رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اليونان وإسرائيل: شراكة دفاعية تتجاوز السلاح إلى تعظيم النفوذ الإقليمي

منظومة الدفاع الجوي
منظومة الدفاع الجوي اليونانية - أرشيفية

أفادت تسريبات استراتيجية أن اليونان تستعد لإعادة بناء منظومتها الدفاعية بشكل شامل عبر مشروع استراتيجي يحمل اسم "درع أخيل"، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرتها على الردع ومجاراة منافستها التاريخية تركيا، إذ نقلت رويترز عن مسؤولين مطلعين أن أثينا تجري محادثات مع إسرائيل لشراء أنظمة صاروخية متطورة ضمن شبكة دفاع جوي متعددة المستويات ضد الطائرات والطائرات المسيّرة، بميزانية تصل إلى ثلاثة مليارات يورو من إجمالي 28 مليار يورو مخصصة لتحديث القوات المسلحة حتى عام 2036.

وتشمل خطة التحديث اليونانية أيضًا شراء مقاتلات شبح حديثة، وفرقاطات وغواصات من الولايات المتحدة وأوروبا، في مسعى لتعويض سنوات الجمود الدفاعي بعد الأزمة المالية التي شهدتها البلاد بين عامي 2009 و2018.

ويعكس هذا التحرك الطموح رغبة أثينا في بناء قدرات عسكرية متقدمة وحماية أمنها القومي في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة.

منظومة الدفاع الجوي اليونانية - أرشيفية
منظومة الدفاع الجوي اليونانية - أرشيفية

خلفية تاريخية عن درع أخيل

يحمل اسم المشروع العسكري اليوناني دلالات تاريخية ورمزية؛ فأخيل أحد أبرز أبطال الأساطير اليونانية المعروفين بشجاعتهم ومهارتهم القتالية، بينما يشير مصطلح "الدرع" إلى بناء منظومة دفاعية قادرة على منع أي هجوم أو تهديد قبل وقوعه.

وهكذا، يُجسد المشروع الرغبة اليونانية في تعزيز دفاعاتها وتغطية نقاط ضعفها الاستراتيجية على غرار "كعب أخيل" الأسطوري. وتقول الأسطورة إن الأم ثيتيس حاولت جعل ابنها أخيل خالدًا بغمره في نهر ستيكس، إلا أنها أمسكت به من كعبه، فبقي هذا الجزء الوحيد من جسده غير محصن، مما سمح بأن يُقتل بسهم مسموم أصاب كعبه في النهاية. لذلك أصبح المصطلح يُستخدم مجازيًا للإشارة إلى نقطة ضعف لدى أي شخص قوي.

والمشروع جزء من خطة أوسع لتحديث القوات المسلحة اليونانية حتى عام 2036، ويشمل شراء أنظمة دفاع جوي متطورة، ومدفعية دقيقة، وربما صواريخ أرض–جو متوسطة المدى، بالتعاون مع الصناعة الدفاعية الإسرائيلية. وتعكس هذه الخطوة تقاربًا استراتيجيًا بين اليونان وإسرائيل، كما تُرسل رسالة قوية إلى القوى الإقليمية حول جدية أثينا في تأمين أراضيها ومجالها الجوي. 

منظومة الدفاع الجوي اليونانية - أرشيفية
منظومة الدفاع الجوي اليونانية - أرشيفية

أثينا وخطة الردع العسكري

تواجه اليونان تحديات أمنية متزايدة على المستوى الإقليمي، يأتي في مقدمتها التوترات المستمرة مع تركيا، وتشمل هذه التوترات النزاعات حول الحدود البحرية والجرف القاري في شرق البحر المتوسط، والمجال الجوي فوق بحر إيجة، إضافة إلى الخلافات حول السيادة على بعض الجزر المتقاربة من الساحل التركي.

وتُعد هذه القضايا مصدرًا مستمرًا للتصعيد العسكري والمناورات الاستفزازية بين البلدين. وإلى جانب التهديدات التركية المباشرة، تظل الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عامل ضغط على أمن اليونان، ومنها النزاعات في سوريا وليبيا، التي قد تؤدي إلى تهريب الأسلحة أو تدفق اللاجئين، مما يفرض تحديات إضافية على الحدود والموانئ اليونانية.

كما تواجه اليونان تهديدات غير تقليدية تشمل الإرهاب والهجمات السيبرانية. ورغم ندرة الهجمات الإرهابية المباشرة، فإن الأمن الإلكتروني للبنية التحتية الحيوية يمثل أولوية، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع الدول الإقليمية وسباق التسلح التكنولوجي.

وتسعى أثينا لمواجهة هذه التهديدات عبر تحديث منظوماتها الدفاعية، بما يشمل تعزيز الدفاع الجوي والمدفعي، وبناء شراكات استراتيجية مع حلفائها، بما في ذلك إسرائيل وأعضاء الناتو، لتعزيز قدراتها الردعية والحفاظ على استقرار أمنها الوطني والإقليمي.

الجيش اليوناني - أرشيفية
الجيش اليوناني - أرشيفية

التقارب الإسرائيلي–اليوناني

شهدت العلاقات العسكرية بين اليونان وإسرائيل تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الدولتان شريكين استراتيجيين في مجالات الدفاع والأمن الإقليمي. ويرتبط هذا التقارب بالرغبة المشتركة في مواجهة التهديدات الإقليمية، خصوصًا التوترات مع تركيا في شرق البحر المتوسط.

