوة المعيارية" التي تمكّن الدول الخمس من صياغة نظام دولي يقوم على ثقافتها التقنية.
مرحلة الانتقال من التجسس إلى إدارة البنية الرقمية للعالم ربما تؤدي إلى ظهور طبقتين من الإنترنت: الأولى خاضعة للمعايير الغربية التي يضعها التحالف، والثانية تسيطر عليها قوى منافسة مثل الصين وروسيا. هنا تكمن خطورة تجزئة النظام الدولي للمعلومات، وخلق مساحات سيادية منفصلة للبيانات، ما يعيد تشكيل مفهوم السيادة والحدود في العصر الرقمي. وبذلك يصبح التحالف أشبه بـ"حكومة إلكترونية عالمية" غير معلنة.

العيون الخمس كحلف تكنولوجي لاحتواء الصين
على الرغم من جذوره الاستخباراتية، يشير رصد تطورات السنوات الأخيرة إلى أن "العيون الخمس" بات يُدار بمنطق التحالف التكنولوجي الموجّه لاحتواء النفوذ الرقمي الصيني. فقد لعب التحالف دورًا محوريًا في حملة إقصاء شركة هواوي من شبكات الجيل الخامس في عشرات الدول، مستندًا إلى تقديرات أمنية مشتركة.
ومع توسع بكين في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، أصبح التنسيق بين الدول الخمس أكثر صلابة، إذ وسّع التحالف نطاق عمله ليشمل تقييم الاستثمارات والتقنيات الأجنبية، وتنسيق قيود التصدير على الشرائح المتقدمة، ومراقبة سلاسل الإمداد الحيوية.
وتعمل الدول الخمس على توحيد أطر الأمن السيبراني لمواجهة المحاولات الصينية لبناء إنترنت سيادي مغلق، وهو ما تدركه واشنطن وحلفاؤها باعتباره تهديداً لبنية الاقتصاد العالمي. وبذلك ينتقل التحالف من الدفاع إلى الهجوم الاقتصادي التقني.

ومن المحتمل أن تشهد المرحلة القادمة تنافسًا مباشرًا بين منظومتين: منظومة العيون الخمس التي تسعى لحماية التفوق التكنولوجي الغربي، ومنظومة آسيوية ناشئة تقوم على مبادرة الصين للأمن السيبراني المشترك. وفي حال استمرار الاتجاه الحالي، قد يصبح التحالف "ناتو رقمي"، حيث تنتقل المواجهة من المجال الأمني إلى البنى الاقتصادية والبحثية؛ ما يرفع من حدة الاستقطاب بين النظامين الغربي والآسيوي.
من الأمن إلى الاقتصاد.. العيون الخمس وإدارة الموارد المعلوماتية
يُظهر تتبع نشاط التحالف أنه يتحول تدريجيًا إلى منصة اقتصادية تراقب تدفقات التكنولوجيا والاستثمار، وليس مجرد جهاز استخباراتي. فالدول الخمس باتت تستخدم المعلومات كمورد اقتصادي يمكّنها من التأثير على أسواق السلع والطاقة، وتوقع تحركات الشركات الكبرى، ورصد المخاطر المالية العابرة للحدود.
ويُعد تطوير مراكز تحليل البيانات المشتركة أحد أبرز مؤشرات هذا التحول، وبحسب تقارير استخباراتية يشارك التحالف في تقييم عمليات الاستحواذ الأجنبية على الشركات التقنية الحساسة، وتحديد المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والشرائح الإلكترونية. ويتقاطع هذا الدور مع سياسات الأمن القومي الاقتصادي التي باتت واشنطن ولندن وكانبيرا تعتمدها خلال السنوات الأخيرة.
وفي حال استمر توسع هذا الدور، قد يصبح التحالف أشبه بـ"صندوق النقد للبيانات"، يراقب الأسواق، ويحدّد المخاطر، ويصدر تحذيرات دولية استنادًا إلى قدرته على الوصول إلى المعلومات الحساسة، وهذا يضعه في قلب الاقتصاد العالمي، وليس على هامشه.
ختامًا:
من الواضح أن "تحالف العيون الخمس" يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الجغرافيا والدوافع الاستخباراتية التي صاغت وجوده قبل أكثر من سبعة عقود. فقد أصبح منصة تنسّق التكنولوجيا والأمن والاقتصاد عبر منظومة تعمل خلف الخطوط الأمامية للأحداث العالمية.
ورغم محاولات دول عديدة الانضمام أو التأثير فيه، يحتفظ التحالف بخصوصيته المغلقة وبقدرته على صياغة قواعد الحوكمة الرقمية دون الإعلان عن ذلك مباشرة. وبينما يتسارع سباق الذكاء الاصطناعي والبيانات، يبدو أن السنوات المقبلة ستحدد ما إذا كان التحالف سيظل حارساً أمنياً للغرب أم سيتحوّل إلى بنية مركزية تدير النظام العالمي الجديد من خلف الستار.