وتتضمن هذه الشراكة تدريبات مشتركة للقوات الجوية والبحرية والبرية، مع تبادل الخبرات في الدفاع الجوي واستخدام نظم الرادار والمراقبة الحديثة. وقد ساهمت هذه التدريبات في تعزيز جاهزية القوات وزيادة قدرة اليونان على التنسيق العسكري مع إسرائيل في الحالات الطارئة.

كما شملت العلاقات العسكرية صفقات أسلحة ومعدات دفاعية متطورة، أبرزها أنظمة الدفاع الجوي Spyder والمشروع الاستراتيجي "درع أخيل"، الذي يهدف إلى بناء منظومة متكاملة للدفاع الجوي والردع ضد أي تهديد محتمل. ويعكس هذا التعاون حرص اليونان على تحديث قواتها المسلحة وتقليل اعتمادها على أنظمة تقليدية فقط.

الجيش اليوناني - أرشيفية
الجيش اليوناني - أرشيفية

مآلات المشروع على تحالفات الناتو وشرق المتوسط

يُنظر إلى مشروع "درع أخيل" على أنه خطوة استراتيجية لتعزيز موقع اليونان ضمن التحالفات الإقليمية والدولية، إذ يتيح زيادة قدرتها على المشاركة الفاعلة في عمليات الناتو، خاصة في مجالات الدفاع الجوي وحماية المجال البحري.

ويعكس التعاون العسكري مع إسرائيل رغبة اليونان في تنويع شركائها الاستراتيجيين خارج النطاق التقليدي للحلف، ما يوسع شبكة التحالفات ويمنح أثينا نفوذًا أكبر في شرق المتوسط، وذلك في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة بين القوى الإقليمية، خاصة مع تصاعد الخلافات مع تركيا حول الجرف القاري وحقوق التنقيب عن الطاقة.

ومن المنتظر أن يعزز "درع أخيل" التنسيق بين اليونان وحلفائها الأوروبيين والأمريكيين عبر دمج الأنظمة الدفاعية الحديثة في عمليات مشتركة، وتحسين جاهزية القوات المسلحة اليونانية وقوات الناتو. كما يُتوقع أن يساهم في زيادة ثقة الحلفاء في قدرة اليونان على دعم الأمن الإقليمي وحماية المصالح المشتركة.

وبجانب الأبعاد العسكرية، يرسل مشروع "درع أخيل" رسالة سياسية واضحة للطرف الإقليمي الآخر، مفادها أن اليونان عازمة على حماية سيادتها وأراضيها، مع الحفاظ على مكانتها كعضو فاعل ضمن التحالفات الدولية، وتعزيز الاستقرار في شرق المتوسط من خلال تحالفات متينة وشراكات استراتيجية متعددة. 

الجيش اليوناني - أرشيفية
الجيش اليوناني - أرشيفية

وتؤثر هذه الخطوة في البعد الاستراتيجي للعلاقة بين اليونان وإسرائيل، حيث تمنح اليونان قدرات دفاعية حديثة، بينما تكسب إسرائيل نفوذًا إضافيًا في شرق المتوسط. ويأتي هذا التعاون في إطار تعزيز الاستقرار الإقليمي والقدرة على الردع أمام أي تهديدات محتملة للأمن القومي.

ختامًا:

في ضوء المعطيات الواردة، يبدو أن مشروع "درع أخيل" ليس مجرد برنامج عسكري لتحديث القدرات الدفاعية اليونانية، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا شاملًا في عقيدة أثينا الأمنية ورؤيتها لموازين القوى في شرق المتوسط. فالتعاون المتنامي مع إسرائيل، إلى جانب الاستثمارات الضخمة في الدفاع الجوي والمعدات الحديثة، يعكس إدراكًا يونانيًا بأن البيئة الإقليمية تتجه نحو مزيد من التعقيد، وأن مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية لم تعد ممكنة بالأدوات القديمة التي أضعفتها سنوات التقشف.

منظومة الدفاع الجوي اليونانية - أرشيفية
منظومة الدفاع الجوي اليونانية - أرشيفية

وبينما يهدف المشروع إلى سد الثغرات التي طالما شكلت "كعب أخيل" في المنظومة الدفاعية اليونانية، فإنه في الوقت نفسه يرسل رسالة واضحة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء: أن أثينا تسعى إلى ترسيخ موقعها كقوة رادعة وقادرة على حماية سيادتها، وتعزيز دورها ضمن الناتو وشبكة التحالفات الغربية. ومع وصول التعاون العسكري مع إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة، يتعمق البعد الجيوسياسي للمشروع، ليصبح جزءًا من إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، في ظل تنافس محموم على النفوذ وموارد الطاقة.

وعليه، فإن مستقبل "درع أخيل" سيعتمد على قدرة اليونان على دمج هذه القدرات الجديدة ضمن استراتيجية دفاعية متماسكة، واستثمار هذا التحول في بناء تحالفات راسخة واستقرار طويل الأمد. وإذا نجحت أثينا في تنفيذ أهداف المشروع حتى 2036، فقد يشكل ذلك أحد أهم التحولات في الأمن الإقليمي، ويعيد رسم خريطة القوة في شرق المتوسط خلال العقود المقبلة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء